مقالات الرأي

العرب والانتفاضة الشعبية في إيران

 

يحتار المرء في فهم عقلية العرب، أنظمة وشعوبًا. فبالرغم من الإمكانات الاقتصادية والبشرية والجغرافية والجيوسياسية والثقافية والتاريخية الهائلة لديهم، فإنهم نائمون، ويضيعون الفرص واحدة تلو الأخرى، ويلهثون وراء الأحداث، وليس لديهم لا مشروع نهضوي عربي، ولا مشروع حضاري إنساني يخص المنطقة ككل، بكافة شعوبها ومعتقداتهم.

جاءت الاحتجاجات الشعبية العارمة في عشرات المدن الإيرانية، كالصاعقة على رؤوس حكام طهران المستبدين وحلفائهم في المنطقة والعالم. وكان توقيت الانتفاضة الشعبية حساسًا في نهاية عام 2017، حيث استعد الكثيرون لتوديعه مع أسرهم في أجواء هادئة، لكن شعوب إيران أبت أن تمر مناسبة رأس السنة، وحكام طهران ينعمون بالهدوء، بعد أن أذاقوا شعبهم الذل والهوان، ومارسوا الظلم والاضطهاد بحق عشرات الملايين من شعوب إيران من عرب وكرد وأذربيجان وبلوش وفرس وغيرهم.

منذ أن استلم الخميني السلطة في طهران عام 1979، تحت يافطة “الثورة الإسلامية”، إذ جاء على متن طائرة فرنسية من باريس معززًا مكرّمًا، لينهي قصة حكم علماني ليبرالي تابع لأميركا، فرح الكثيرون في العالم العربي بانتصار ثورة إسلامية على نظام الشاه العميل لأميركا، واعتقدوا أنها ثورة بكل معنى الكلمة، ثورة على الفقر والظلم والقمع وتحقيق العدل، حسب شريعة الله.

وإذ بهذه الثورة تصبح مصدر قلق ومولد اضطرابات ومؤامرات ضد شعوب المنطقة، من كافة الإثنيات، تحت شعارات طائفية مقيتة، جوهرها قومي شوفيني معادٍ لكل الشعوب الأخرى.

لقد خلق نظام الملالي قوى سياسية ومسلحة ودعمها، وهيمن بعضها على دول عربية، مستخدمًا شعارات المقاومة والممانعة ضد الإمبريالية والصهيونية! ومن المفارقة التقاء نظام الملالي المتعصب طائفيًا مع أنظمة تدعي العلمانية، وتعاونت معها قوى وحركات تحرر، تدعي الوطنية واليسارية وحتى الماركسية.

لم ينَم حكام طهران، منذ أن بسطوا سيطرتهم على السلطة، بل باشروا بتنفيذ مشروعهم القومي الطائفي، فخصصوا له المليارات، ورسموا استراتيجية لتنفيذ ذلك المشروع، واختاروا الأدوات المناسبة. وبالرغم من الضغوطات على نظام الملالي وصراعهم مع الدول الغربية، فإن النتيجة تؤكد عدم تراجعهم عن خططهم يومًا واحدًا، وكما يقول المثل الصيني: “طريق الألف ميل يبدأ بخطوة”.

وبالرغم من الحرب الضروس بين إيران والعراق التي دامت سنين طويلة، فإن إيران صمدت وتابعت مسيرتها، حيث إن لدى حكامها هدفًا واضحًا، والكل في النظام متفقون على تحقيق الهدف، ويشبهون في هذه الميزة حكامَ “إسرائيل” الذين يختلفون ويشتمون بعضهم، لكنهم جميعهم متفقون على مصلحة دولة “إسرائيل”.

فأين نحن العرب من كل ذلك؟

أصبحنا بالفعل نخجل من عروبتنا (استخدم مصطلح العروبة ليس كمفهوم قومي تعصبي وإنما كانتماء عرقي). الأتراك لديهم مشروعهم الحضاري، والفرس لديهم مشروعهم الإمبراطوري الثأري التوسعي، و”إسرائيل” لديها مشروعها الصهيوني. لكلٍ مشروعه إلا العرب، فهم بلا مشروع، وعلى الأغلب هم يحيكون المؤامرات ضد بعضهم البعض. ولذلك نجد أن منظمات، يفترض أن تكون مسؤولة عن التضامن والتعاون العربي مثل جامعة الدول العربية وغيرها، لم تحقق شيئًا عبر التاريخ، بل هي متأثرة بالقوى الخارجية.

أقام الإيرانيون نهضة علمية وتكنولوجية وصناعية وتعليمية وعسكرية، يعلم نتائجها الكثيرون، وكذلك الأتراك أقاموا اقتصادًا قويًا وتنمية شاملة، بحيث أصبحت تركيا تنافس أكبر الدول المتقدمة، وشركاتها تعمل في كل دول العالم. أما “إسرائيل” فحدّث ولا حرج، ويكفي أن نقول إن ما تصرفه “إسرائيل” على العلم والبحث العلمي يزيد عشرات المرات عن كل ما تخصصه الدول العربية مجتمعة. ولن نتحدث عن القوة العسكرية، لكل من إيران وتركيا و”إسرائيل” على حدة، وعن قوة العرب مجتمعة. فهي لا تسرّ أيضًا.

لا ينقص العرب تاريخ ولا ثروة ولا خصائص جغرافية وجيوسياسية وبشرية، بل المشكلة في الأنظمة السياسية التي تعمل لهدف واحد، هو الحفاظ على كرسي السلطة، ومن أجل ذلك فهي تتعاون مع الشيطان لقمع شعوبها، لا من أجل تقدمها وتطورها.

في العصور الوسطى، حقق العرب جنبًا إلى جنب مع ممثلي القوميات والشعوب والديانات الأخرى نهضة علمية وتنموية كبيرة، لدرجة أن اللغة العربية -باعتراف مؤرخ العلم الأميركي جورج سارتون- كانت لغة العصر ولغة العلم، لأن المكتشفات العلمية كانت تكتب وتنشر باللغة العربية من قبل علماء عرب وفرس وأوزبك وكرد وسريان وغيرهم، عملوا في ظل الدولة العربية الإسلامية. لقد هضمت الحضارة العربية والإسلامية كل الثقافات الأخرى وإنجازاتها العلمية، فحفظت التراث الإنساني، وقدمت للإنسانية معارف جديدة ونظريات وعلوم مختلفة.

لست متعصبًا لكلمة عرب أو مسلمين، فالحكمة هنا تقول إن شعوب هذه المنطقة بأغلبيتهم العربية ضائعون ومنفعلون منذ عقود. وما زلنا نتلقى الضربات، ونتعرض للضغوطات والابتزاز من كل جانب، ونحن لا نعرف عدونا من صديقنا، فتارة نشيد بأوباما وتارة نشتمه، وتارة نرحب بترامب وتارة ننتقده. أما جيراننا من ترك وفرس فلا نجيد التعامل معهم، بل نحن لا نتقن التعامل في ما بيننا. ففي فترة دعمت دول الخليج أميركا لقتل صدام حسين، واليوم يترحمون على أيامه، في ظل هيمنة إيرانية طاغية في العراق وسورية ولبنان واليمن.

فهل خطط الحكام العرب للأحداث في المنطقة، ولو لخمس سنوات؟ بل هل توجد خطط تنموية أصلًا؟

في سورية، اقتنعنا تمامًا بأن نظام الأسد عمل خلال نصف قرن على بناء دولة بوليسية، وكأنه كان ينتظر الانتفاضة الشعبية ضده، وعندما اشتعلت الثورة؛ قمعها بكل ما أوتي من قوة. أما معاداة النظام للعدو الإسرائيلي فهي لذر الرماد في العيون. ولا أشك أن يتأخر الحكام الآخرون في قمع شعوبهم؛ إذا ما انتفضوا من أجل حقوقهم وحرياتهم.

لقد انقضّت القوى الدولية والإقليمية على الثورة السورية، وخلقت لها عشرات العراقيل وحاربتها بطرق متعددة وخبيثة لتشويه سمعتها. والسبب أنهم جميعًا يخافون من الثورات الحقيقية، وبالرغم من التعاطف المعنوي مع السوريين ومساعدتهم المادية والإنسانية، فإن جزءًا من تلك المساعدات خدم النظام أيضًا في تثبيت صورة مشوهة عن الثورة بأنها مسلحة إرهابية وإسلامية متطرفة.

هل يعقل أن يكون في سورية عشرات بل مئات من الفصائل المسلحة، وكل منها يتلقى الدعم من جهة إقليمية أو دولية؟ هل هذا لصالح الثورة السورية ووحدة الشعب السوري؟ لماذا أجهضوا مشروع الجيش السوري الحر؟

اليوم، ينتفض الشعب الإيراني بكافة مكوناته وهو بحاجة إلى دعم معنوي ومادي، بعيدًا عن الأضواء والجعجعات، وبعيدًا عن التدخلات الأميركية والإسرائيلية المزيفة والمضرة، وواجب العرب الوقوف إلى جانب شعوب إيران، ودعم طموحهم في الحرية والعدالة والحق المشروع في العيش الإنساني الكريم، وأن يتمتعوا بثروة بلادهم النفطية في تنمية اجتماعية واقتصادية، لا أن تصرف المليارات على تشكيل ميليشيات مسلحة وقوى سياسية، ترفع رايات طائفية مقيتة تمزق الشعوب وتخلق الفتن.

إن ثورة الشعوب الإيرانية هي ثورتنا -شعوبَ المنطقة- والخلاص من نظام ولي الفقيه سيئ السمعة هو خلاص لنا من الدور الإيراني المعادي لشعوبنا، فلولا إيران وتدخلها في شؤون المنطقة؛ لما بقي نظام الأسد المجرم حتى اليوم.

يجب مخاطبة الشعوب الإيرانية وقواها الثورية والمدنية، وإظهار التعاطف والتضامن الحقيقي معهم، والبحث عن طرق لدعمهم -إعلاميًا وسياسيًا وماديًا- لا أن نصرخ، ليل نهار، بأننا ضد نظام الملالي.

على العرب -حكومات وشعوبًا- الوقوف مع الشعوب الإيرانية قدر المستطاع، وعلى النخب المثقفة والسياسية مساعدة الإيرانيين في إبراز الصورة الحقيقية للانتفاضة السلمية، لأبناء الشعب الإيراني من عمال وطلاب ومثقفين وكل الفئات الفقيرة والمتوسطة، في نضالهم التحرري من قبضة نظام شمولي تيوقراطي مقيت، يشكل خطرًا على استقرار وأمن المنطقة. ويجب تكثيف التظاهرات في العالم تضامنًا مع انتفاضة الشعوب الإيرانية، ضد نظام الملالي الاستبدادي الفاسد.

على ممثلي الثورات العربية، ولا سيمّا السورية منها، تقديم خبرتهم وتجربتهم الصعبة في مقارعة نظام الأسد، والتحديات التي قابلتهم؛ لكي يعتبر بها المناضلون الإيرانيون. ومن أهم هذه الدروس والخبرات ألا ينتظر الأصدقاء في إيران دعمًا خارجيًا من أميركا أو “إسرائيل”، لأنهما لا يريدان التخلص من نظام الملالي، كما هو الأمر مع نظام الأسد. فهم يسلكون خطابًا إعلاميًا وسياسيًا معاديًا للنظام الإيراني، لكنهم في الحقيقة يتمنون بقاءه، إذ إنه يخدمهم بممارساته في إثارة الفتن الطائفية والقومية، ويلبي مصالح “إسرائيل”، قبل غيرها.

على ثوار إيران أن يتوحدوا ويوحدوا صفوفهم وخطابهم، وأن يختاروا قيادة ثورية وزعيمًا وطنيًا، حتى لو كان خارج حدود إيران. وأنا على ثقة بأن لدى الإيرانيين قدرات وكوادر، قادرة على أن تقود الثورة، وتسير بها إلى الانتصار.

أما نحن -الشعوب العربية وبخاصة في بلدان الربيع العربي- فلنا الله. وفي سورية، سنستمر بالكفاح ضد نظام الأسد المجرم، ما دام الدم ينبض في عروقنا. ولن ننسى دماء شهداء سورية ومشرديها ومعذبيها ومعتقليها، وستُحرق عروش الطغاة والغزاة والغلاة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق