ماذا عن العودة إلى حضن الثورة

 

على التوازي مع بعض أخبار العائدين إلى حضن النظام، نلمس تجاهلًا شبه كامل لتسليط الضوء على ظاهرة العودة إلى حضن الثورة، ربما بسبب تداخل وتشابك علاقة بعض أبطال هذه الظاهرة، بالداعمين والممولين الإقليميين. حيث غالبًا ما تتضمن خطابات العودة إلى حضن الثورة التشديد على مركزية أهداف الثورة، ونقدًا لاذعًا لسلوكيات المعارضة المضرة بالثورة، ليتناسى بعض العائدين حجمَ مسؤوليتهم ومشاركتهم الشخصية في التيه الحالي، وكأن الكلام المنمق اليوم يمحي آثار الماضي القريب الماثلة أمامنا جميعًا.

غير أن التدقيق، في أسباب العودة لحضن الثورة، يعكس بأحد جوانبه قوة النفَس الثوري داخل الشارع السوري واستمرارها، على الرغم من التيه الذي تقبع فيه اليوم، كما يعكس مدى وعي الشارع السوري للأدوار الكارثية المرتكبة من قبل المعارضة وقوى الثورة المضادة، والتي تتحمل مسؤولية الوضع الحالي، كالنظام السوري تمامًا، كيف لا، وهي من اقتحمت الوسط الشعبي الثوري، لتعيث فيه فسادًا وتدميرًا. إذًا فهي تُعبّر عن عجز قوى الثورة المضادة وقوى الاحتلال المتعددة حتى اللحظة عن كسر إرادة السوريين، على الرغم من كل الإجرام والقتل والتنكيل المرتكب من قبلهم، الأمر الذي أدى إلى فشلهم في فرض الحل السياسي الذي يعكس مصالحهم المعادية للثورة؛ ما يدفع بعض أبواقهم وأصواتهم المأجورة، إلى إعادة المحاولة لكسب الشرعية الشعبية، وربما لتأسيس قوى جديدة تدعي ثوريتها، وتضمر سعيها لاستكمال مهمة القضاء على الثورة.

لقد أدى الوعي الشعبي المكتسب، على مدار السنوات الثورية السابقة، إلى فضح أدوار ووظائف غالبية قوى الثورة المضادة، لتتزايد أعداد المقاطعين والهاربين والمبتعدين عنها، أو يمكننا القول: لقد تزايدت أعداد العائدين إلى حضن الثورة، فمنهم من عاد طمعًا في تبييض صورته الشعبية، على أمل تسوّد دفة القيادة السياسية في المرحلة القادمة، ومنهم من كان قد خُدع بتستر بعض الأصوات والتيارات المعارضة عن حقيقية هذه القوى المعادية للثورة وللسوريين، فضلًا عن اضطراره -بحكم الظروف السورية- إلى الالتحاق بتلك القوى، لما تمتلكه من قدرات مالية وسياسية وإعلامية وعسكرية، فكما نعلم وتعلمنا جميعًا من التجربة السورية، تتلقى قوى الثورة المضادة مختلف أنواع الدعم المالي واللوجستي والعيني، من أكثر من طرف إقليمي أو دولي، مقابل تمثيلها مصالح الداعمين المتعارضة، مع أهداف الثورة والسوريين، لنصبح أمام مجموعتين متناقضتين من العائدين لحضن الثورة: إحداهما تمثل قيادات في المعارضة السياسية والعسكرية، ممن يتحملون مسؤولية الوضع الراهن، ويهدفون إلى تسلق الثورة مرة أخرى، من أجل التحكم بمسارها، وكي يدخلوها مجددًا في دهاليز ومتاهات تحرفها عن أهدافها. بينما تمثل المجموعة الثانية عودة أبناء الشعب السوري إلى حضن الثورة، وهم الذين لم يغادروا الثورة أصلًا، بل تم خداعهم من قبل قوى الثورة المضادة والمطبلين لها، وهم اليوم يُعبّرون بصدق عن اعترافهم بأخطاء وثغرات وانحرافات الماضي القريب، بعدما اكتشفوا خطأ خيارهم السياسي أو العسكري، أو خطأ ارتباطهم بهذا الطرف أو ذاك.

وعليه؛ يجب أن يتم التعامل ثوريًا بأفضل شكل ممكن مع هذه الظاهرة، عبر إعادة الاعتبار لبعض المبادئ الثورية السياسية الأساسية، وعلى رأسها القضاء كليًا على مفهوم حصرية الملكية الثورية، هذا المفهوم الذي استخدمته المعارضة، وقوى الثورة المضادة، من أجل كم الأفواه والآراء المعارضة لهذا التوجه أو ذاك، لا سيّما الأصوات التي كانت -وما زالت- تحاول جاهدة كشف عمالة من يدعي نصرة الثورة، ويعمل على سحقها سرًا.

إذًا، نحن بحاجة ماسة إلى مواجهة جميع أصناف الاستبداد والقمع الممارس باسم الثورة؛ كي يتمكن الشعب والقوى الثورية الحقيقية، من فرض الخيارات الممثلة لمصالح الثورة والسوريين. كما لا بدّ من فرض مبدأ الشفافية السياسية والمالية على جميع الأطراف التي تدعي تمثيل الثورة، فقد اكتفى السوريون من فساد وسرقة وعمالة البعض، ممن أساء وأضر بالثورة وبالسوريين. وهو ما يقودنا إلى مبدأ الحساب والمحاسبة العلني والشفاف والخاضع لسلطة القانون، ودون أي انتقاص في الحقوق السياسية والقانونية لأي من المشتبه بهم، فمن غير المعقول التسامح مع أي شخص أو جهة، اعتاشت على معاناة ووجع وآلام السوريين، أو مع نظرائهم المسؤولين بصورة واضحة، عن رداءة التمثيل الثوري، وتراجع الفعل الثوري، والمسؤولين كذلك عن صعود وتحكم قوى الثورة المضادة، أو قوى الاحتلال، بالمشهد السوري عمومًا، مع العلم أن بناء منظومة وآلية محاسبة قانونية وعلنية وشفافة ثورية لا تتعارض أو تنتقص من حجم مسؤولية النظام وحلفائه عن مآل الأوضاع اليوم، كما لا تنتقص من حقنا وواجبنا في محاسبتهم جميعًا، حيث يكمن الغرض الرئيس منها في حماية الجسد الثوري من المتسلقين والمتاجرين بدماء ومستقبل سورية والسوريين الذي عملوا -وما زالوا يعملون- على حرف المسار الثوري.

وأخيرًا، نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لأهمية العمل التحريضي والتعبوي الثوري الذي يعمل على توسيع القاعدة الاجتماعية الحاضنة للثورة وأهدافها، سواء في الأوساط الشعبية المحسوبة على النظام، أو تلك التي أجبرتها بعض الظروف المحلية والخاصة على الالتحاق بركاب قوى الثورة المضادة. طبعًا مع وجوب محاسبة أي شخص مسؤول عن سفك دماء المدنيين السوريين، أو سرقة خيرات ومساعدات ومصادر دخل السوريين، من أي طرف كان.

من الضروري، أن يتمكن الشعب السوري اليوم من وضع آليات لحماية ثورته من غدر وعمالة البعض، وخصوصًا أولئك المتنكرون بزي العودة لحضن الثورة، كما لا بد من العمل على توسيع وتنظيم حاضنة الثورة الشعبية. وهو ما يقتضي الحذر والاستعداد للتعامل مع جميع التبعات المحتملة للمرحلة الراهنة، من خلال التمسك بالمبادئ الثورية سابقة الذكر، ولا سيما مبدأي المحاسبة والشفافية، حيث لا بد من أن تتمكن الثورة من احتضان أبنائها المخلصين، ومن حماية سورية والسوريين والثورة، من جميع الطغاة والمستبدين والملتوين والمتسلقين على ظهرها؛ حتى تتمكن من تجميع قواها الوطنية، ومن تحييد جميع القوى المعادية للثورة وللسوريين، سرًا أو علانية.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة