سورية وثورة إيران.. أية احتمالات؟

بيّنت مجريات الثورة السورية، بما لا يدع مجالًا للشك، أن البعد الإقليمي الدولي أدّى دورًا بارزًا في عدم انتصار الثورة حتى اليوم، إذ كانت قوة هذا البعد أكبر من قدرة الداخل على مواجهتها. وإذا كان هذا العامل قد لعب دورًا في كل الثورات على مدار التاريخ؛ فإنه في الحالة السورية كان من القوة والتكثيف، بحيث أجهض كل إمكانية داخلية وذاتية ممكنة للتحرر إلا بدلالة الخارج، بحيث يمكن القول: إنه لا ربيع في كل الإقليم، إن لم يتمدد الربيع إلى عدد من الدول، يقف في مقدمتها إيران والسعودية، فهما الدولتان الأكثر تأثيرًا في الإقليم، لناحية ضخ الأيديولوجية الأصولية مدعمة بالمال والسلاح، إذ يتناوب البلدان في دعم محوري الاستبداد والثورة المضادة، فالرياض تقود وتدعم محور الثورة المضادة، في كل من اليمن وسورية ومصر وتونس وليبيا، في حين أنها تدعم محور الاستبداد في البحرين والخليج وباقي الإقليم، فيما تدعم إيران الدكتاتوريةَ السورية، وتعمل على قيادة الثورة المضادة في العراق ولبنان (عبر دعم الميليشيات) وغير مكان في العالم العربي والإسلامي، وهذا يتم بأبشع الأشكال والصور، وبطريقة ممنهجة ودؤوبة لتحويل الثورات إلى مجرد حروب أهلية وطائفية وصراعات إقليمية ودولية.

بعد إيران والسعودية، يبدو أن أنقرة أيضًا -بعد التحولات الأردوغانية الأخيرة- تتجه إلى أن تصبح قوة مضادة للتغيير الديمقراطي، فالبعد الإمبراطوري من جهة، والإسلامي الإخواني من جهة، والتحالف مع محور التوتاليتاريات الإقليمية والعالمية من جهة ثالثة؛ يجعل أنقرة تبتعد رويدًا رويدًا من أن تكون محورًا داعمًا للتغيير، على الرغم من أن أمر أنقرة يختلف (حتى اليوم على الأقل) عن وضع كل من إيران والسعودية، لأن الديمقراطية التركية في الداخل لم تزل قادرة على المقاومة، في حين تُحكم الرياض وطهران من قبل ثيوقراطيتين دينيتين، لكل منها أيديولوجيتها الأصولية التي يمكن استثمارها في الإقليم، عبر استغلال البعد الديني كثير الحضور في وعي المجتمعات.

القوى الدولية، كروسيا والولايات المتحدة، تلعب من دون شك عاملًا كابحًا للتغيير أيضًا، إنما لا تمتلك أي منهما أيديولوجية يمكن استثمارها، أو قوى داخلية يمكن أن تصبح ذات بعد تدميري للمجتمعات، كما هو حال القوى الإقليمية، ناهيك عن كون القوى الدولية تعتمد في حربها أساسًا على تلك القوى الإقليمية، لتحقيق ما تريد، فروسيا تعتمد بريًا على الميليشيات الإيرانية، فيما تعتمد الولايات المتحدة على الميليشيات والقوى التي تدعمها الرياض، مع وجود قوى تدعم مباشرة من المراكز العالمية تلك، إلا أن البعد الجغرافي عن المنطقة يلعب دورًا كابحًا هنا أيضا؛ ما يعني أن انتقال الثورة إلى المحاور الإقليمية سيدفع أيضًا تلك القوى الدولية إلى تغيير مقارباتها لكل الإقليم، وسيحد بالضرورة من قدرتها على التأثير، لأنه سيعيد خلط الأوراق، الأمر الذي يسمح للقوى الثورية التي تضررت من تدخلات تلك القوى أن تستغل الفراغ الذي سينشأ هنا بالضرورة، لإعادة الإمساك ببعض الأوراق والضغط مجددًا، فالسياسة في أحد معانيها هي القدرة المباشرة على الاستفادة من التحولات الدولية الجارية، وهي إحدى الاستراتيجيات التي طالما اعتمدها النظام السوري، إذ كان يناور ويتهرب من الاستحقاقات الدولية، منتظرًا تحولات دولية تعينه على الصمود، وقد جرى ذلك في عدة محطات من عمر النظام السوري تاريخيًا، وأيضًا في ظل الثورة، فهل تفعل المعارضة والقوى الثورية السورية ذلك؟ والسؤال الأدق: هل هي قادرة بوضعها الحالي على استثمار ذلك؟

القدرة على الفعل تحتاج، أول ما تحتاج، إلى الحد الأدنى من الاستقلالية العسكرية والسياسية، تلك الاستقلالية التي تسمح بتوجيه الضربات الموجعة اليوم على الأرض إلى نقاط الضعف التي ظهرت، أو ستظهر لاحقًا، من جراء ما يحصل في إيران، أي الأماكن التي تتواجد فيها القوات والميليشيات المدعومة من إيران، والعمل على هذا الأساس، لبناء استراتيجية قادرة على الضرب الموجع، واستثمار ذلك في ساحات السياسة، فروسيا غير قادرة على الإمساك بالأرض السورية، مهما بلغت قوتها؛ وهذا الأمر يحتم علينا مغادرة الأوهام القائمة على إحداث تغيير، بمساعدة الخارج أو القوى الداعمة، فهذه لا تفعل إلا أن تستثمر وتستغلّ، فالثورات بالنسبة إليها هي سوق استثمار، لتحصين أنظمتها أولًا، ولتثبت حسن النية عند الراعي الدولي الذي يحميها في مجلس الأمن، من قرارات قد تصدر اليوم أو غدًا، وأيضًا يجب مغادرة الأوهام المتعلقة بالتحرير الشامل، فحرب العصابات والضربات النوعية هنا وهناك، بما يجعل من الاستقرار الذي تريده روسيا أمرًا صعب المنال، هي الأجدى؛ ما يجبرها على التنازل والتفاوض في مسألة الأسد وغيرها.

أكثر من ذلك، ما يحدث في إيران يجب أن يفتح أعيننا جيدًا على ضرورة وكيفية الاستفادة من عامل الزمن وبناء القوة والقوى بدأب وصبر؛ لأن لحظة استثمارها ستأتي مهما طال الزمن، فما يحصل في إيران مرشح لأن يحصل في الرياض وموسكو وأنقرة، لأن التمدد الليبرالي الديمقراطي أمرٌ لا ردة فيه، وفق ما قال المفكر المصري سمير أمين، رغم كل العوائق التي تقف في طريقه هنا وهناك.