ذاك المؤتمر!

 

عندما يُصاب أحد بمرض عضال في مجتمعاتنا الورعة؛ يميل المحيطون به إلى تجنّب تسمية المرض المعني كما هو أي: السرطان. وتتعدد التفسيرات حول سبب هذا “الهروب” من الحقيقة ومن مواجهتها، ولكنها تدور في مجملها حول التشاؤم، والخوف الذي يحمله هذا التحديد. وبالتالي؛ فالغالبية تميل إلى القول للإعلان عن هذا الحدث: لقد أصيب فلان بذاك المرض. وذاك المرض يبدو معروفًا من مجمل المتلقين، بحيث لا يمكن أن يتساءل أحدهم عما عناه المتحدث. هروبٌ تقليدي يُضفي نوعًا من الخصوصية على مجتمعات شرقية، تحاشت غالبًا مواجهة الواقع وتسمية الأمور بمسمياتها الدقيقة. ولربما أعجبت هذه المواربة البعض، ووجدوا فيها شيئًا من الخصوصية الثقافية التي تتمثّل في مقاربة الأمور بطرائق سلسة بعيدة عن الصدمة، أو أنها تسعى إلى عدم لفظ المحظور، علّه يبقى بعيدًا.

خلال أيام وربما أسابيع، ستعقد الدولة الروسية اجتماعًا ضخمًا لمجموعة سورية تُحدّد موسكو أسماء المشاركين والمشاركات فيها، بما أنها أمسكت، بتسليمٍ سوري رسمي وإجماع دولي مُعلن أو موارب، بالملف السوري بكل “شفافية” و”صراحة”، منذ أيلول/ سبتمبر 2015. وسيتم عقد هذا اللقاء في مدينة سوتشي الساحلية التي تعدّ منتجعًا مُحبّذًا للقادة الروس، من سياسيين وعسكريين ورجال مؤسسات أمنية واقتصادية ومافيا رسمية وشبه رسمية، عندما يتحاشون السفر إلى جنوب أسبانيا أو جنوب فرنسا، لكيلا تتلقفهم يد العدالة الدولية لضلوع عدد لا بأس بهم بموبقات العولمة.

سيُتاح إذًا لسوريين وسوريات، يناهز عددهم 1500 كما تتناقل الأنباء، تختارهم عناية الراعي الروسي المهيمن برضى إيراني وضغط تركي، أن يستمتعوا بهذا المكان الجميل خارج موسم الاصطياف. ويبدو أن بورصة الأسماء قد بدأت في العمل، ويبدو أن عددًا من المرشحين يسعى في مناكبها علّ وعسى. وبما أن الروس يتكتمون عن شكل الاجتماع ومدته؛ فإن مختلف التوقعات تُشير إلى أنه سيكون قصيرًا للغاية، وسيضم هذا العدد الضخم من السوريين الراضين بما تحمله جعبة “بابا نويل” الروسي الآتي من صقيع سيبيريا. كما يتم تداول عدد من الأوراق التي سيوقّع عليها المشاركون، من دون أن يتوفر لديهم الوقت ربما لقراءتها كاملة.

بعيدًا عن التفاصيل والتوقعات التي يمكن أن تكون مُحمّلة بالمبالغة وبالتحامل؛ نجد أنه لا يمكن الائتمان للشكل الذي يتم من خلاله التحضير لهذا المؤتمر، ولا للسعي غير المخفي للإمعان في إجهاض مسار جنيف الذي، ولو أنه ولد ميتًا، يبقى حتى إشعار آخر الإطارَ الأممي النظري الذي يمكن الاستناد إليه، في أي إطلاق جاد لمسار الحل السياسي في سورية، يومًا من الأيام.

يكاد بعضهم يقول إنه لا مناص من الحضور، وإن الرعاة يضغطون عليهم وخياراتهم محدودة. وبعيدًا عن منطق الراعي المسؤول عن قطيع من السياسيين أو صاحب نعمتهم، فهذا المبرر غير مجدٍ حتى من وجهة النظر التخاذلية. فما حاجتهم إلى التواجد في إطار مهزلة سياسية، تحقق للمنتصر شرعية كاملة تؤيدها “المعارضة” المشاركة؟ وقد يلفت البعض الآخر الانتباه مستهجنًا ومُشيرًا إلى ضرورة عدم ترك الكرسي فارغًا. ويصير من المناسب التنويه له بأنه ربما لن يجد حتى كرسيًا ليرتاح عليه في هذا المهرجان السياسي، إن تأكد عدد المشاركين ومدة اللقاء. وقد يُبرّر البعض، من العقلاء الذين سيقبلون المشاركة، الأمرَ بأنه محاولة أخيرة لإسماع صوت المعارضة المطالبة بوقف المقتلة وبالتغيير السياسي وبدمقرطة المشهد السوري؛ فالمنطق يُجيبهم بأنهم سيكونون شهود زور في القبول الصريح بالهزيمة التي نعيش مرحلة إدارتها. وأخيرًا وليس آخرًا، سيكون هناك من يسعى، بكل ما أوتي به من جلمود صخر، لأن يكون من المدعوين عشمًا بمنصبٍ أو بمكانةٍ، ما كان انخراطه في المعارضة إلا بحثًا عنها، ولا علاقة له البتة بحقوقٍ وبمواطنة وبمبادئ لا “تطعم كافيارًا”.

بالتأكيد، فإن عدم الحضور ومقاطعة هذا المهرجان الساخر من حاضر ومستقبل السوريين لن يؤدي إلى فشله في الوصول إلى إصدار وثائقه “المُلزمة” التي ربما تبنتها الأمم المتحدة بضغوط معينة، أو لعجزها البنيوي عن الإتيان بأي بصيص أمل للسوريين وللسوريات، وربما بتقاطع العاملين.

السؤال الذي يطرح نفسه على جميع من ينوي المشاركة، ممن لديهم الموقف الذي يتجاوز الأنا الظهورية أو التبعية الإقليمية أو المصلحة الذاتية، والمرتبط أساسًا بشعبٍ وقضيةٍ: إن كانت مشاركتكم لن تفضي إلى تحقيق قيد أنملة، مما سعيتم له في فكركم وفي عملكم، وإن كنتم ستستخدَمون كواجهة وطنية ذات “سمعة”، لإنجاح ما خطط له الروس والإيرانيون وملحقهم التركي، وإن كنتم فور عودتكم الميمونة ستسعون لاجتراح المبررات والتفسيرات؛ فلِمَ وجع الضمير هذا؟ ألا يُعدّ غيابكم، ولو تركتكم الكرسي الافتراضي فارغًا، أجدى في مستقبل الأيام، عندما سيخط التاريخ أسطر هذه المرحلة؟

منذ عدة أيام، سألني صديقي ساعيًا للمعلومة عمّا أعرفه من التحضيرات لـ “ذاك المؤتمر”، ففوجئت للوهلة الأولى بهذا التعبير معتقدًا بجهله لاسم المكان، ولكنني سرعان ما فطنت إلى المقاربة السرطانية للموضوع. فذاك المؤتمر من ذاك المرض.