أدب وفنون

المخرج المسرحي وليد قوتلي التشكيل ومسرحة الشعر

 

هل حقًا نحن نحتاج إلى المسرح؟ ما حاجتنا إلى المسرح؟

حين نتحدث عن التجربة المسرحية في سورية، تستوقفنا تجربة المخرج المسرحي وليد قوتلي ابن دمشق، تجربة تتجاوز أربعين عامًا، قدّم خلالها الكثير من الأعمال التي رسمت خصوصيتَها في التجربة المسرحية السورية، والعربية، والتي عرضها على مسارح عالمية.

تميز مسرحه بالتجريب والتجديد، والاشتغال على لغة جسد الممثل، وكان للشعر والنصوص العالمية مساحة في تجربته التي حملت بُعد الاستشراف في الرؤيا واللعب على هذه النصوص، تناول خلالها مفهوم الانتظار بشكل مغاير، فانتظار بيكيت يمضي عنده إلى “اللعب مع بيكيت”، حيث تبدأ المسرحية بانفجارات تنبئ بثورة.

من أعمال (لكع بن لكع) لإميل حبيبي، و(اللعب مع بيكيت)، و(يوميات مجنون) لغوغول، (الملك يموت) ليوجين يونسكو، (قصة حديقة الحيوان) لإدوادر البي، وغيرها من المسرحيات العالمية المعروفة (لا تعليق) و(في انتظار البرابرة) وأحدث أعماله (نحن والعالم).. إلى جانب مسرحة الشعر، وقد عمل رئيس قسم التمثيل بالمعهد العالي للمسرح بدمشق.

هل حقًا نحن نحتاج إلى المسرح؟ ما حاجتنا إلى المسرح؟ أي شيء يحدثنا به المسرح؟ وقد صار الوطنُ مسرحًا يجري عليه الدم وينطبق عليه معنى التراجيديا؟

ولأن المسرح يحدثنا في كل شيء، كونه أحد أهم الفنون المؤثرة في الذاكرة الجمعية للمجتمع الإنساني؛ فلا بد أن نتوقف بشكل سريع عند الإرهاصات والتيمات التي حملها مسرح القوتلي، في اللعب على مفردة الحرية، وافتراقه بالشكل والمضمون عن عموم التجارب السورية.

تنوع وسمات:

ما هي التيمات التي اشتغل عليها المخرج قوتلي في مسرحه؟ سؤال يضعنا أمام محطات كثيرة ومتنوعة في تجربته التي تميزت بالتجريب والتغريب معًا، وحملت سمات متعددة منها، استشراف الرؤيا، الانتظار، التشكيل، ومسرحة الشعر.

استشراف ورؤيا:

“لماذا ننتظر كلنا، هنا في الميدان؟

لأن البرابرة يصلون اليوم.

لماذا لا يحدث شيء في مجلس الشيوخ؟

كيف يجلس الشيوخ ولا يسنون القوانين؟

لأن البرابرة يأتون اليوم

فما معنى أن يسن الشيوخ القوانين الآن؟

عندما يأتي البرابرة، سوف يصنعون القوانين.

لماذا صحا الإمبراطور مبكرًا اليوم؟”

مقطع من مسرحية (في انتظار البرابرة) عرض قدمه القوتلي، حمل رؤيا وربما نبوءة بثورات الربيع العربي، وهي مسرحية شعرية مأخوذة من قصيدة للشاعر اليوناني “كفاكي”، تحكي عن قيصر ينتظر غزاة برابرة لتخليصه من شعبه، في هذا العرض قدم القوتلي القيصر في صورة كاريكاتورية ساخرة، وهو ينتظر البرابرة، وفي المشهد أعضاء مجلس النواب على شكل دمى معلقة، مهرج، وعرافة، راقصون وراقصات، الانتظار هو المفردة المشتركة بين كل هؤلاء، قدمت المسرحية في بيت دمشقي، وظف فيه المخرج مساحات مكانية مختلفة للعرض.

تعتمد قصيدة “كفافي” في تكوينها على ثلاث قيم: الانتظار والأمل والخلاص، انتظار الخلاص من الخارج، الخلاص من خارج النفس المملوءة بالملوك والجنود والجلادين والفقر والبؤس ورجال الدين والأيديولوجية والأمراض.

هذا العمل يؤكد السمة الشعرية التي اشتغل عليها قوتلي في إشارة إلى الانتظار وتعرية الاستبداد، والتي تأخذنا فيما بعد، في أثناء الثورة، إلى مسرحة الشعر، من خلال تجربته مع الشاعر نوري الجراح في قصيدة (الأيام السبعة للوقت)، ولا نستغرب العودة إلى الشعر، كون المسرح تطور ونشأ من الشعر، فالمسرح الأغريقي كان شعرًا، الشعر ومض وعناقيد من الصور، تكثيف جمالي عالي للحالة، المسرح شعر على الخشبة، المتفرج يملأ فراغات فيها.

المسرح الشعري:

أبدأ بمقطع من قصيدة الشاعر نوري الجراح (الأيام السبعة للوقت)، والتي مسرحها المخرج:

“دَمُ من هذا الذي يجري في قصيدتك أيها الشاعر؟

من بقيَ هنا،

لينزُفَ

من بقيَ هنا

ليقرأَ ما كَتَبَ الأفق في الصحائِفِ

وما تَرَكَ شاعرٌ في القصيدة”.

الشعر في المسرحية نوع من كولاج، أو مقاربات بين الإحساس بالقصيدة، واللعب على تفجرها في فنّها، وبنيتها الصوتية، الكلمة والنظام الصوتي.

لجأ قوتلي إلى النصوص الشعرية، تلك التي تقول كلمتها كونها حافلة بالاستعارات، فالنصوص التي تستفزه وتحرضه على إيجاد المعادل البصري الموضوعي، وللإجابة عن التساؤلات المرتهنة بواقع القصيدة وواقع الحياة، (الأيام السبعة من الوقت) تصور ما يجري في سورية، قدمتها الصبية تيامة الكاملي، حيث حوّلت مشاهد كثيرة فيها إلى لوحات فنية، وهي تيمة أخرى في  مسرح القوتلي الذي لا تنفصل فيه الموسيقى عن حركات الممثل اللغة التعبيرية الأسمى للجسد، من خلال علاقة الممثل بالديكور، بالسينوغرافيا، فيستحيل العرض إلى لوحة إبداعية متكاملة تؤثر فينا بمجموعها.

لوحات فنية:

يبدو واضحًا في أعمال القوتلي اشتغالُه على التشكيل الجسدي في إيصال الفكرة، وعلى تقطيع النص إلى وحدات لبناء الصورة والمشهدية، من خلال جسد الممثل الذي يحمل رسالة العرض للمتلقي، وعلاقته ببقية مجاميع الأجساد داخل الفضاء المسرحي.

يمكن رصد العلاقة بين التشكيل والمسرح، من خلال الكثير من الدلالات المباشرة وغير المباشرة، وهي بمجملها تشكل تعبيرًا عن الحس الفني والقضايا الإنسانية والفكرية، ومن خلال ملامح بصرية وحركية ومفردات الكتلة والفراغ والظل والنور.

مسرح قوتلي يشكل -في معظم عروضه- نقطة التقاء بين المسرح والتشكيل، حيث تتداخل العلاقة مع الفنون الحديثة، كما رأينا في مسرحية (بلا تعليق)، وفي (انتظار البرابرة)، و(نحن والعالم)، و(الأيام السبعة)، فتتحوّل المنصة إلى تشكيلات لونية بالجسد، تصب بما قاله فرانسو داجونييه، “يمكن اعتبار الصورة خطيرة ليس لأنها محيّرة، ولكن لكونها تنفلت منّا وتُضاعفنا، دون أن ننسى أنها تعرينا”.

الجسد وطن:

من هنا، فإن العلاقة بين التشكيل والمسرح تبدأ من الجسد، كونه وسيلة للتعبير عن التجارب المتراكمة، فالتعبير الجسدي هو لغة مثل بقية اللغات التعبيرية، فنحن نتبادل الخبرة ونتعاطف سويًا، ونتصل بالآخر عن طريق أجسادنا، أي من خلال حضور هذا الجسد في العالم كوجود، وفي المجتمع كمعنى، التراكمات هذه تعكس حالة ثقافية، هذه الحالة تشكل الخيط الناظم في مسرح القوتلي.

بدون تعليق:

الفن حرّ أما الحياة فهي مشلولة

إن الزمن الحاضر لا بد أن يكون له علاقة مباشرة بتكسير الجسد، من خلال تحطيم اللغة، وبمعنى آخر، إن الجسد هو اللغة، ولهذا السبب، كسر الجسد هو صفعة عنيفة للفكر السائد، لجأ القوتلي في (بلا تعليق)، إلى لغة الجسد وحدها، وقد جسدتها الراحلة فدوى سليمان مع مجموعة ممثلين، من خلال لوحات متعددة عكست وجع الناس واغترابهم، في إشارة إلى حالة الانتظار والوجع واليأس من كل ما هو موجود في المجتمع.

وحسب قوتلي، “فإن النص الأدبي يقيد المسرح أحيانا، لأننا إذا تقيدنا بنص جامد، لا إبداع فيه ولا ديناميكية، نحد من انطلاق المخيلة”، من هنا يعتمد على شروط أخرى مهمة للعرض المسرحي، مثل الحركة، التعبير الجسدي، الإضاءة، والموسيقى والمؤثرات الصوتية، كل هذا يشكل لوحات تقارب الفن التشكيلي.

وكما نلاحظ، ليست هناك لغة جسدية واحدة في الحياة، بل هناك عدة لغات متشابكة ومتداخلة مثل الصرخة والضحكة والهتاف والهمس والصمت، وإيماءات أخرى مثل الرفس والضرب والمشي والركض وطريقة تسريحة الشعر، ولون ونوع الملابس، وغيرها من العناصر التعبيرية الجسدية التي نشاهدها في الحياة اليومية، فكل جسد يريد أن يوصل رسالة ما إلى الآخر، ويؤكد وجوده بالقوة، كل هذا وظِف في أعمال قوتلي المتعددة، وكأنه يرى الوطن جسدًا منتهكًا محاصرًا مجنونًا.

المسرح كما التشكيل لا يحاكي مظاهر الأشياء لذاتها، بل يبحث عن الجوانية الخاصة للتعبير عن الحالة الإنسانية، والفارق بين المسرح والتشكيل في اختلاف أدوات التعبير، أما السينوغرافيا فما هي إلا تشكيل للصورة المسرحية، من هنا فإن العالم البصري في المسرح هو عالم أوسع مما هو في اللوحة.

الانتظار واللامعقول:

اللامعقول تيمة من تيمات مسرح قوتلي التي اشتغل عليها في اقترانه مع الانتظار، منطلقًا من أن الواقع “لا معقول”، يقول: ما قدمته من اللامعقول هو الواقع، ففي مسرحية (اللعب مع بيكيت) يقول ممثل للآخر ماذا يحدث؟ بعد أن يسمع انفجارًا يهز الأرض، يرد عليه، ليس عندنا، إلى جانب مشهد آخر يدفن فيه أحد الممثلين الأعلام العربية، مشيرًا إلى شرق أوسط جديد، يلتقي في العمل مع بريخت، لأنه يقدم الحدث بشكل مغاير للواقع المألوف لهذا يصبح المتفرج مشارك، فيما تحمل المسرحية استشراف لما حدث لاحقًا.

نحن والعالم:

(نحن والعالم)، عرض مسرحي صامت، يتناول قصصًا لشخصيات سوريّة، تعكس صمت العالم أمام موت الإنسان، وتتألف المسرحية من 12 مشهدًا صامتًا معتمدة التعبير الجسدي وحده، إلى جانب موسيقى مغرقة بوجع الشرق.

استطاع قوتلي الاقتراب من شباب موهوبين، قاموا بتمثيل الوجع من خلال عدد من اللوحات، التي عكست مواقف العالم بمنظماته ومسؤوليه من قضيتنا كسوريين، وقد قدم العرض في أكثر من مدينة تركية.

المميز في أعمال قوتلي الموسيقى التصويرية الموظفة في العرض، والتي تتناغم مع حركة الجسد، من خلال إضاءة مدروسة، تشكل بمجموعها مشهدية تخدم النص، ولو كان لغته الصمت التي تعدّ لغة الضحية لغتنا.

 

[av_gallery ids=’105010,105011,105012,105013,105014,105015,105016,105017′ style=’thumbnails’ preview_size=’portfolio’ crop_big_preview_thumbnail=’avia-gallery-big-crop-thumb’ thumb_size=’portfolio’ columns=’5′ imagelink=’lightbox’ lazyload=’avia_lazyload’ custom_class=”]

مقالات ذات صلة

إغلاق