برجوازية الحركة التصحيحية واستحالة إسقاط النظام بطريقة الصدمة

 

تكمن الخصوصية السورية في كون النظام الذي تربّع على كرسي السلطة -الأب ثم الابن- لمدة نصف قرن من الزمن، امتلك فائضًا من القوة، تأتى من امتلاكه، إضافة إلى قاعدته الطبقية السياسية، قاعدة اجتماعية على شكل عصبية طائفية، مضافًا إلى ذلك القوة التي جاءته من حلفائه في المنطقة، كونه جزءًا وشريكًا في مشروع وحلف إقليمي مذهبي طائفي، يمتد من جنوب لبنان حيث (حزب الله)، وصولًا إلى طهران الخمينية بقيادة الملالي، مرورًا بالعراق وسيطرة الإسلام السياسي الشيعي على مقدرات الدولة العراقية، يُضاف إلى ذلك كله القوة التي أتته من حليفين دوليين، هما روسيا والصين العضوين الدائمين في مجلس الأمن الدولي، ولهما حق النقض (الفيتو).

إن نظامًا يمتلك كل هذه القوة والجبروت لم يكن هناك من طريقة لإسقاطه، ولو بالحد الأدنى إسقاط رأسه الذي تتمحور حوله كل العصبيات الداخلية والرهانات الموالية الإقليمية والدولية، إلا بطريقة الصدمة، أي إسقاطه خلال أيام وأسابيع معدودة، كما حصل في تونس ومصر. فهذه الطريقة كانت الوحيدة التي تحرم النظام من إمكانية استنهاض واستجرار كامل قوته الداخلية التي كانت تعيش حالة رعب وخوف، يصل إلى حدود الانهيار نتيجة الصدمة التي أحدثها الربيع العربي، في أيامه وأسابيعه وحتى أشهره الأولى، كما استجرار واستقدام القوى الإقليمية الحليفة له -إن كان على شكل ميليشيات مقاتلة إلى جانبه أو على شكل دول وجيوش تُقاتل إلى جانبه- والتي لم تكن متيقّنة بالكامل من إمكانية صموده حتى لساعات معدودة، حيث إن ذلك الاستجرار كان يحتاج إلى عامل الوقت، فالوقت كان ضروريًا حتى لاستجرار تدخّل فاعل من حلفائه الدوليين (روسيا والصين)، كما أن هذا الوقت هو ذاته الذي أفسح المجال من جهة ثانية لتدخل فاعل للقوى الدولية -التي ادعت كذبًا مناصرة الثورة- في أحشاء الثورة والمجتمع السوري، وضد أهداف الثورة وانتصارها، ولأن سقوط النظام بطريقة الصدمة كان يستلزم دخول البرجوازية السورية، في حلب ودمشق مع قاعدتهما الاجتماعية، على خط دعم ومساندة الثورة، إن كان بطريقة الانخراط المباشر والسريع في الانتفاضة السورية، كما حصل في مدن حمص وحماة ودير الزور ودرعا وأريافها، وكما حصل في ريف دمشق وحلب والقامشلي والحسكة وفي الكثير من المدن والبلدات السورية، أو من خلال المشاركة، ولو بالحد الأدنى، في الاستجابة لكل دعوات العصيان المدني السلمي ضد النظام، إن كان من خلال الإضراب العام، أو من خلال الامتناع عن مد النظام بكل وسائل القوة الاقتصادية اللازمة لتمويل قمع الانتفاضة. ولأن هذا الدخول كان من المستحيل أن يتم، سواء أكان بسبب الجبن المتأصل في بنية وثقافة هذه الطبقة المالكة للثروة، ولا سيما أن النظام رفع من اليوم الأول للانتفاضة السورية سقف الضريبة بنار البربرية والهمجية، أم نتيجة بنية وطبيعة البرجوازية السورية التي أصبحت ما بعد 1970 جزءًا شبه عضوي، من الطبقة العليا للدولة الاستبدادية الحاكمة التي يصح أن نسميها “برجوازية الحركة التصحيحية”، لتمييزها عن البرجوازية السورية التقليدية التي نشأت في سياق التحرر الوطني، وقادت المجتمع السوري بعد الاستقلال، وبنت أول دولة وطنية في التاريخ الحديث، فبعد أن كانت قد تمت عملية تحطيم رأس البرجوازية السورية التقليدية وعمودها الفقري الأساسي، بالمعنى الاقتصادي والسياسي والثقافي، من خلال إجراءات التأميم عبر أكثر من محطة، بدءًا من مرحلة الوحدة مع مصر، مرورًا بصعود حزب البعث إلى السلطة، وصولًا إلى وثبة ما سمي بـ “يسار البعث” إلى أعلى هرم السلطة في سورية والتي انتهت بانقلاب حافظ الأسد، وحيث إن النظام بدءًا من عام 1970 استند إلى أكثر الشرائح انحطاطًا من البرجوازية التقليدية التي بقيت في السوق، وهي الشرائح التي قالت يومًا “طلبنا من الله المدد، فأرسل لنا حافظ الأسد”.

على مدار نصف قرن من زمن حكم الأب والابن، قام النظام بإعادة إنتاج الطبقات الاجتماعية السورية، بما في ذلك الطبقة المالكة للثروة، فتم إنتاج سلالة طبقية جديدة مالكة للثروة والسلطة مكونة من حثالة كل وجود طبقي وسياسي واجتماعي وعائلي وديني وطائفي داخل المجتمع السوري، هذه الطبقة التي يمكن أن نقول عنها إنها ولدت نتاج زنى طبقي، أقيم على سرير الولاء للسلطة، وسرير الفساد الذي أنتجته وعممته السلطة، وهو الأمر الذي أنجب وأنتج في حظيرة الاستبداد الثالوث المدنس المكون من تحالف كبار رجال السلطة والمال والدين، وهو الثالوث الذي شكل الطبقة العليا للدولة الاستبدادية الأسدية، إن كان من خلال الانتماء العضوي لهذه الطبقة – الدولة، أو من خلال الارتباط شبه العضوي بهذه الطبقة، أو لنقل من خلال الانتماء إلى النواة الطبقية الطائفية العائلية لهذه الطبقة، أو من خلال التحلق والتملق والارتباط بهذه النواة بألف طريقة ووسيلة، إن كانت سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو حتى ارتزاقية بحتة.

نتيجة هذه البنية والطبيعة الجديدة للبرجوازية السورية، فقد كانت هناك استحالة، عندما انطلقت الثورة السورية، في فك الارتباط بين النظام وهذه الطبقة، وهو الأمر الذي فوّت فرصة إسقاط النظام السوري بطريقة الصدمة، على الطريقة التونسية والمصرية، فهنا علينا أن نتذكر بأنه إذا كان صحيحًا أن القاعدة الاجتماعية للنظام التي دخلت المعركة من أول يوم إلى جانب النظام، فإنها دخلتها وهي مرعوبة وتحت صدمة موجة الربيع العربي التي أسقطت رياحه، في غضون الشهر الأول على انطلاقته، كلًّا من نظام زين العابدين بن علي في تونس، ونظام حسني مبارك في مصر، وفي الشهر الثاني بدأ اهتزاز عرش كل من النظام اليمني والليبي والبحريني، قبل أن تصل رياح التغيير، وتهز عرش النظام الأسدي في منتصف آذار/ مارس 1011 إلا أن مشاهدتها لتردد دخول حلب ودمشق لمعركة الثورة كان يحيي أملًا، عند هذه القاعدة بالصمود أولًا، ثم بعد ذلك أصبح يحيي أملًا بكسب المعركة والنصر، كما علينا أن نتذكر أن الروس والصينيين والإيرانيين ظلوا لأكثر من ستة أشهر يدعمون النظام بالسر -وفي العلن كانوا يغطون ويخفون هذا الدعم، من خلال مطالبتهم الخجولة للنظام بالقيام ببعض الإصلاحات المطلوبة وتحت سقف النظام- ويراقبون سلوك هذه البرجوازية السورية الدمشقية والحلبية، يومًا بيوم، حتى تأكدوا أنها ستخون ثورة السوريين، فعندئذ دخلوا الميدان بشكل مكشوف وقوي، بعد أن وفرت خيانة البرجوازية للثورة حدًا مقبولًا لتوازن النظام، فالذي منع سقوط النظام بطريقة الصدمة، كما حدث في تونس ومصر (أي خلال أيام معدودة) ليس امتلاك النظام لفائض من القوة التي جاءت، إن كان من خلال مؤسسته العسكرية الأمنية أو من خلال دعم قاعدته وعصبيته الطائفية، بل يجب أن نضيف بأنه كان نتيجة الدعم الذي جاء من قاعدته الطبقية، ونقصد هنا خيانة البرجوازية الدمشقية والحلبية مع قاعدتها الاجتماعية، للثورة السورية.

نقول خيانة البرجوازية، ولا سيما الصف الثاني والثالث من هذه الطبقة، كونهما الصفين الأقل ارتباطًا بالطبقة العليا للدولة الاستبدادية والأبعد عن نواتها الأساسية، لكون الثورة السورية جاءت لتحرير كل طبقات المجتمع من عبوديتها، أي جاءت لتنقل المجتمع من حالة مجتمع الرعايا إلى حالة مجتمع المواطنة المتساوية، بما في ذلك نقل الطبقة السائدة المالكة للثروة، من حالة الطبقة الرعاعية المجردة من حقوقها السياسية، إلى حالة الطبقة السائدة الحقيقية التي تمتلك حقها في تقرير مصيرها الاقتصادي والسياسي، فانتصار الثورة الديمقراطية السورية يعني نقل عموم الطبقة المالكة للثروة من طبقة سائدة بالقوة إلى طبقة سائدة بالفعل، بعد تخليصها من أنياب ومخالب الحكم المستبد الذي يجردها، كما كل طبقات المجتمع، من أي حق لها في تقرير مصيرها.