دمشق الخمسينيات وأيادي العبث

ليس بالضرورة أن يُكتب في سجلّ قيدك المدني أنكَ مولود في دمشق، كي تنسب نفسك إليها، وتقول: أنا دمشقي.. فهذا النسب حق لكل من سجّل قلبه نبضةَ حبّ في أزقتها، وإنْ مرّ بها يومًا واحدًا، عابرَ سبيل.

دمشق يعشقها عابرها، ويحلم بالعودة إليها، وهو نائم على وسادته الوثيرة في الدائرة السابعة من باريس، وهو يتسوق في المولات الفخمة في دبي، وهو يتمشى في حدائق التيفولي في روما، وهو يتأمل زخارف قصر الحمراء في غرناطة، وهو يقف مشدوهًا من عظمةِ الفن المعماري لسور الصين.

دمشق تحضن كلّ من مرّ بها، وتمنحه دفئها وعطرها وأُنسها، وفي التكية السليمانية، كانت تمنح قلبها لعابري السبيل وللحجاج في طريقهم إلى الحج، وتجعل الواقف أمام باب كيسان يشعر أنه الفاتح الأول لها، وإن أشارت له بسبابتها بكل كبرياء إلى أمويّها فلِكي تقول له: هنا في دمشق “كلنا أمويّون”، وإن أمسكت بيده ودعته إلى أن يشعل شمعة سلام، في “بيت القديس حنانيا الرسول”؛ فلِكي تقول له: هنا في دمشق “كلنا كنسيون”، وإن حان وقت الغذاء وشعر عابرها بالجوع؛ تأخذه إلى بيت من بيوتها الأثرية في أزقة سوق الحميدية، لتناول وجبة (البَسمَشكات) الشامية، وهي تقول له: هنا في دمشق “كلنا شاميون”.

عند المساء، تكون قد تيقنت أن زائرها قد أوشك أن يدخل باب الحلم، فتستدعي قاسيون كي يمسك بتلابيب حلمهِ، من خلال كأسٍ من الشاي معتقٍ، ومع كل رشفة منه يشتعل قلبه حبًا بها، فيرمي لكل حي منها قبلة، وما إن تنتهي سهرته عند قمة جبلها حتى يخال أن دمشق قد ارتفعت إليه، وأنه يجلس في حضنها، وقد عانق السحبَ.

الحديث عن دمشق يوجب تسليط الضوء إلى ما كانت عليه أحوالها، عندما كانت شابة تحلم بأن يكتبَ التاريخ عنها مجدًا، صنعته خلال خمسينيات القرن الماضي.

الجميع يصاب بالدهشة، عند الحديث عن الانفتاح والتطور الثقافي الذي شهدته دمشق، في ذلك الزمن؛ ذلك أن كُتب التاريخِ التي حفظناها ضمن المنهاج المدرسي، في حقبة السبعينيات والثمانينيات وما بعدهما، لم تمنح تلك المرحلة الزمنية حقها، فكان المرور على أحداثها بجملة أو جملتين كمرور الكرام، وهذا كان دافعًا للبحث فيما سجله الكتّاب المؤرخون والباحثون عن تلك الفترة، على قلتهم، حيث وجدت أنهم -على اختلاف مشاربهم الفكرية- متفقون جميعًا على أن تلك الفترة كانت تتسم بالنهضة، في كافة مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

دمشق السياسة والثقافة في الخمسينيات

من عايش دمشق في ذلك الزمن؛ فسيقول إنها كانت مدينة شابة تفيض بالحيوية، مدينة دخلت مرحلةَ التوهجِ الثقافي، بفضلِ شبانها وصباياها الذين تفتحت أذهانهم، منذ الثلاثينيات والأربعينيات، في أثناء المطالبة بالاستقلال عن فرنسا، على ضرورة التعلم، لكونه غذاء للعقلِ وحقًا مشرعًا له، كي يمارس حريته الفكرية والسياسية ضمن المجتمع، فما إن جاء الاستقلال حتى كان لدمشق جيل جديد متفتح واسع الأفق الفكري والثقافي، يسعى إلى نهضة الحياة المجتمعية، آملًا أن تصل بمستواها المدني الحضاري إلى ما يشار إليه بالبنان.

على الرغم من تعدد الانقلابات العسكرية على الحكم المدني في ذلك الحين؛ فإن فترة الخمسينيات رسخت، في الذاكرة السورية عامة والدمشقية خاصة، أنها عقدٌ من الزمان ذو طابعٍ مدني حضاريٍ ديمقراطي.

كانت الفئة المتعلمة في المجتمع الدمشقي تمسك زمام العمل بالشأن الثقافي العام، من دون أن تخشى محاولات السلطات، وبخاصة العسكرية، قمع نشاطها أو التضييق عليها، كما كان لكل مواطن أن يمارس نشاطه السياسي، أيًا كان معتقده الحزبي، دونما خوفٍ من بطش أو اعتقال أو وجود ما يعوق حريته في التعبير عن رأيه، وذلك بكفالةٍ من الدستور الذي منحه هذا الحق.

ووفق من عايش تلك الفترة، لم يكن حينذاك لأي متنفذ في الدولة رأي أو قرار يعلو على الدستور ومواده، وكان باب المجلس النيابي مفتوحًا للمواطنين عامة، وكان بإمكانهم حضور الجلساتِ، كجمهورٍ مستمعٍ لمّا يتم مناقشته.

عند الحديث عن الوضع السياسي، في دمشق في خمسينيات القرن الماضي، لا بد من ذكر حدث سياسي ديمقراطي، لم يتكرر إطلاقًا في تاريخ الجمهورية العربية السورية، وذلك عندما تم انتقال السلطة بشكل سلمي، بين رئيسين منتحبين شعبيًا، ضمن مراسم احتفالية عام 1955، حيث سلم الرئيس هاشم الأتاسي صلاحيات الرئاسة والسلطات التي يمارسها، للرئيس شكري القوتلي.

من لم يعاصر ذلك الحدث من أبناء الشعب السوري، فإنه -بلا شك- تعرّف على ما يشبهه من انتقال سلمي للسلطة، وشاهَد المراسم المرافقة له التي تعبّر عن احترام الدستور، وعن مدنية الدولة التي يجري فيها هذا الانتقال ونهجها الديمقراطي؛ وذلك عبر شاشات الفضائيات التي تنقل لنا مباشرة ما يجري حولنا في دول العالم الذي ما عدنا نشبهه.

حدث آخر سجله كتاب التاريخ عن الحال السياسي والبرلماني الديمقراطي السوري آنذاك، ففي إحدى جلسات البرلمان عام 1954، فوجئ النواب برئيس البرلمان ناظم القدسي يجلس بينهم على مقاعد النواب، وقبل أن يسألوه تبريرًا لذلك، فتح حقيبته وأخرج جريدة (الرأي العام) وقال لهم إن هذه الجريدة وجهت له تهمة بأنه أمَر بفتح شارعٍ يمر بقرب قطعة أرض يملكها، بهدف رفع سعرها، ووضع نفسه أمامهم متهمًا، وطلب تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في صحة الاتهام الموجهة له، وطالبهم في حال ثبوت التهمة برفع الحصانة عنه، وتقديمه للمحاكمة. وبعد انتهاء التحقيق وثبوت بطلان التهمة؛ عاد ووقف أمام البرلمان قائلًا: “إنني أسقط حقي في إقامة دعوى على الصحيفة، احترامًا مني لحرية الصحافة، وتقديرًا لاهتمامها بالمصلحة العامة”.

دمشق الصحافة والإعلام

أصابني الذهول؛ عندما قرأت أن الصحافة الخاصة قد شهدت فترة ذهبية وازدهارًا كبيرًا، في الخمسينيات من القرن الماضي، فأنا من جيل الصحف الثلاث الصادرة عن مؤسسة إعلامية حكومية، تتبع للنظام الحاكم وناطقة باسمه (البعث والثورة وتشرين)، ولم أعرف خلال سنوات عمري الخمسين أي صحافة مستقلة حرة في سورية.

كانت تصدر في دمشق نحو عشرين صحيفة يومية صباحية، واثنتين مسائيتين، وثلاث مجلات أسبوعية، وجميعها كانت تصدر في فضاء من الحرية، انعدم نهائيًا منذ بداية عقد الستينيات. وكان الصحفي يدخل كواليس السياسة في مانشيتات ساخنة، وأفكار جريئة، وأعمدة نارية، من غير أن يجد نفسه مطلوبًا للسؤال في ذلك اليوم في أحد الأفرع الأمنية.

يصف الروائي والصحافي عادل أبو شنب، وهو أحد أعلام الصحافة السورية المستقلة، بلاط صاحبة الجلالة في ذلك العهد، ضمن حديث منقول عنه منذ أعوام، فيقول: “بانتهاء حقبة الديكتاتور أديب الشيشكلي، شهدت الصحافة السورية ازدهارًا كبيرًا، حتى جاء جمال عبد الناصر، زمن الوحدة السورية المصرية، وأغلق الصحف الخاصة. حينئذ، دخلت الصحافة السورية في نفق مظلم، لم تخرج منه إلى اليوم، وتحول الصحافي إلى مجرد موظف”، ويضيف عن الحال اليوم: “لا تعيش الصحافة في ظل قوانين رقابية صارمة وقوالب جامدة، ووجهة نظر واحدة. التعددية في الأفكار هي البوصلة الصحيحة إلى عقل القارئ”.

أما الإذاعة، بوصفها جزءًا مهمًا من النهضة الإعلامية والثقافية التي شهدتها دمشق، بعد خروج آخر مستعمر فرنسي عن البلاد في عام 1946، فقد شهد ذلك الوقت انطلاقة البث الإذاعي لأول مرة بمناسبة عيد الجلاء، وقد بدأ البث في شباط/ فبراير 1947، وكان الإعلامي الأمير يحيى الشهابي أولَ من قال: “هنا دمشق”، معلنًا عن انطلاقة إذاعة دمشق الوطنية، وظلت تلك العبارة مسجلة في أذهان من سمعها حينئذ، كحدثٍ مهمّ، في تاريخ سورية، ومع أن الإذاعة كانت بانطلاقتها الأولى ضعيفة، وتعمل على الموجات القصيرة، فإن إذاعة دمشق قفزت، مع بداية عهد الخمسينيات، خطواتٍ كبيرة وسريعة، حتى أضحت الوسيلة الإعلامية الأولى في البلاد آنذاك، وفتحت الإذاعة أبوابها للمواهب الإذاعية، فكان منهم بهجت العلبي، وصباح قباني، وخلدون المالح، وعواطف الحفار، وأسماء أخرى كثيرة لمع نجمها الإذاعي، وكانت الانطلاقة الأولى لفيروز من إذاعة دمشق، في شباط/ فبراير 1953.

المرأة ومساهماتها في النهضة

يبقى الحديث عن أي مجتمع ناقصًا؛ ما لم يعرّج على وضع المرأة ضمنه، وبما أنه لا يمكن اعتبار المجتمعات حضارية، إن لم يكن للمرأة دور فاعل في عملية البناء والتنمية، فقد كانت دمشق بعد الحرب العالمية الثانية تسير بخطى عظيمة، نحو إنتاج مجتمع حضاري متكاملٍ قويٍ في بنيانٍ أساسه التعليم.

في بدايات القرن العشرين، كان تعليم المرأة يقتصر على الابتدائية، والقلائل كن يحصلن على تعليم أعلى، لكن الجمعيات النسوية التي أنشأتها رائدات النهضة النسوية في سورية، أمثال لبيبة هاشم، وماري عجمي، وإلفت الإدلبي، وعادلة بيهم الجزائري، ونازك العابد؛ نهضت بوضع المرأة؛ فكثرت طالبات العلم وانخفضت نسبة الأمية بين النساء إلى خمسين بالمئة، في بعض القرى المحيطة بدمشق كقرى القلمون.

وما إن وصل عقد الخمسينيات، حتى صارت قاعات الجامعة السورية الحكومية مليئة بطالبات العلم، من كافة الطبقات الاجتماعية، وصار للمرأة حضور فعال في العمل العام، وفي كل الأحزاب السياسية التي كانت بارزة في ذلك الحين على ساحة العمل الوطني. وفي عام 1953، حصلت المرأة على حق الترشح وحق الانتخاب، لتكون الرائدة “ثريا الحافظ” أولى المرشحات للبرلمان في التاريخ السوري.

هكذا كان وضع المرأة في دمشق الخمسينيات؛ لكن ما إن جاء عهد الوحدة عام 1958، وفيه تم إلغاء التعددية الحزبية لمصلحة قيام حزب واحد، حتى بدأ يتقلص دور المرأة ونشاطها العام، وشكل مجلس أمة موحد، ضم في عضويته مئتي نائب، كان بينهم فقط سيدتان معينتان من قبل الحزب هما: جيهان موصلي ووداد أزهري. لتأتي بعد ذلك مرحلة البعث التي تبنت نظريًا خطابًا مناصرًا للمرأة، لكنها عملت على حصر الحركة النسوية بالاتحاد النسائي، كرديف للحزب؛ ما أدى إلى تحجيم المشاركة السياسية للمرأة، والاحتفاظ بها شكليًا، وهكذا تراجع دورها خلال العقود التي تلت، وصار النشاط النسائي العام مقتصرًا على النساء اللواتي ينتسبن إلى الاتحاد النسائي في إطار حزب البعث.

كانت فترة الخمسينيات البذرة الوحيدة التي زرعها الشعب السوري، في حقل الديمقراطية الحلم، لكن لم يكتب لتلك البذرة أن تنبت وتثمر، بسبب العبث في تربتها؛ لتبقى في الذاكرة الدمشقية خاصة والسورية عامة مجرد قصص وحكايات، عن تاريخٍ مشرفٍ وئِد فتيًا، ولو أن أيادي العبث لم تصل إليه؛ لكان لتاريخ سورية اليوم شكل آخر.