أبحاث وتحليل سياسات

استشرافاتٌ ثورية (أو ما يشبه لوحة بانورامية)

 

تُروّج على نحو واسع فكرة “هزيمة الثورة السورية”، ولا يعنيني في هذا الإطار تحليل دوافع من يرى ذلك، إنما يهمني تحليل مدى مشروعية هذه الفرضية، انطلاقًا من إيماني بشفافية الاختلاف وحرية إطلاق الرأي والتعبير، وانفتاح الاحتمالات والممكنات، في أي حدثٍ تاريخي يقاربه المرء حياتيًا ومعرفيًا.

أولًا: المستوى النظري:

لمناقشة (فرضية هزيمة الثورة) سأنطلق بدايةً من سؤالٍ جدلي أولي يقول: متى تهزم الثورة؟ وأفند هذا السؤال عبر أربع فرضيات تجيب (نظريًا) عنه:

1 – الفرضية الاعتقادية: تهزم الثورة، عندما يكف الناس عن الإيمان بها وبأهدافها، ويتوقفون عن فعل الرفض والمقاومة، فالأصل في مفهوم الثورة ليس في مطابقة فعل المعارضات وهيئاتها معها (وقد أشرت إلى الفرق بين المعارضة والثورة في غير مادة)؛ إنما أولًا وقبل أي معيار آخر في القاعدة الشعبية الثائرة الممتدة في سورية، ليس فقط في المناطق المحررة من أرياف حلب وإدلب وحمص وحماة والساحل ودمشق ودرعا والقنيطرة، بل أيضًا في القوى الكامنة في المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام، والمناطق (المستعادة) من تنظيم (داعش)، وكذلك عبر كامل خريطة مخيمات النزوح واللجوء وبلدان الشتات التي يشكل (سوريوها) خزانًا بشريًّا هائلًا، لبث الطاقة والحيوية والاستمرارية في مشروع الثورة، حتى تحقيق غاياتها الكبرى.

2 – الفرضية القياسية: يظهر البعد القياسي أن معظم ثورات التاريخ كانت شبه يتيمة بالمعنى (الانفعالي/ الرؤيوي والسياسي/ العملي) للكلمة، مع الأخذ بالحسبان اختلاف كل ثورة عن الأخرى، والخصوصية التاريخية والجيوسياسية لكل منها، غير أن تلك الاختلافات تتشابه في القوانين الوجودية والأنطولوجية والصيروراتية العامة، لا سيما في ضوء ممانعة إرادات القوى المتنوعة للتغيير الذي تفرضه الثورات، وقدرة حركية الفجوة الجديدة المنفتحة بفعلها على ربح رهاناتها؛ ذلك أن الزمن -مهما بلغت القوى الكابحة المضادة للفعل التحولي- هو لصالح العالم المغاير والجديد الذي بسطه الانفجار الثوري، وغالبًا ما يتحقق التغيير، بوصفه وجودًا بالقوة، منذ اللحظة الأولى لانبثاق الثورة، ليكون صراع إرادات القوى لا على منع التغيير الذي تم وانتهى أمره، لكن على شكله وطبيعته وحجمه؛ أي على أساليب وجوده وتعينه بالفعل، وهو الأمر الذي يتم توالديًا أحيانًا عبر مراحل تراكبية معقدة ومتوسطة الامتداد الزمني أو طويلة نسبيًا.

3 – الفرضية الموضوعية: تؤكد المعطيات الموضوعية على الأرض -على الرغم من كل خسارات الثورة السورية الظاهرية- بعد التدخل الروسي، أنه لا يمكن القول بالفم الملآن: “انتصر النظام”! ذلك أن فكرة انتصار النظام تعني انتهاء مفاعيل التغيير، وتوقف آليات رده التي يمارسها لقمع الثورة، فهل حسم النظام الصراع فعلًا، وهل انتهى الحل الأمني/ العسكري، وأعادت منظومته كل شيء إلى ما كان عليه قبلها؟

طبعًا، من المستحيل تحقيق هذه العودة شكلًا ومضمونًا، فالنظام لم ينتصر، على الرغم من كل الدعم الإقليمي والدولي والتواطؤ الأممي الكبير لصالحه، لكن الثورة أيضًا لم تنتصر بالمعنى المنجز سياسيًا وعسكريًا، وفي الوقت نفسه لم تهزم قط، فعدم انتصار النظام يعني عدم هزيمة الثورة، لكن أيضًا عدم انتصاره في الوقت نفسه يعني انتصار الثورة، بوصفها فعلًا تراكميًا موضوعيًا له شروطه ومعطياته وموجباته التي يقف الزمن بصيرورته لصالحها بعكس النظام الذي فقد قدرة التحكم، وصار أسيرًا للمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، وللواقعية السياسية التي ستفضي إلى صفقة تغييرية ما، مهما طال الزمن، كبرت نسبة التغيير والانتقال نحو المرحلة الجديدة أم نقصت، ليكون الباب بهذه الدلالة التاريخية قد فتح على ممكنات التحول المغاير، ولم يعد بالإمكان إغلاقه من جديد.

4 – الفرضية الفلسفية/ الحدسية: تقود الفرضيات الثلاث السابقة إلى القول إن فجوة الثورة التحولية فجوة توليدية مفتوحة على احتمالات مستقبلية غير قابلة للضبط التقني، فتحطيم باب السجن وحاجز الخوف، وتداعيات الأحداث المتتالية، بما هي تداعيات حرة متسارعة، يدل على أن الصراع، حينما ينبثق عبر مواجهاته، يحرر الدلالات الجوهرانية المؤطرة بمركزيات طوباوية أو طهرانية مسبقة من الثنائيات المختلفة كثنائية (الخير/ الانتصار – الشر/ الهزيمة) المطلقة؛ حيث إن مكر التاريخ يحتفي بنسبية الحركة، ومباغتاتها المستمرة بعد أول خلخلة في بنية الفجوة التي كانت تبدو مستغلقة ومستقرة لفترات معينة، لينهض الحدث على كليةٍ تخليقية لا تجيب (أو لا تزيح)، بوصفها حاملًا لهذا الحدث، على جميع مشكلات المستوى الوقائعي دفعةً واحدة؛ إنما تبسط أساليب وجودها المغايرة رويدًا رويدًا، وذلك انطلاقًا من بؤرة الهدم، وبما هو إرجاءٌ في حالات كثيرة لمرحلة البناء اللاحقة، ليكون العامل الحدسي في هذا الفهم مؤسسًا على الاستجابة لنداء الوجود بملاقاة عوامل التغيير القائم والقادم عبر الفاعلين الثوريين النسبيين في ممارسة آليات المواجهة والصراع.

ثانيًا: المستوى التطبيقي:

1 – الدور الإيراني: يقوم الدور الإيراني في سورية حتى الآن على سياسة (كل شيء أو لا شيء)، فهم يعلمون أن استثمارهم الطويل في المشرق العربي سينهار؛ إذا فقد الورقة السورية، وليس فقط بمعنى أن سورية جسر أساسي في (الهلال/ البدر الشيعي)؛ إنما لأن حلم الإمبراطورية -بكل ما ينطوي عليه من أوهام وزيف- مضاد لمنطق التاريخ ويتعدى ذلك، غير أن هذا الحلم سيصطدم بجملة ممانعات موضوعية مهما طال الوقت، أهمها أن مسألة الانتقال السياسي في سورية، بعد كل ما حدث -بغض النظر عن شكله وحجمه وطبيعته- هو أمرٌ لا بد أن يحين بوصفه ساعة الحقيقة الحتمية التي ستجبر دول الإقليم والعالم التي استثمرت في الملف السوري، وتلاعبت بالثورة، على إيجاد صفقة أو صيغة حل، إذ لا يمكن إبقاء الصراع إلى ما لا نهاية، وهي المسألة التي تعني أن الطموح الإيراني سيجد نفسه أمام جدار وقائعي، أو على الأقل سيجد الإيرانيون أنفسهم مجبرين على تقديم التنازلات المؤلمة بالنسبة إلى حجم مشروعهم، ولا سيما في ضوء الرفض الطبيعي -بالمعنى الجيوسياسي لدول الإقليم العربية وتركيا و(إسرائيل)- تمددهم المهدد لهذه الكيانات استراتيجيًا، وهذا الرفض يلزم الولايات المتحدة الأميركية بالتناغم مع الوقائع الموضوعية براغماتيًا، مهما لعبت تكتيكيًا -هي و(إسرائيل)- وسمحت لإيران بالتمدد أكثر من حجمها الطبيعي لغايات مختلفة، منها الرغبة الحقيقية في تحطيم سورية، وإنهاك قوى الصراع المحلية والإقليمية والدولية جميعًا في المساحة السورية، فضلًا عن ضرورة ربط الملف الإيراني في سورية، بكل ملفات إيران في المنطقة العربية، وهذا ما يسبب الإنهاك السياسي والعسكري لإيران، مهما كابرت بفعل طموحها الإمبراطوري المأزوم، ولا سيما أن وضعها الاقتصادي، وتداعيات ملفها النووي، وما قد ينشأ عنه من عقوبات كبيرة، إلى جانب تزايد قوى المعارضة الإيرانية (من الفرس بطبيعة الحال ومن البشتون والكرد والعرب) لهذا النظام وسياساته في الداخل والخارج، هي عوامل تزيد من استحالة استمرارها على هذا المنوال إلى ما لا نهاية، ولذلك يبدو الوقت نسبيًا لصالح قوى الثورة السورية التي ينبغي أن تعي أهمية الصمود في لعبة عض الأصابع، والاستفادة من اتساع حجم الصراع السعودي (العربي بشكل عام) والأميركي/الغربي مع إيران وأذنابها في المنطقة العربية.

2 – الدور الروسي: لا يمكن القول، من باب بيع الأوهام، إن سعي روسيا لإنشاء مناطق (تخفيض التوتر)، عبر مؤتمرات آستانا، هو دليل على عجزها عن تحقيق الانتصار العسكري الحاسم على الثورة، فهي -عسكريًا- أنجزت الكثير في ضبط التمدد الحربي على الأرض لفصائل الثورة وتحجيمه، وهي بهذا المعنى قد تكون قادرة نظريًا -بمساعدة الميليشيات المختلفة على الأرض- بوصفها دولة عظمى من الناحية العسكرية تحديدًا على إكمال هذا التقدم، لكن كل استثمار عسكري محكوم بمجموعة محددات سياسية واقتصادية، من دون إغفال قدرة الثوار على الصمود، وربما هز الروس عبر تغيير طرق المقاومة فيما لو فكرت روسيا بإكمال مشروعها العسكري، وهنا أحد مكامن الخوف الروسي والحذر البالغ من الغرق في المستنقع السوري (وهم الذين يحملون في ذاكرتهم تجربة أفغانستان المؤلمة لهم)، فضلًا عن أوضاعهم الاقتصادية الداخلية غير المستقرة بالتأكيد، ورغبتهم في تحاشي أن تفلت الأمور من أيديهم، وقد دخلوا تحت شعار أنهم سيحسمون الصراع في ثلاثة أشهر فقط، تضاف إلى كل ذلك مخاوفهم من أن تهدر المكتسبات التي يطمحون إلى جنيها واقتناصها؛ أي خشيتهم من تضييع إمكانية الحصول على الأثمان المقابلة لهذا التدخل في أكثر من ساحة خارجية (أوكرانيا والقرم وقضية الدرع الصاروخية والعقوبات الاقتصادية المؤثرة عليهم)، في حال طال أمد الصراع، ولا سيما بعد أن حصلوا من (النظام الشرعي السوري) في اعتقادهم على صفقة بقاء قواعدهم نصف قرن، وهم يريدون ضمان ذلك -إلى جانب حصتهم في إعادة الإعمار- بإيجاد من يغطي هذه الصفقة في مرحلة الانتقال السياسي، ناهيكم عن أن الخطوط الخفية الأميركية والغربية التي منعت انتصار الثورة، لا تقبل بسحقها تمامًا، وهذا أمرٌ تعيه روسيا بعمق، ويجبرها على المناورة والمساومة، بما تملكه من أوراق سورية، وفي مقدمتها ورقة العصا العسكرية الغليظة، محاولةً الحصول على غطاء أممي للحل الذي ترسمه لسورية في ضوء فهمها حدود تدخلها، آخذةً بالحسبان خطورة أن يؤدي استمرارها في الحل العسكري، إلى زعزعة إمكانية مد جسور توافقية سياسية واقتصادية لها، إقليميًا، مع دول الخليج العربي وتركيا على وجه الخصوص، وكذلك في ضوء نقاط الخلاف المسكوت عنها مبدئيًا مع إيران التي تنافسها مباشرةً على الكعكة السورية، وهو الأمر الذي قد يخلط أوراق روسيا، ويبقي حتى الآن مناطق خفض التوتر هشة جدًا، إن لم نقل صورية وموجودة على الورق فحسب، وهي تعي معنى أن يوصلها ذلك إلى طريق مسدودة؛ إذا لم تجد مخرجًا سياسيًا مع الدول الإقليمية والكبرى على وجه السرعة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، لهذا تبدو جميع هذه التناقضات قادرة على منح الثورة هامشًا معقولًا من المناورة، والاستفادة من هذا الوضع، ولو جزئيًا، في المراحل القادمة، إذا وجد العقل السياسي الواعي لذلك.

3 – الدور التركي: شهد الدور التركي تحولات كبيرة في سورية، قد يصفها البعض بالتحولات الجذرية، ويرى آخرون أنها تحولات تكتيكية، ومن الواضح أن أس الانزياح في السياسة التركية يكمن في الخلاف التركي الأميركي حول ملف الكرد، ومسألة دعم أميركا لـ PKK وPYD، ولهذا جاء اللقاء التكتيكي التركي الروسي في الملف السوري، وإن كان يجمع بين هذين البلدين الكثير الكثير من المصالح الاقتصادية والحيوية، ولذلك قدمت تركيا الغطاء والتسهيلات لروسيا، في تفاصيل ميدانية مختلفة على الأرض (ربما يكون في مقدمتها تسليم حلب)، مقابل فتح الروس للأتراك إمكانية تأسيس منطقة آمنة، عبر عملية (درع الفرات)، تكون نواة لتمزيق الامتداد الكردي في شمال سورية، ومنع قيام كيان سياسي لهم يصل بين شرق الفرات ومنطقة عفرين والبحر المتوسط، ثم جاء الفصل الثاني من هذا التنسيق الذي بدأت تجني تركيا ثماره ضمن اتفاقيات آستانا لتخفيض التوتر بدخولها مناطق غرب حلب المقابلة لعفرين، والتهديد باجتياح عفرين، وإن كانت معضلة إدلب ما تزال معلقة في ضوء عدم وضوح أو تثبيت الصفقات بين الروس والإيرانيين والأتراك، والميل حتى تاريخه إلى محاولة اعتماد الحل العسكري فيها، من قبل النظام والإيرانيين الذين يتخذون موضوع محاربة الإرهاب (هيئة تحرير الشام) ذريعةً له، ولعل الأمر الأول الذي يهم الثورة السورية، في كل هذا المخاض التركي، هو الاستفادة من مناطق (درع الفرات)، بوصفها بيئة ممكنة لتأسيس نواة مشروع سياسي وعسكري قادم، ولا سيما في ضوء عودة آلاف النازحين واللاجئين إلى مدنهم وقراهم هناك، في حين ينبغي الاستفادة ثانيًا من إمكانية تجنيب إدلب مصاير مشابهة للموصل والرقة ودير الزور، بكل الوسائل الممكنة، وربطها مع مناطق غرب حلب وشمالها لتتسع قاعدة الثورة في الشمال، ليبقى الأمل الأكبر متصلًا بضرورة تفكيك (جبهة النصرة)، وسحب ملفها من التداول الإقليمي والدولي، كما يتمنى الوسط الثوري.

4 – الدور الغربي: من المتعذر رسم مسار واحد للدور الغربي في سورية، إذ تلاقت مصالح الغرب، وما زالت تتلاقى في بعض التفاصيل، واختلفت في الوقت نفسه في تفاصيل كثيرة حسب أولويات كل دولة، وإن كان يمكن القول إن أمن (إسرائيل) من أهم هواجس الغرب، فضلًا عن الرغبة في تحجيم الانتقال السياسي والتحكم بمداه لمنع تشكيل دولة ديمقراطية حقيقية، إلى جانب هاجس إبعاد (خطر) الإسلام السياسي في حكم سورية مستقبلًا، ويضاف إلى ذلك اهتمام الغرب -إلى حد ما- بالتزاماته تجاه أمن دول الإقليم إزاء التمدد الإيراني الذي غطاه مرحليًا، مع تأكيد أخذ الغرب مسألة خلافاته مع الروس في الحسبان، وسعي الأميركيين على وجه الخصوص بأن لا يظهر الروس بمظهر المنتصر في سورية، ولذلك ما زال الغربيون يتمنعون عن تقديم التغطية الكاملة لمؤتمرات آستانا، حتى هذه اللحظة، ويصرون على مرجعية مؤتمرات جنيف، لتكون في أذهانهم -إلى جانب ذلك كله- الأطماع الاقتصادية في سورية، إنْ في مسألة النفط والغاز (وهذا الأمر يظهر في الحضور العسكري الأمريكي شرق الفرات)، أو في مسألة كعكة إعادة الإعمار التي أكد أكثر من مسؤول غربي أنها لن تتم، ولن يدفع قرش واحد، من دون عملية انتقال سياسي يفضي إلى الاستقرار الحقيقي في سورية، وينطوي ذلك أيضًا على الرغبة الأوروبية تحديدًا في إنهاء معضلة اللاجئين المسلطة على رقابهم مباشرةً، والتي لطالما استثمرها الأتراك في مماحكاتهم المختلفة مع الاتحاد الأوروبي، لتلتقي جميع هذه العوامل حول فكرة عدم إمكانية إبقاء الجرح السوري مفتوحًا إلى ما لا نهاية، وهنا لا بد أن يعي الثوار أهمية الاستفادة من هذه التقاطعات في تحصيل أكبر مكتسبات ممكنة في عملية الانتقال السياسي، وأن يستثمروا العامل الحقوقي/ الإنساني الذي بات عبئًا معنويًا على الغرب، ولا سيما بعد تراكم التقارير الأممية وتقارير منظمات حقوق الإنسان التي تدين النظام حقوقيًا، وبوجهٍ خاص في قضية استخدام السلاح الكيماوي، وصور قيصر، ومحرقة سجن صيدنايا، وهذه قضايا وسعت قاعدة الرأي العام المتعاطف مع السوريين في الغرب، ولا سيما أيضًا بعد سلسلة برامج إعلامية وتقارير صحفية عالمية، فضحت الانتهاكات الهائلة بحقهم.

5 – حول بنية النظام: لم يعد خافيًا على أحد التفكك الهائل في بنية النظام، ولا سيما في الجانب العسكري، وإن كان يحتفظ بكتلة متماسكة نوعًا ما حول دمشق، وفي بعض مناطق ما يسميه (سورية المفيدة)، لكن قوته العسكرية فائضة العنف قد اهترأت في الحقيقة، منذ أواسط عام 2012، وكاد يسقط أكثر من مرة لولا جرعات التدخل الإيراني المتتالية، ثم التدخل الروسي الكبير منذ أيلول 2015 بعد إخفاق الإيرانيين في حمايته، لتتحول قدراته الحربية إلى قدرات ميليشياوية صغيرة وتابعة لقوى الاحتلال المختلفة، ولا سيما بعد نضوب خزانه البشري إلى حد بعيد، وخروج قراره (السيادي) من يده، فضلًا عن أن تفككه لا يقف عند الجانب العسكري، فهو يعيش على أكسجين الدعم الاقتصادي أيضًا، في ظل أزمات مرعبة تعصف بالداخل السوري، ولا تستثني البيئات المؤيدة المحتقنة معيشيًا، على أن لا ننسى أن هذه المعطيات جميعها تضع مستقبله بين الترحيل الكامل أو الترحيل الجزئي على طاولات الصفقات الإقليمية والدولية، وبوجهٍ خاص بعد قرب استنفاد ورقة (داعش) ومحاربة الإرهاب، وعجزه ليس فقط عن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء؛ ولا عن إعادة سيطرته على كامل الجغرافيا السورية؛ إنما كذلك قصوره الفادح في إدارة المناطق الموجودة تحت سلطته في ضوء تعفن الهياكل الإدارية والأمنية وفسادها، وتحول النفوذ في محاور كثيرة إلى قوى ميليشياوية تعمل لصالحها الخاص، على أن نتذكر أن دلالة الغارات الإسرائيلية المتكررة على مواقعه، تشير إلى القناعة الراسخة عند الإسرائيليين بقرب زواله، وضرورة (تنظيف) سورية من أي سلاحٍ نوعي، ولا سيما الصواريخ، مخافة أن تقع في يد السلطات السورية المفترض قدومها مستقبلًا.

6 – حول بنية الثورة: شهدت إحدى أيام (الجمعة) الماضية نحو سبعين تظاهرة، في المناطق المحررة، ورفعت شعارات المرحلة السلمية الأولى من الثورة، فضلًا عن شعارات أخرى تخص بعض القضايا المستجدة، وتكاد التظاهرات لا تنقطع إلا في فترات القصف الجوي والبري العنيف على الحاضنات الشعبية، وهو الأمر الذي يؤكد على الرغم من كل النزيف البشري والضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية احتفاظ البنية الصلدة للثورة، بقدرتها على الصمود والاستمرارية والتجدد، حيث يدعم هذا الحضور المدني الثوري الزخم العملاني للمنظمات والمؤسسات الثورية المدنية المتنوعة، وما تقوم به عبر شبكة واسعة من الناشطين في المجالات كافة، وما تنطوي عليه (على الرغم من كل المساوئ التي يتصف بها السوريون في قصورهم وقلة خبرتهم، في العمل المؤسساتي الناضج، فضلًا عن المفاسد المعروفة والكثيرة في هذه المنظمات) من مبادرات حيوية متوالدة، سواء في تلك المناطق المحررة، أو في دول الجوار حيث النسبة الأكبر من اللاجئين، فضلًا عن دول العالم التي ينتشر فيها السوريون، بما يشكل خزانًا دائمًا لمد المشروع الثوري بزخم وفعل مستمر؛ ذلك أن المردود الافتراضي زمنيًا يبقى لصالح الثورة، مهما أنهكت أو شابتها المثالب، في حين لا ينمو مثل هذا المردود في البيئات المؤيدة التي باتت تتساءل عن جدوى الاستمرار في الحرب؛ إذ يختلف الطرفان في رمزية القضية ودوافع الصراع، وهي المسألة التي تميل إلى كفة ملايين المهجرين والجرحى وذوي الشهداء الذين يملكون دافعية التحدي والدفاع عن مشروع التغيير الوطني الأخلاقي المحق، ولهذا كنت أرى -على العكس من الكثيرين- أن أسلمة الثورة لم تكن نهاية المطاف لها، وأن هذه الأسلمة مثّلت مرحلة موضوعية من مراحل الانفجار الكبير الذي يُخرج كل احتقانات الماضي إلى السطح، بإيجابياتها وسلبياتها، آخذين بالحسبان فائض عنف القمع الذي حصل بعد قيام الثورة، واصطباغه بسمات فئوية ضيقة مع الأسف، وحجم ارتداداته الموضوعية التي تشظت وبعثرت المشهد الثوري مرحليًا، فالفوضى أحد أهم ملامح الثورات عبر التاريخ، وتراكبية التحول لا تغلق فجوة انفتاح الصيرورة الثورية، بقدر ما تؤكد مشروعية التجريب، وربما كان من فضائل الثورة السورية اختبارُ مجموعة من المشاريع المتضادة أو المتناقضة، وهذه قضية أوصلت معظم الحاضنة الثورية إلى قناعات وطنية ديمقراطية راسخة، ستختصر مخاضات كثيرة في مرحلة النهوض والبناء القادمة؛ أي في مرحلة الانتقال السياسي بعد خفوت صوت السلاح.

خلاصة:

ما من شك، مهما كانت الممانعة الداخلية والإقليمية والدولية هائلة ضد كفاح الثورة؛ فإن الزمن يعمل لصالحها، ولذلك يمكن الاستثمار في جملة التناقضات المختلفة بين الدول، وسلسلة الملفات الضاغطة لحل الصراع في سورية، وكي لا يكون هذا الكلام طوباويًا أو مثاليًا، بمعنى من المعاني؛ أقول: حسب ثورات الربيع العربي، وفي مقدمتها الثورة السورية، أنها أنهت (فكرة الأبد) إلى غير رجعة، فإذا كنا الآن أمام احتلالات حقيقية لسورية، فإن ذلك يعني أن الحقبة الثورية القادمة ستجترح وسائل مقاومة جديدة، وهذا يحسب للثورة (لا عليها)، بوصفها خلخلت البنى المستقرة واستغلاق التاريخ، ومن جهتي، لا أستبعد، في ظل تناقضات المصالح وجملة التجاذبات الدولية، أن يعود الحسم ليكون عسكريًا، فهو احتمال وارد موضوعيًا، وإن كان مرفوضًا في الخطاب السياسي الدولي الشائع، لكن من يضمن حركية التحولات وصراع إرادات القوى واختلاف التوازنات، ولا سيما أن النظام وإيران وحتى روسيا نسبيًا لم يتخلوا عن هذا الحل أصلًا، لهذا على الثوار أن يعوا جميع تلك الممكنات المغيبة ظاهريًا، وأن يستمروا في صمودهم وقبضهم على جمر الكفاح، فضلًا عن أن كل العملية السياسية القائمة في (جنيف) لم تقدم أي صدقية للحل حتى هذه اللحظة، ربما لأن دورها الوظيفي هو تمرير الوقت حتى حصول الصفقة الدولية النهائية، ولذلك لا بد للسوريين في جميع الأحوال أن يحضروا أنفسهم إلى مرحلة الانتقال السياسي التي تتطلب في اعتقادي -مهما طال الانتظار- عقد مؤتمر وطني جامع، وإنشاء جمعية تأسيسية، وإعادة الاعتبار العملي لفكرة (العدالة الانتقالية)، على أن لا يخدع أحدٌ بما يطفو على السطح إعلاميًا ووقائعيًا من ترويجٍ لفكرة هزيمة الثورة؛ ذلك أن مكر الثورة هو من مكر التاريخ، وكثيرًا ما تكون حقبات الكمون الثوري فرصًا عظيمةً للاستفادة من الدروس السابقة، وتجديد العمل والتحدي وإرادة التغيير، وهذا أمرٌ يتطلب بحكم الضرورة عدم الانصياع الانهزامي لفكرة خروج الملف السوري نهائيًا من يد السوريين، وهي المسألة التي تؤكدها -موضوعيًا- نسبية حركية المواجهات وبراغماتية السياسة وانفتاح فجوات الفعل الوجودي على أساليب مغايرة وجديدة، لا بدّ أن تتجاوز مع الوقت محدودية منطق إدارة الصراع، بما هو منطق عياني آني مباشر، يخلخله العلو بالمعنى الفلسفي نحو الإطار الكوني الكلي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق