مآلات الربيع الإيراني ومستقبل الثيوقراطية المتخلفة؟

 

ودّعت إيران العام المنصرم على وقع الاحتجاجات التي اندلعت، يوم الخميس 28 كانون الأول/ ديسمبر، واعتُبرت الأكبر خلال 38 سنة من سيطرة النظام الثيوقراطي الفاشي الذي يستمد شرعيته من ولاية الفقيه. لتأخذنا الأخبار العاجلة خارج سياق ما يجري في سورية وفلسطين والعراق واليمن، على الرغم من أنها تتصل بكل ذلك، فالحضور الإيراني في كل دول المنطقة التي تشهد إضرابات وعنف هو جزء من مشروعها الديني، وتنفق عليه سنويًا المليارات؛ ما دفع المتظاهرين إلى اعتباره أحد أهم أسباب احتجاجاتهم.

انطلقت هذه الاحتجاجات، في مواجهه الموازنة التي أقرتها حكومة حسن روحاني، وتضمنت رفع الدعم عن بعض السلع الأساسية، وزيادة في الضرائب وأسعار المحروقات، في بلدٍ يُعدّ من أغنى الدول النفطية في المنطقة. حيث تشير أغلب التحليلات إلى أن الإيرانيين يعيشون أزمة اقتصادية خانقة، تنداح مؤشراتها من غلاء المعيشة والفقر إلى ارتفاع نسبة البطالة التي تجاوزت، وفق الإحصاءات الرسمية، 3.2 مليون عاطل عن العمل، فيما يتجاوز معدل الذين يعيشون تحت خط الفقر 40 بالمئة، ناهيك عن تباين في خطط التنمية بين مناطق وأخرى، مقابل استنزاف عائدات النفط في دعم الميليشيات الشيعية، في لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان، والتي تعتبر بمجموعها يدًا ضاربة لنظام الملالي، في مواجهة دول الجوار، وحروبهم البائسة في سورية واليمن، ضد شعوب المنطقة، وليس في مواجهة “إسرائيل”، كما تدعي ديماغوجيا طهران.

حضرت هذه الخلفية بشكل واضح، منذ اليوم الأول، في مطالب المحتجين المناوئة لسياسة الحكومة، والمطالبة بتحسين وضعهم المعيشي والاقتصادي، وانعكس ذلك في شعارات المتظاهرين: “اتركوا سورية وفكروا بنا”، “إطلاق سراح السجناء السياسيين”، وصولًا إلى شعار “الموت لخامنئي”، “الموت للديكتاتور”.

هذه التظاهرات والاحتجاجات التي انطلقت من مدينة “مشهد” ثاني أكبر المدن الإيرانية، انتشرت كالنار في الهشيم، بالرغم من تهديدات الأجهزة الأمنية/ الدينية للمتظاهرين السلميين وبالرغم من قمعهم، فخلال خمسة أيام، عمّت التظاهرات كامل الجغرافيا في إيران، من أقصى الشمال الشرقي لإيران إلى أقصى الجنوب الغربي فيها، وتحديدًا المدن البلوشية المطلة على ساحل بحر عمان، وانتقلت من المدن الكبيرة، إلى المدن الصغيرة التي تعاني دومًا من الفقر والتهميش وانعدام التنمية، فكل مكونات الشعوب في إيران، من فُرس وعرب وكرد وتركمان وبلوش وسواهم، اتسقوا لأول مرة، على الرغم من تبايناتهم المذهبية أيضًا، في حركة احتجاجية ضد نظام ولاية الفقيه، فوحدة المطالب والشعارات التي رفعها الجميع، تشير إلى أن هذا النظام فقد شرعيته أمام مواطنيه.

مع ذلك، يدرك العالم أجمع، والمتظاهرون الإيرانيون بشكل خاص، أن هذا النظام الذي يدعم  قوى الديكتاتورية والإرهاب في كل دول العالم، لن يسلم بسهولة أمام الاحتجاجات الشعبية والسلمية، على الرغم من انخفاض أعداد القتلى، حتى الآن، إذ توسعت رقعة الاعتقالات على نحو مضطرد، فحين يعترف نظام الملالي بأنهم اعتقلوا في يوم الأحد، (الرابع بتاريخ الاحتجاجات) 370 شخصًا؛ فإن المعارضة الإيرانية تدرك أن أكثر من ألف ناشط إيراني أودعوا سجون النظام، خلال تلك الأيام الأربعة الأولى، ولم يتوان نظام الملالي عن تهديد المحتجين ووعيدهم بقبضة حديدية، هو الذي لم يتردد عن التضحية بآلاف الإيرانيين وآلاف أخرى من الميليشيات الشيعية الممولة من قبله، في سبيل حروبه الخارجية، وفي سبيل دعم استمرارية وجوده على رأس السلطة في إيران، ودروس انتفاضة 2009 لم تزل طازجة في ذاكرة الكثيرين، وفي ذاكرة حكام طهران بشكل خاص.

لم يكتف نظام الخميني في طهران بممارسة القمع والاعتقال ضد المحتجين، بل لجأ إلى إغلاق المدارس والمعاهد، لمنع مشاركة الطلاب في الاحتجاجات القائمة، وتوقيف رحلات بعض القطارات لعرقلة وصول المحتجين إلى أماكن التجمع، وحين فشلت هذه الإجراءات؛ عمد إلى إيقاف خدمة الرسائل في مواقع التواصل الاجتماعي، كما حجب تطبيقي “إنستغرام” و”تلغرام”، لمنع تواصل المحتجين وتنظيم وقفاتهم وشعاراتهم.

لكن المحتجين في ساحات المدن الإيرانية اليوم يدركون بالمقابل أن انتفاضة 2009 الخضراء شكلت “بروفة” أولية لمواجهة النظام الثيوقراطي الاستبدادي القمعي؛ لأنها بدأت قبل انطلاقة الربيع العربي التي أكّدت -بغض النظر عن مآلات بعضها- على إمكانية تحقيق أحلام الشعوب في الحرية والديمقراطية ومواجهة نظم الاستبداد.

والأهم من ذلك أن الانتفاضة الخضراء الأولى أخذت طابع الاحتجاجات السياسية على إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد لرئاسة ثانية في إيران، بطريقة حملت الكثير من ظلال الشك بصدقيتها، وحاول النظام أن يبقي اللعبة، كصراع بين جناحي السلطة المعتدل والمتشدد، لكن اليوم يؤكد الإيرانيون جميعهم الوقوف خارج أوهام السلطة الخمينية وأجنحتها الملتبسة، بدليل أن رئيس الحكومة حسن روحاني المعتدل، هو صاحب الموازنة الأسوأ في تاريخ إيران. كما أنه عدّ المحتجين الآن أشخاصًا خارجين عن القانون، وتجب معاقبتهم، ومن هنا أهمية الشعارات التي تطالب الآن بالتخلص من نظام ولاية الفقيه ككل، ومن مشاريعه الإقليمية، بعدما فقد الولي الفقيه الكثير من هيبته خارج إيران وداخلها.

بالتأكيد، تكتسب أحداث إيران الراهنة أهمية قصوى إقليمية ودولية، مع أن المواقف الأميركية الداعمة لحراك الإيرانيين، ربما تعطي انطباعات سلبية، وتشجع نظام ولاية الفقيه على استعادة ديماغوجيا المؤامرة الخارجية، التي يسميها “الصندوق الأسود” لأرشيف الدعم الإمبريالي ضده، لكن بعيدًا عن هذا التفصيل، وبغض النظر عن مآلات هذا الحراك الذي يمكن أن يصنع الثورة الأهم في تاريخ المنطقة بدايات هذا القرن، كما يمكن أن تنجح ديكتاتورية الملالي الدينية بالقضاء على هذا الربيع بقوة العنف والبطش. وبغض النظر عن هذه الإمكانية أو تلك، فإن تأثير هذا الحدث سيمتد حتمًا إلى دول المنطقة ككل، وبشكل خاص في سورية التي عانت كسواها من عقابيل مشاريع تصدير الثورة، وما نجم عنها من تدخل الحرس الثوري الإيراني وتمويل ميليشيات شيعية من كل الأجناس، لقتل السوريين وتدمير ممتلكاتهم، وتهجيرهم.

سياسة تصدير الثورة التي كلفت الإيرانيين مليارات الدولارات التي اقتطعت من معيشتهم، وآلاف الضحايا أيضًا من أبنائهم الذين تحولوا إلى شواهد قبور، تنقصها الجثث في أغلب الأحيان، باتت عاجزة عن تسويق مفاتيح الجنة للميليشيات والمقاتلين، الذين يبحثون عن حياة أفضل لدنياهم ولأسرهم؛ إذ نقلت بعض الصور لأول مرة مشاهد انضمام عناصر من الشرطة المكلفة بقمع الشعب إلى صفوف المتظاهرين، كما سجل لأول مرة أيضًا عجز نظام الفقيه الولي عن تحشيد وجمع مؤيديه في تظاهرات مليونية مضادة، كما اعتاد في السابق، وهذا يبعث التفاؤل، ويوقد جذوة الأمل لدى المتظاهرين والمعارضين للنظام الثيوقراطي المتخلف، بإمكانية الثورة التي باتت شيئًا ممكنًا ومطلوبًا لولادة غدٍ أفضل، غدٍ يوفر لهم الحياة الكريمة والديمقراطية.