مقالات الرأي

عام سوري قادم.. رماد وجمر

 

يودع السوريون عامًا ينقضي، ويستقبلون عامًا جديدًا، يسكنهم حلمٌ ويحدوهم أمل، وبين ما يودعون وما يستقبلون، تجري أنهار من دماء وأحداث. آلام وآمال، جمرها ورمادها سوريون يتطلعون إلى طيّ صفحة طاغية، أوقد في أجسادهم نارًا وغازًا، وأحال تاريخهم وحاضرهم إلى ركام. يتنقل السوريون بين وقت وآخر، تمرّ شهور وأعوام، تتواصل فيها حالة الانهيار والتداعي للمجتمع والجغرافيا والسياسة، هذا جانب من واقع الحال، فماذا نجد في العام الذي ننتظر؟

نجد الشعب السوري، أمام مواجهة واشتباك، تعمقت فيهما حالة سقوط الأسد من مستقبل سورية، على الرغم من الانتقال بثقل وقساوة، من عام إلى آخر، بمحامل بشرية ضخمة، مادية ومعنوية، أصبح فيهما الانتقالُ، من حالة العدوان إلى احتلال أجزاء من الأراضي السورية، أبرز ما أنجزته روسيا، مع إقفال جردة حساباتها العسكرية، في إقرار حميميم وطرطوس قاعدتين دائمتين لقواتها في سورية. لم تكن فصاحة المسؤولين الروس خاتمة العام 2017، من لافرنتيف وبوغدانوف إلى لافروف، إلا تتويجًا لحقائق راسخة عن دور موسكو التي تقود معسكر الإسناد للأسد، نيابة عن نفاق المجتمع الدولي.

كلما دارت الأحداث دورتها؛ ظنّ البعض أنها نهاية التاريخ، وتصرف على هذا الأساس. تصريحات موسكو، في الأيام الخاتمة للسنة الحالية، بشرت السوريين بأن اجتثاثَ أحلامهم التي سكنت عقودًا طويلة في وجدانهم، سيستمر، وسيتواصل العمل على اقتلاع أحلامهم، وكما عَنُفَت واشتدت قوة البراميل والصواريخ والسارين، واشتد غليان إرهاب الأسد وحلفائه، تدشن موسكو منصةَ “الحلول” الغارقة في الدماء والأزمات والتناقضات، للقبول بطاغية ودكتاتور صغير يتبع لها، منصةً لن يضفي عليها بنيانها في العام القادم صلابة، بقدر ما سيضيف هشاشة متزايدة وتناميًا متدرجًا للتناقض الحاد، بين طاغية بيدق بيد محتل.

ليس بمقدور القواعد العسكرية ولا الاحتلالات، ولا “عظمة” الشرطة العسكرية الروسية أو “فيالق” الولي الفقيه، أن تُغيّر من اسم الأسد المقترن بالسفّاح والمجرم المدان، من كل السوريين، فبقدر ما أن العام الذي مضى كان، في مظهره الأساس، مسرحًا لهجوم و”انتصار”، وضغط لقوى دولية وإقليمية معادية لتطلعات الشعب السوري نحو التحرر، وبالرغم مما أفرزه هجوم المعسكر المعادي لثورة الشعب السوري من “إنجازات”؛ فإن ذلك لا يلغي حقيقة راسخة موازية: هي أن حالة العناد والتصدي والإصرار على كنس الإيراني والإسرائيلي والروسي، وكل عصاباتهم، وإسقاط الطاغية، هي جمرات سورية للأعوام القادمة.

كما أن السقف الذي شقّته موسكو في أستانا وسوتشي، لعجلة تسوية مُذلّة ومُهينة، بعد تحويل مساكن السوريين وآمالهم وأحلامهم إلى رماد، يُمثّل في الجوهر الجمرات التي ستبقى متّقدة. ونحن ندخل العام 2018، قد تهتز الصورة ويصيبها بعض الغموض والتشويش لبعض الوقت، وقد تهب رياح الإحباط واليأس والانفعال، لكنها ستعود لتستقر على أساس ما يمثله الواقع من بديهيات صلبة في التاريخ والجغرافيا والثقافة والسياسة وصيرورة الحياة، التي لن تكون استثناء، إن تعلّق أمر التاريخ والحياة بطاغية صغير كالأسد الابن.

يودّع السوريون عامهم المنصرم بمزيد من الضحايا، وبكثير من انهيارات عربية، وتفسّخ جبهة تضامنهم ودعمهم. يستقبلون عامًا جديدًا بتراكم محاولات ترسيخ اختراقات سياسية وعسكرية وأمنية، بعضها نفذ وأصاب في العمق، وأعاد بعض المسائل إلى بدايتها. عمق الصدمة ناجم عن مستوى حالة الانهيار التي نشهدها، عربيًا وإقليميًا، لكنها كلها مرتبطة بتطورات الثورة السورية التي بفضلها عرت ما سبق من التاريخ، وما نحن بصدد الانتقال إليه في المستقبل.

بقدر ما أن الأمور لم تجرِ، وفق ما رغب الشعب السوري في الأعوام السبعة الماضية، فإن الراهن لن يكون خالدًا وثابتًا أو قدَرًا لا يرد، لأكثر من سبب، وإن كل تواطؤ العالم الذي يقف صفًا واحدًا، خلف وظيفة الطاغية الصغير، والترتيبات القائمة وآمال روسيا وطهران وواشنطن وتل أبيب، في خلود وظيفة الطاغية، تناقضت بصورة عميقة وجذرية وتاريخية، مع مصالح الشعب السوري، حتى على مستوى البديهيات، وهذا يكفي لكي تبقى جمرات الصراع متأججة ومتوهجة، وإن كساها الرماد والوهن لبعض الوقت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق