مقالات الرأي

هل يكفي الغضب العربي لنصرة القدس؟

 

لا شك أنّ قرار الرئيس ترامب بنقل السفارة الأميركية إلى القدس لم يكن ممكنًا؛ لولا التخاذل الرسمي العربي، إذ إنّ النظام العربي لم يدرك أنّ الشعب الفلسطيني، كما كان دائمًا، يقف في خط الدفاع الأول عن الأمة في مواجهة الأطماع الصهيونية للتوسع والهيمنة على المنطقة. كما لم يدرك أنّ عجزه يجعل خيار السلام الذي أعلنه منذ مؤتمر مدريد في العام 1991، وأعاد تأكيده حين تبنّى المبادرة العربية في قمة بيروت عام 2002، في مهب الرياح العاتية.

لقد فتح القرار الأميركي باب الأسئلة المكبوتة لدى الشعوب العربية منذ عدة عقود، ودفع الجماهير إلى التظاهر والمطالبة بدعم الحق الفلسطيني في القدس عاصمة لدولة فلسطين المستقلة. وجاءت التظاهرات الشعبية العربية لتضع حدًّا للتخاذل الرسمي العربي، ولتنبِّه المجتمع الدولي إلى ما يمكن أن يؤدي إليه هذا القرار من مخاطر جسيمة، على مجمل المصالح الاستراتيجية للغرب.

إنّ تحفُّز الشعوب العربية هو الظاهرة السياسية الأكثر أهمية، ولكنّ نجاحه مرهون بمدى قدرته على بلورة برنامج نهوض شامل، يستند إلى وعي سياسي ديمقراطي -مواطني- متنوّر مستشرف لآفاق الصراع العربي الإسرائيلي، ومآلات الإصلاح العربي الشامل، باعتبار ذلك كله صراعًا حضاريًا شاملًا يتطلب التجدد الحضاري للأمة، لتتمكن من التعاطي المجدي مع التحديات التي يفرضها العالم المعاصر؛ إذ إنّ الغضب لا يكفي لتحقيق الأهداف القومية، وفي مقدمتها قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، بل لا بدَّ من إجراء تحولات جوهرية في المسيرة العربية كلها، تتجه نحو معرفة الواقع ووضع الخطط العملية الممكنة لتغييره.

إنّ التفجُّع والعويل والسخط العربي المكتوم، وحتى الغضب والهياج، كلها قد تغطي على مسؤولية الفاعلين الحقيقيين للعجز العربي. الأمر يتطلب الجرأة والحديث الصريح عن الظروف التي أدت إلى ما نحن عليه من عجز وضعف وتفرّق، وبالتالي الحديث عن الطريق الذي يمكن أن يخرج الأمة من مأزقها الراهن، في فلسطين وسورية واليمن ولبنان والعراق ومنطقة الخليج. ومن المؤكد أنّ الأسباب تكمن فينا، داخل ذواتنا وحياتنا الداخلية، في البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية لأقطارنا العربية.

إنّ الثبات على المبادئ والمصالح والقيم الأساسية للأمة لا يتحقق بالخطابات والانفعالات والعواطف، وإنما بالفعل العقلاني الذي يحتاج إلى مؤسسات وقوانين تنظّمه، وإلى معرفة طبيعة التفاعل الدولي الراهن، وما يفرضه ذلك من ضرورة إقلاع النخب الفكرية والسياسية عن “منح” الشعب شعارات متطرفة، تتوافق مع هواه. فليس مقبولًا تطرّف النخب، بل الأجدى هو محاولتها تأسيس شعبيتها وشرعيتها على العقلانية التي تسمح بتحديد أولويات نضال الأمة، وتكشف ما هو قابل للتحقيق وما هو مستحيل أو صعب التحقق.  

لقد حان الوقت لكي نفكر في المستقبل، بطريقة تختلف عن الماضي وتتقدم على الحاضر، فما كان ممكنًا من قبل لم يعد مقبولًا اليوم، والأمم العاقلة والشعوب الواعية هي التي تراجع سياساتها، وتعيد ترتيب أولوياتها، وتجدد نمط تفكيرها، ولا تظل عاجزة مكتوفة الأيدي. والمسؤولية الحقيقية هي مسؤولية جماعية للحكومات والشعوب والنخب الفكرية والسياسية، فإذا لم تتوفر الإرادة أولًا، ثم الرؤية الواضحة والأطر والوسائل الضرورية لوضعها موضع التنفيذ ثانيًا، والحكمة وحسن التدبير ثالثًا، فإنّ الكل سيدفع الثمن، وسيكون باهظًا جدًّا.

من المؤكد أنّ العامل المفتاحي هو الوضع العربي ذاته، فمن البؤس توجيه اللوم إلى العوامل الخارجية، في ما أصابنا من ضعف وعجز ومهانة، بحيث نبدو عاجزين عن أي شيء غير الإدلاء بتصريحات الاستنكار التي لا أمل في أن تؤدي إلى أي تغيير في الوضع المأزقي الحالي. وإزاء ذلك، يتوجب على صنّاع القرار العرب وممثلي الحركة الشعبية العربية ومرجعياتها إعادة صياغة الإرادة العربية المشتركة لوقف التدهور العربي، وإعادة بناء الموقف العربي الموحَّد، للتعاطي المجدي مع التحديات المطروحة في فلسطين وغيرها من الأقطار العربية، وقضايا الشراكات الإقليمية والتنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

من أجل ذلك يبدو أنّ قوة العامل الذاتي العربي ضرورية جدًّا، مما يتطلب بناء سياسات جديدة قد تفتح الطريق لفهم أسباب قصورنا وتأخرنا من دون تعمية وتحايل، وتفتح الطريق لتلافي هذا القصور، بخاصة عندما يكفُّ العامل الخارجي عن كونه شيطانًا رجيمًا.

وكي يعطي هذا الحدُّ الأدنى نتائجه لا بدَّ من إعادة هيكلة العمل السياسي في العديد من الأقطار العربية، في اتجاه ضمان حقوق الإنسان العربي وتكريس السلطة كعقد اجتماعي متوافق عليه، بين مواطنين أحرار متساوين في الحقوق والواجبات، حينذاك يكفُّ الإنسان العربي عن أن يكون مجرد رقم في الساحة السياسية وفي المجتمع، ليصير إنسانًا كامل الحقوق في مجتمع المواطنين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق