مقالات الرأي

مسيحيون دون حمولات

 

أعترفُ -بصفتي سوريًا- أن الثورة قد جعلتني مريضًا، بشكل من الأشكال؛ فقد أصبحتُ أكره “المسيحيين”، أينما ورد ذكرهم، بل أصبحت أكره كلَّ “الأقليات” السورية، بسبب موقف أغلبهم، ليس من الثورة السورية، فهم أحرار في قبولها أو رفضها، ولكن مِن تأييدهم الأعمى لنظامٍ قاتلٍ. كان يمكن أن أتقبّل خوفهم من الثورة، لما تحمله من الجديد المجهول الذي قد يمسّ استقرارهم ومصالحهم “الموهومة”. لكنّ دعمهم لنظامٍ قاتلٍ وسارقٍ، لم يكن يخفي جرائمه، بل على العكس كان يعلنها ويتباهى بها، هو ما دفعني -خلال سبع سنوات من استمرار تدفق شلال الدم السوري- إلى اتخاذ موقفٍ عدائي مِن كل مَن ناصرَ الأسد؛ لأنه يناصر مجرمًا، قتل مئات الألوف، وهجّر ملايين السوريين، ودمّر الحواضر السورية.. فهل حان وقت شفائي من هذا المرض الآن؟

مع وصول نحو أربعين ألف لاجئ سوري إلى كندا، أغلبهم من المسيحيين المكفولين؛ زادت الفرص للاحتكاك بالسوريين، ومعرفة طرق تفكيرهم، ونظرتهم إلى ما جرى ويجري في سورية. أحد أقاربنا، الذي وصل مع عائلته إلى مونتريال منذ سنتين، دعانا إلى قضاء ليلة رأس السنة، خارج البيوت، والذهاب إلى مطعمٍ ينظمُ سهرة مع عشاء وموسيقى؛ تحمسَت النساء والأولاد للاقتراح، وبدوري وجدت المناسبة جيدة لارتداء طقمٍ، كنت قد اشتريته قبل سنتين ولم يتح لي أن ألبسه.

بعد وصولنا بقليل؛ لاحظت أن كل شيء في المطعم سوري: الطعام والشراب والحضور وأصحاب المطعم والعاملون والعاملات والمطرب، وبشكلٍ ما، الموسيقى والأغنيات أيضًا. ثم عرفت أن الجميع من المسيحيين، وأغلبهم لم يمض على وجودهم في كندا أكثر من سنتين، وأعمارهم تراوح ما بين العشرين والخمسين سنة، وقد أكون شخصيًا أكبرهم عمرًا. لذلك يمكن القول، دون تحفظ، إن الغالبية منهم وُلدوا في عصر الأسدَين، ولا يعرفون رئيسًا لسورية غير الأسد الأب والأبن.

كنت قد كتبت، قبل نحو سنتين، واصفًا سلوك السوريين الذين وصلوا قبلي وبعدي إلى كندا: “إن نظام الأسد، على مدى عشرات السنين، أجبرنا على أن نزرع في رؤوسنا مُخبرًا صغيرًا، لذلك ترى الجميع، حتى الآن، يلتفت يمينًا ويسارًا، قبل أن يقول أو يكتب كلمة، وقد نحتاج إلى أجيال حتى نستطيع انتزاع هذا المخبر، أو الرقيب -إن شئتم لفظًا مهذبًا- من عقولنا، ولن يتم ذلك إلا في ظل الديمقراطية”. ولكن الجديد الذي دفعني إلى الكتابة الآن حول الموضوع نفسه هو اكتشاف الجديد في الوسط السوري المسيحي، في سهرة رأس السنة الجديدة 2018.

كنت أخشى أن يتفجر العشق “الأسدي” في السهرة، وبخاصة بعد أن يتراجع دور “الرقيب المخبر اليقظ” في عقول الناس، نتيجة الشرب والرقص، وأن يحضر البوح باسم الحبيب، ويخطر ببال المطرب أو أحد الحضور أن يرسل شكره “للرئيس” على نعمه وعطاياه التي أوصلتنا إلى كندا، ولكن من حسن الحظ، لم يحدث ذلك، بل حصل ما هو عكس ذلك تمامًا، فقد تجاهل الجميع غيابَ “الرئيس” حامي الأقليات، عن مساحة عقولهم، بل ربما عملوا على ذلك عن وعي وإصرار، وهذا بدوره ما جعل توتري يتراجع. فمع كل أغنية جديدة من المطرب؛ كان توتري يزداد، خوفًا من المواجهة وإفساد السهرة، في حال اجتهد المطرب ووجّه تحية إلى “بشار الأسد”، كما حدث في مناسبات سابقة سمعت بها، ولكن ذلك لم يحدث، بل اقتصرت “وطنية” السوريين في هذه السهرة، على الغناء لسورية والحنين للوطن البعيد.

في اليوم التالي لسهرة رأس السنة، التقيت بقريبي، الذي أنشأ شبكة من المعارف مع السوريين الواصلين حديثًا إلى كندا، استرجعنا مناخ السهرة الجميل والمريح، وسألته عن السوريين المسيحيين إن كانوا قد خففوا حمولاتهم العقائدية، ودعمهم لآل الأسد، كما كان واضحًا في السهرة، فقال لي إن أغلب مَن يعرفهم غيرُ مهتمين بمصير الأسد، وجل اهتمامهم هو في كسب عيشهم هنا، وفي أملاكهم الباقية في الوطن، صحيح أنهم يحلمون بالعودة إلى سورية، ولكنه أمل العارف بأن حلمه صعبُ التحقق على المدى المنظور.

وكان السؤال الحاضر دائمًا: هل بدأ المسيحيون السوريون في الخارج يختلفون عن المسيحيين الموجودين في الوطن، من حيث تأييدهم لنظام الأسد؟ هل تراجع خوفهم من “الإسلام المتشدد”، وهم في كندا، أم أنهم ما زالوا يخضعون -كالغربيين- لدعاية الخوف من “البعبع” الإسلامي؟ هل يمكن للسوري المسيحي، في بلدان اللجوء، أن يتعاون مع السوري المسلم، لما فيه خير السوريين كلهم، أم أن الشك وعدم الثقة بينهما قد وصل إلى حد الطلاق؟ هل خفف السوريون المسيحيون حمولاتهم “الأسدية” فقط، أم خففوا حمولاتهم الطائفية أيضًا؟ هل نجاحهم في العمل والتأقلم مع الوسط الجديد سيفك ارتباطهم مع الوطن؟

هناك الكثير من الأسئلة التي قد لا نجد إجابات عنها الآن، إلا أن الواضح، بشكل عام، تراجعُ الحضور الداعم للأسد في أوساط الأقليات اللاجئة، ولكن بالمقابل، هناك تراجع لحضور الداعمين للثورة أيضًا، في مختلف أوساط السوريين في مونتريال.

أخيرًا، لست بحاجة إلى التأكيد أن الثورة مستمرة في عقول السوريين، حتى لو توقفت على الأرض. إنّ درس “سبارتاكوس” بأن فكرة الحرية لا تموت، حاضر دائمًا في تجارب الشعوب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق