مقالات الرأي

أبو نبيل.. المثقف الأكبر في سورية

 

نقتات نحن -السوريين- على (فيسبوك)، نتابع ما يحدث في بلدنا، نعيش قصص الحب التي لا تنجح، نبكي على شهدائنا، ونستمتع بشتم بعضنا وفضح أسرار الآخرين، ولكننا ننشئ صداقات تبدو مشابهة لصداقة “المدرسة”، من حيث قوتها.

نقتات نحن السوريين على (فيسبوك)، أتعرّف على “أبو نبيل”، وهو شاب كان عشرينيًا عندما بدأت الثورة، ولكنه اليوم أصبح ثلاثينيًا، مع إصابة بقدمه لم يتم علاجها، وإصابة بالعين تكاد تفقده البصر، وأبو نبيل فيلسوف لا يشبه سارتر، ولكنه يشبه شباب سورية الذين ماتوا واعتُقلوا، وعاشوا القصف والحرمان والجوع والإصابات والخوف والحصار؛ فبنوا نظرياتهم الفلسفية التي لا يقبلون نقاشًا بمدى صحتها، وأبو نبيل كان يعتقد أننا لا زلنا في عام 2015، عندما كانت 2016 تشرف على نهايتها.

نقتات نحن السوريين على (فيسبوك)، فأتحدث مع “أبو نبيل”، عندما كان عالقًا في برزة، فيرسل لي “لينكات” لكتب إسلامية، لأطلع عليها، وعندما أسأله عن سبب إصراره على قراءة هذه الكتب، يجيبني “عشت في الغوطة، وشاركت مع الفصائل في حمل السلاح، واليوم أعرف تمامًا أنه ما من قيادات إسلامية.. كلها شعارات وأسماء فارغة.. هم يعرفون أن هذا أكثر باب يشد الشباب، ويشجعهم للانضمام”.

نقتات نحن السوريين على (فيسبوك)، وأبو نبيل الذي حذرني منه أحد الأصدقاء الصحافيين واصفًا إياه بأنه “داعشي”، لأن أبو نبيل خبير في السخرية على صفحات (فيسبوك)، يدّعي الإسلامية، ويبالغ في تقمص الإسلام الداعشي، لغرامه واستمتاعه بالانتقاص من المثقفين الذين يسميهم “علمانيين”.

المثقفون هم الذين خذلونا نحن الشعب، فابتعدوا عن الشارع، وأغرقونا في تنظيرات وبيانات لا تشبع الجائع، ولا تعيد للمعتقلة الأمل بالحياة، أولئك المثقفون اعتقد أحدُهم أن “أبو نبيل” داعشي، ضحكت من وصفه وصمتت، ربما لم أرد أن أشبع له فضوله حول كيف أمكنني صداقة شاب إسلامي، كدت أن أخبره أن أبو نبيل لا يشبه الإسلاميين، ولا يحب الدواعش، ولا يؤمن بالنصرة، ولكنه يأس من الفساد، وكاد أن يفقد بضعة أجزاء من جسده، ووجد نفسه مرميًا على سريره، يحارب عبر (فيسبوك)، ويسخر من الجميع، ويخبرني باستغلال الفصائل للشباب، والتجويع الذي دفع بعضهم للالتحاق بالنصرة، ليجد ما يطعم به عائلته.

نقتات نحن السوريين على (فيسبوك)، وعلى صفحاته، تابعنا الموت، واكتشفنا أن إجرام النظام بلا حدود، وأبو نبيل حمل السلاح مع أكثر من فصيل، بعد أن كان يملك محلًا لصيانة أجهزة الكومبيوتر قبل الثورة، وتعرف على إجرام النظام، ومن بعده فساد الفصائل، فاعتكف في غرفته في برزة بدمشق، وقرر أن يصبح جهاديًا فيسبوكيًا.

والجهاد يا سادة له مسرح كبير على الـ (فيسبوك) السوري، والتشبيح له مسرح أكبر، والفضائح تتفوق على المسرحين.

من الغوطة إلى درعا، فالأردن والعودة إلى الغوطة وأخيرًا الخروج إلى إدلب، وإدلب اليوم ليست الخضراء، إدلب اليوم حيث الحياة تكاد مستحيلة، ما بين الحرب التي أعلنتها روسيا والنظام على إدلب، وبين غياب القانون وحكم الفصائل المتشددة، ما يزال أبو نبيل يجلس أمام شاشة الكومبيوتر، مادًا قدمه المصابة، واضعًا نظارات تساعده على ضعف النظر الذي خلفته إصابته، يسخر من الجميع، ويضحك من مرددي شعارات الثورة المقيمين في أوروبا، موهمًا بعض المثقفين أنه “داعشي”، يحكي لي عن حبيبة تركها في دمشق، ويرفض القدوم إلى تركيا.

أسأله: “لكن يا أبو نبيل، أنا محسوبة على هؤلاء المثقفين خارج سورية، لماذا تثق بي؟ وتسخر مني معهم”. يجيبني، وأكاد أسمعه يضحك: “أصابع يدك ليست مثل بعضها، لو كنت تشعرين أني أسخر منك؛ لما تكلمت معي، يوجد مثقفون، حتى داخل سورية، مشكلتهم ليست كيف نساعد الناس المساكين، مشكلتهم صارت كيف ينتقمون لأنفسهم. سأتفلسف الآن، وأصبح مثقفًا، وألخصها لك: إنهم يريدون تحقيق ذاتهم الضائعة، باسم الثورة ونضالهم الفكري! الإسلاميون نجحوا بجذب الشباب، لأنهم إضافة إلى قضية الثورة قدّموا لهم الدين ليحققوا ذاتهم من خلاله، بأساليب وكلمات بسيطة، يكررونها بسحر الدين”. قاطعته هنا: “أبو نبيل أنا لا أفهم شيئًا، الظاهر أنك مثلهم مثقف عتيد”.

أجابني مع ابتسامة، تخيلتها عبر الـ (فيسبوك): “يوم صرخ الناس في 2011 (لا إسلام ولا مسيحية، لا سنة ولا علوية)، فهمَها بعض المثقفين خطأ أن الناس سيصيحون بالعفوية نفسها (لا صلاة ولا قيام، لا حجاب ولا صيام). مَن فهمَها بشكل صحيح، كان النظام الأسدي والإسلاميون، نعم الاثنان فهماها وعرفا كيف يهزمانها، أما أولئك المثقفون فما زالوا للآن لم يفهموا ماذا حصل”.

ما الذي حصل لشبابنا؟ على ما يبدو أن انتقال “أبو نبيل” لحائط السخرية هو آخر الملاذات، أو الاختفاء في شوارع تركيا وأوروبا هو الأسلم. إن دعاية الإسلاميين واضحة البطلان، لدى كثير من عامة السوريين، بخاصة من عاشوا تحت حكم أمرائهم، لكن ماذا يفعلون؟ وكبار مثقفين “حردوا” من الثورة، لأن الناس خرجوا من الجوامع، أو لأن آخرين رسموا “الغيلان الثلاثة”، لكن طلاسم رسمهم أكثر تعقيدًا من معادلات الكيمياء، وآخرين لا يذكرون من ثماني سنين سوى مشاهد السبايا وصراخ شيوخ الجهادية؛ فاستسلموا لدعاية النظام، ولو أنكروا، وصاروا يرون سورية، بين الأسد أو الجولاني. ومن أراد منهم تبسيط خطابه لكي يتذكره الناس؛ خاطب الغرائزية الجماعية الطبيعية، الخاطئة عادة، وأطلق لهم مصطلحات “تفلسفية”، حول العلوية السياسية والمؤامرة الكونية الشريرة؛ أما من عرف مذاق الكاميرات وشاشات الفضائيات منهم، فلا تكاد تعرف له رؤية ولا رأيًا، يومًا هنا، ويومًا هناك، يومًا يريد أن يفضح الأسرار، ويومًا يقول “ليس كل ما يُعرف يقال”، أما هبّات وعيه وإدراكه لمفاتيح الصراع فوق سورية، فهي مفاجئة، لا تظهر سوى يوم تهجره الميكروفونات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق