عن المعارضة وأحوالها وتحدياتها في هذه الظروف

 

تواجه المعارضة السورية، في هذه الظروف، تحديات ومعطيات وأوضاعًا في غاية الصعوبة والتعقيد والخطورة، ربما أكثر من السابق، مع أننا في كل مرة نقول إن هذه المرحلة أصعب من التي سبقتها، لكن، ومع الأسف، فهذا هو الواقع الذي اختبرناه، خلال السنوات الماضية.

المشكلة أن المعارضة، هذه المرة، تقف من دون غطاء دولي أو إقليمي أو عربي مناسب، في مواجهة التحديات التي تنتصب أمامها على أكثر من صعيد، سياسي أو عسكري أو خدمي. ثانيًا، في هذه المرة، وبعد انهيار مواقع المعارضة العسكرية في حلب، والتقدم الذي أحرزه النظام على الصعيد الميداني، في ظل اتفاقات منخفضة التصعيد، تبدو المعارضة فاقدة لأي أوراق قوة، أو ضغط، في مواجهة النظام. ثالثًا، لا ينحصر الانسداد أو الإخفاق الحاصل على صعيد الخيار العسكري، فقط، إذ إنه يشمل، أيضًا، الخيار السياسي أو خيار المفاوضة، فبعد ثماني جولات من المسار التفاوضي في جنيف؛ كانت المحصلة أقل من صفر، حيث لم تجر أي جلسة تفاوضية، وقد تفاقم الأمر كما نعلم بشق مسار تفاوضي آخر في أستانا، على أساس أنه للتفاوض في الشؤون الميدانية؛ ما بلبل الأمر كثيرًا، وها نحن إزاء الضغوط الروسية لعقد مؤتمر عام في سوتشي. رابعًا، حتى الآن، لا أحد يعرف اتجاه السياسة التي يمكن أن تنتهجها تركيا، إن في شأن الإبقاء على مسار أستانا، على هشاشته، أو في شأن الانخراط في التحضير لمؤتمر سوتشي، لأن أي قرار في هذا الاتجاه سيؤثر في المعارضة السورية، كما سيؤثر في معادلات الصراع، بين القوى الإقليمية والدولية التي تتنافس أو تتصارع على المكانة والنفوذ، من خلال الأرض السورية.

علاوة على ما تقدم، نرى أن كل ذلك يحصل والمعارضة السورية في أضعف لحظاتها، على المستوى الذاتي، أي المتعلق بوحدتها التنظيمية، وإجماعاتها السياسية، واستقلالية قرارها؛ إذ إننا شهدنا بعد ما حصل في حلب، وفتح مسار تفاوضي في أستانا، وعقد مؤتمر (الرياض 2)، وأخيرًا في ما يتعلق بالتعامل مع معطيات مؤتمر سوتشي، تجاذبات أو ضغوطات مختلفة ومتباينة على المعارضة، كما شهدنا داخلها مواقف متباينة، على خلفية هشاشة وضعها.

بيد أن هذا كله يفيد بضرورة إدراك أن أزمة المعارضة لم تبدأ مع مؤتمر (الرياض 2)، ولا مع ترتيبات سوتشي، ولا تقتصر عليهما، ولا تتوقف على دخول هذه المنصة أو تلك إلى صفوفها، كما بات البعض يعتقد.

وفي الحقيقة، إن هذه الأزمة نشأت مع تحول الثورة من الصراع الشعبي المفتوح، والذي يعتمد على إمكانات السوريين، إلى الانحصار في الصراع العسكري، وتاليًا انتهاج خطابات بعيدة عن المقاصد الأساسية للثورة السياسية المتعلقة بالحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، والارتهان لهذه الدولة أو تلك. وعلى أي حال، فقد فاقم من كل ذلك جمود أطر المعارضة وانغلاقها، وافتقادها الطابع التمثيلي المؤسسي الديمقراطي، واضطراب إدراكاتها وخطاباتها السياسية، واعتماديتها على الخارج، وانفصال المستوى العسكري عن المستوى السياسي.

المعنى أن إنكار الطابع الشمولي لهذه الأزمة، وعدم إدراك أهمية التوافقات لحلها، أو التركيز على جانب دون آخر، سيفاقم الأزمة، ويزيد من مشكلات المعارضة وتصدعاتها. بيد أن ما يجدر التنويه إليه هنا، أن ما يحدث، على صعيد أجسام المعارضة، وطبقتها السياسية، ليس انشقاقًا أو تفسخًا أو تصدعًا، هو الأول من نوعه، إذ حدث ذلك أول مرة، في الانشقاق عن الطابع الوطني الديمقراطي للثورة، بتشكيل الفصائل التي تغطّت بالإسلام السياسي السلفي أو غيره (علمًا أن “داعش” و”النصرة” حالة ثورة مضادة). في حين تمثل الانشقاق الثاني في الانفصال بين المستويين: السياسي والعسكري. أما الحالة الانشقاقية الثالثة، فتمثّلت بالفجوة الحاصلة بين أوساط المعارضة الرسمية ومجتمعات السوريين، في الداخل والخارج.

والفكرة أننا اليوم نقف إزاء حالة رابعة، تتمثل بتصدع أوساط المعارضة الرسمية، من حول مؤتمر سوتشي.

والحال أنه ليس بالإمكان حل هذه التصدعات أو الانشقاقات أو التفسخات، كلًا على حدة، أي بطريقة تجزيئية، وإن كان ذلك يتطلب معالجات تدريجية، إذ لا بد من حلها رزمة واحدة، أو وفقًا لرؤية وطنية ديمقراطية تستعيد قيم الثورة الأساسية في الحرية والمواطنة والديمقراطية.

وفي الحقيقة، إن المعارضة السورية اليوم تقف أمام ضرورة ما يمكن تسميته إعادة التأسيس، وهو أمرٌ بات لا بد منه، وإلا؛ فستصبح في حالة تفسّخ جديدة أعمق وأخطر بكثير مما مضى. لقد آن لهذه المعارضة أن تقوم بمراجعة نقدية شجاعة لمسيرتها، وبناء نفسها من جديد، على كافة الصعد، على قواعد مؤسسية وتمثيلية وديمقراطية ووطنية، كي لا تضيع وتضيع معها تضحيات شعبها.