هل تلتقي الديمقراطية والأنظمة الشمولية؟

 

لطالما ادّعت بعض الدول والقوى المعادية للثورة السورية بأن الشعوب العربية لا يمكنها بناء الديمقراطية، ولذلك فالاستسلام والخضوع للنظام الشمولي هو الحل الواقعي والمتاح. ولكن ما علاقة ما جرى في سورية، بطبيعة الأنظمة التي دعمت الثورة أو النظام الشمولي في سورية؟ وهل بالضرورة يجب على الدول الديمقراطية أن تدعم الحركات والأنظمة الديمقراطية، وعلى الأنظمة الشمولية أن تدعم مثيلاتها؟

إذا نظرنا إلى الولايات المتحدة، قلعة الديمقراطية في العالم؛ فإننا نجد أنها -تاريخيًا- قدمت الدعم لأنظمة ديكتاتورية واستبدادية قمعية، ودعمت انقلابات عسكرية دموية ضد رؤساء وطنيين، مثل الرئيس الاشتراكي التشيلي سلفادور الليندي في 1973، ولكنها ساهمت أيضًا في قيام النظام الياباني المعروف باحترام حقوق الإنسان والحقوق الديمقراطية والسياسية للمواطنين. كما أن أميركا يمكنها التخلي عن حلفائها بسرعة؛ إذا شعرت بأن مهمتهم انتهت، كما فعلت مع الرئيس المخلوع حسني مبارك في مصر مثلًا. أي أن طبيعة الدولة الديمقراطية في أميركا القائمة على الاعتراف بحق المواطنة وحرية التعبير والرأي، وبامتيازات عديدة للمواطنين في مجالات الصحة والتعليم وغيرها، لا تمنعها من دعم أنظمة وحكام ينتهكون حريات الناس ويقمعونهم ويحرمونهم من أبسط حقوقهم الإنسانية والسياسية. لكن الحقيقة أن أميركا تمارس لعبة مزدوجة، فما هو متاح ومشروع للأميركيين داخل أميركا، ممنوع على شعوب الدول الأخرى. ففي وقتٍ تنادي فيه الإدارات الأميركية المتعاقبة بالحرية والديمقراطية، تمارس أبشع أساليب التآمر على الدول والشعوب والحركات الديمقراطية والوطنية، وعلى الثورات الشعبية.

ما حدث مع ثورات الربيع العربي، من تفاعلات دولية ومواقف سياسية، يدل على مرونة وتأقلم سريع من قبل الأنظمة الغربية الديمقراطية مع تلك الأحداث، في وقت اتخذت بعض الأنظمة الشمولية موقفًا داعمًا بقوة للأنظمة الديكتاتورية، منطلقة من مواقف أشبه بالأيديولوجيا السياسية (روسيا)، أو الدينية (إيران).

عندما بدأت الثورة السورية، رأينا السفيران: الأميركي والفرنسي يزوران مدينة حماة، ويشهدان أضخم تظاهرة في سورية، شملت 600 ألف سوري، أي أن الدول الغربية بشكل عام تفاعلت مع الحدث، وأرسلت مبعوثيها إلى الميدان، ليرَوا بأم أعينهم ماذا يجري في سورية. بينما اكتفى السفير الروسي في دمشق بالجلوس في سفارته، وتلقي التقارير من السلطات السورية (المخابرات)، ثم نقلها إلى موسكو.

وقد شهدت بنفسي عشرات المواقف، عندما كنت أتحدث مع مسؤولين أو سياسيين أو خبراء روس، وأنقل لهم ما يجري في سورية، وهو موثق بالفيديوهات والصور والتحليل، يقولون لي إنهم يعرفون سورية أكثر مني، وإن مصادرهم تقول شيئًا آخر. والمشكلة أن ما يقولونه يجافي الحقيقة بنسبة 180 درجة، وكنت أستغرب هذه الثقة المطلقة لديهم، علمًا أن مصادرهم تعود للنظام السوري، وهو يُمارس الكذب على السوريين طوال 50 عامًا. وبالفعل كانت وفود كثيرة من روسيا تزور سورية في أحلك الظروف، ولكنهم كانوا يحلون ضيوفًا، عند السلطات التي تخصص لهم عناصر من المخابرات لمرافقتهم، وتوضع لهم برامج يتحركون بموجبها. باختصار؛ كانت تُقدّم لهم مسرحيات مكتوبة أم مرئية مع اهتمام كبير بإقامتهم ورفاهيتهم، إلى درجة أن بعضهم لم يغادر الفندق بل بقي يتمتع بإقامته طيلة فترة الزيارة، ثم يعود ويقدم تقريره للجهات المعنية، ويعقد مؤتمرًا صحفيًا، ويكتب المقالات، وكل معلوماته قائمة على مصادر كاذبة بنسبة كبيرة. إلى درجة أن أحد الخبراء المتحمسين للموقف الرسمي الروسي قال، في ندوة في وكالة (نوفوستي) الروسية، شاركنا فيها سوية في العام الثاني للثورة: “إن سورية تشهد نموًا اقتصاديًا”! فقلت له من أين أتيت بهذه المعلومات، ونحن نعرف أن الاقتصاد في سورية يتدهور، فأجاب إنه زار سورية، وهو متابع جيد لوسائل الإعلام الرسمية السورية!

يعرف الباحثون أن القيادة الروسية، منذ أن استلم فلاديمير بوتين الرئاسة، تحدثت عن مقولة “الديمقراطية الموجهة” في روسيا، وهي ديمقراطية مفصلة على المقاس الروسي (هذا يذكرني بقول أحد المسؤولين البعثيين إن سورية تفصل ديمقراطيتها على كيفها). فـ “الديمقراطية الموجهة” هي ديمقراطية، بالاسم والشكل، لكنها تخلو من المضمون الواقعي. وبغض النظر عن طبيعة النظام السياسي في روسيا، سواء كان ديمقراطيًا أم شموليًا، لماذا لا تتسم السياسة الخارجية الروسية بالمرونة والبراغماتية الحقيقية، بل هي متخشبة ومتجمدة وثوابتها مطلقة! وهل مصالح روسيا -كدولة وشعب ونظام- تقتضي دعم أنظمة فاسدة وشمولية مهترئة رفضتها شعوبها، لأنها استبدت ومارست كل أنواع الظلم والقمع. فما الحكمة الروسية من دعم تلك الأنظمة، كما هو الحال مع النظام الأسدي؟

بالرغم من الانتصارات العسكرية التي حققتها روسيا باستخدام الأسلحة المتطورة، وبخاصة الطائرات الحديثة في قصف المدن والقرى السورية، والتي مكّنت ميليشيات النظام و”حزب الله” والحرس الثوري الإيراني من التقدم والاستيلاء على مساحات جغرافية جديدة، فإنّ الحقيقة هي أن روسيا حققت انتصارًا جزئيًا، ولم تحسم الأمور في سورية، بل إنها تواجه واقعًا صعبًا متمثلًا بوجود عسكري أميركي وتركي وإيراني وقوات “كردية”، أغلبها من خارج سورية، وبقايا مقاتلي (داعش) والفصائل المسلحة المختلفة.

تقف الآن روسيا أمام بلدٍ، اسمه سورية، مدمّرٍ بشريًا واقتصاديًا واجتماعيًا. فكيف سيحكم بشار هذه البلاد تحت الانتداب الروسي؟ بل نود أن نسأل: كيف ستدير روسيا سورية في ظل كل التعقيدات والتحديات العسكرية والاقتصادية، وبخاصة إعادة الإعمار التي تحتاج إلى أكثر من مئتي مليار دولار على الأقل.

أي أن كل الدعم الروسي للنظام الأسدي المتهالك حاليًا، لن يلبي مصالح الدولة الروسية وشعبها، بل سيخلق لها مشكلات كبرى مكلفة ماديًا وبشريًا وسياسيًا، إضافة إلى ما تحملته روسيا من سمعة سياسية سيئة، بتغطيتها على جرائم الأسد، وبسبب تدخلها العسكري المباشر الذي أصبح اليوم هاجسًا حقيقيًا لموسكو. وخصوصًا أن روسيا مقبلة على انتخابات رئاسية في آذار/ مارس القادم، وعلى استضافة بطولة كأس العالم في كرة القدم 2018. وبالتالي؛ يمكننا فهم الإعلان عن الانسحاب الروسي من سورية (وهو محدود وجزئي)، وسبب التسارع الروسي في إيجاد حل سياسي، من خلال عقد مؤتمر سوتشي لـ “الحوار السوري” لفرض أجندة سابقة لأوانها مثل الدستور والانتخابات والالتفاف على قرارات جنيف حول سورية، وتتجاهل روسيا جوهر الحل المطلوب، وهو تحقيق الانتقال السياسي، الذي يجب أن يهيئ الظروف لكتابة دستور جديد، وما يتبعه من إجراءات أخرى بأيدي سورية وعلى الأرض السورية.

هناك من يقول إن النظام السياسي الروسي لا يمكنه إلا أن يدعم النظام الشمولي في سورية، لوجود تشابه بين الاثنين. ولكن الخبير العاقل يرى أن من مصلحة الدولة الروسية دعم الشعوب، من أجل حقوقها المشروعة التي تكفل استقرار تلك الدول، وتؤمن حقوق المواطنين في ظل أنظمة ديمقراطية. فلو وُجد نظام ديمقراطي في سورية، ليس دينيًا أو قوميًا أو طائفيًا، فهذا سيحقق استقرار في سورية ويضمن المصالح الروسية، بينما بقاء نظام الأسد المتهم بجرائم حرب، لا يمكن أن يحفظ المصالح الروسية العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية لفترة طويلة، ولا أن يكون عامل استقرار في المنطقة.

يبدو أن الأنظمة الشمولية ليس لديها درجة كافية من المرونة والبراغماتية والذكاء السياسي، بينما الأنظمة الليبرالية الديمقراطية، لديها مساحة واسعة من المناورة، تمتد من دعم الأنظمة الاستبدادية إلى دعم الدول الديمقراطية. والأمر يتعلق بمصالح الدول الديمقراطية الداعمة، فهي متحركة وديناميكية، بينما الأنظمة الشمولية سياساتها متحجرة ومطلقة، لا تقبل التأقلم مع مصالح الشعوب، لأنها تخشاها وتخاف من الديمقراطية.