مقالات الرأي

حول السيادة وشجونها

 

الطريقة التي يُعامَل بها الدكتاتور السوري، بشار الأسد، من قِبل الدكتاتور الروسي فلاديمير بوتين، والتي كان آخر فصولها “المشهد المهين” في قاعدة حميمم الروسية، تطرح أسئلة كثيرة، كما تسلط الضوء على قضايا متعددة، باتت تطل علينا من بين جديد كثير يطل هذه الأيام، سواء من جهة تهتك السيادات الوطنية، أو علاقة القوى الكبرى بالصغرى، أو الوجهة التي يتجه إليها عالم اليوم، في ظل تضعضع النظام الدولي والإقليمي على السواء.

المفارقة الكبرى هنا، أن النظام السوري كان دائمًا يدافع عن سياساته الإجرامية والسياسية في آن، باعتبارها دفاعًا عن السيادة وضد التدخل الخارجي، وهو ما يكرره النظام السوري حتى اليوم، لنغدو أمام نظام خارج الواقع والجغرافيا؛ إذ يمضي الواقع في إذلاله إلى أمكنة أبعد مما تقول كلماته التي تصبح دليلًا على فقدانه كل شيء، بما في ذلك الحد الأدنى من الكرامة، ما يشير أيضًا إلى أن مفردة “السيادة”، في قاموس النظام السوري، ليست أكثر من لغو يضاف إلى مفردات كثيرة في هذا السياق، قد تكون “الممانعة” أكثرها شيوعًا، وذلك في الوقت الذي لا تتوقف فيه “إسرائيل” عن قصف أي مكان في سورية، ترى أنه يشكل خطرًا على أمنها، ناهيك عن التنسيق الروسي الإسرائيلي الذي يتم من قاعدة حميميم الروسية.

غير أن الحادثة هذه تدلنا، على أن النظام السوري -عمليًا- يُسقى اليوم من الكأس التي كان يسقيها الآخرين، إذ سبق له أن امتهن اللعبة ذاتها في لبنان، حين كان يستقبل ساسة لبنان باعتباره مندوبًا ساميًا، ولعل جلسة رأس النظام الأخيرة مع الراحل رفيق الحريري، وما تسرّب عنها تؤكد ذلك، لتقول لنا المقارنة أيضًا إن بوتين يلعب اليوم في سورية الدور نفسه الذي كان يلعبه الأسد في لبنان: العنجهية ذاتها والغطرسة ذاتها؛ الأمر الذي يجعلنا نسأل: ما سر هذا التشابه؟ هل هو تشابه الدكتاتورين أو تشابه الأنظمة؟

للإجابة عما سبق، يمكن طرح سؤال آخر: هل يمكن أن نرى تصرفًا كهذا من دولة ديمقراطية، تجاه دولة أخرى، حتى لو كانت تابعة لها عمليًا أو ضعيفة؟

يصعب وجود ممارسات كهذي في الدول الديمقراطية العريقة، حتى لدى تلك التي ما تزال تحمل إرثًا استعماريًا ما، وما تزال علاقاتها مع مستعمراتها السابقة علاقةً أقرب إلى الفوقية والتبعية، إذ ثمة بروتوكولات يتم احترامها، ولو على مستوى الشكل فحسب، ما يعني -عمليًا- أن انتهاك السيادة وتعمد الإذلال، يغدو صفة ملتصقة بالأنظمة التوتاليتارية، فهي لا تنظر إلى شعبها إلا كعبيد، ولا تنظر إلى ما هو خارجها إلا كمساحة للهيمنة، وكأوراق تساعدها في تثبيت النظام في الداخل، لا أكثر ولا أقل.

من جهة أخرى، إن انتهاك السيادة وعدم احترام قواعد الدبلوماسية، لم يعد حكرًا على النظام الروسي أو الإيراني، إذ شهدنا مؤخرًا في الإقليم والعالم سلسلة من الأحداث التي يمكن قراءتها في هذا السياق: إجبار الحريري على تقديم استقالته من لبنان، ثم العودة عنها بسبب تدخل فرنسا وبعد العودة إلى لبنان.. احتجاز أمراء وملوك في السعودية وابتزازهم بطريقة لا يمكن وصفها، حين تقوم بها دولة بمثل تلك الفجاجة.. تحكم إيران في سورية ولبنان واليمن بطريقة فجة.. تعامل الرئيس الأميركي مع العالم، وكأنه دول موز، معطيًا نفسه الحق بفعل ما يريد، وما قرار نقل السفارة إلى القدس (ضد رغبة كل العالم تقريبًا)، إلا دليلٌ على ذلك، دون أن ننسى حجم التدخلات العسكرية التي جرت للسيادة الوطنية مؤخرًا، ابتداءً من احتلال روسيا لأراضي أوكرانيا، وليس انتهاء بالتحالفات العسكرية التي تشكلت تحت ذريعة الحرب على الإرهاب، إلى التدخل التركي في الشمال السوري.

إن تأمل ما سبق يوضح لنا أن السيادة الوطنية للدول تنتهك مرتين: الأولى على الصعيد الدبلوماسي، حين يعامل رؤساء دول وحكومات، بطريقة مهينة ومذلة (الأسد والحريري ومسؤولون سعوديون). والثانية على الصعيد العسكري، حين تنتهك حدود الدول دون أخذ أي اعتبار لرأي الدولة أو ممثليها الرسميين. وهذا أيضًا يتوازى مع بروز نوع من تهتك الدولة أو تراجع أدوارها كثيرًا في العالم، إذ يمكن القول إن الدولة -بما فيها من حدود وكيان سياسي وعلم وشعب- تتعرض للكثير من التآكل اليوم، بدءًا من طبيعة العولمة التي فتحت الحدود التواصلية بين البشر، إلى الشركات التي بات علَمها في بعض الأحيان أهم من علم الدولة، إذ لوحظ مؤخرًا بروز ظاهرة الانتماء إلى الشركة والولاء لها، باعتباره أحد الولاءات التي تتشكل في عالم اليوم، فالعاملون في (فيسبوك) مثلًا يجمعهم انتماء ما، ناهيك عن التحولات التي تجريها مواقع التواصل، في وعي الناس وطبيعة انتماءاتهم، وهذا أيضًا يتوازى مع تعرّض التكتلات الكبرى، التي كان يعتقد أنها ستكون مستقبل العالم، لخطر الانهيار، فمجلس التعاون الخليجي اليوم يقف على كف عفريت، والجامعة العربية معطلة، فيما يقف الاتحاد الأوروبي في منطقة حرجة، بعد انسحاب بريطانيا.

تهتّك الدولة هنا يوازيه صعود البعد الإمبراطوري للدول، وهذا ما قد يشكل اليوم الوعاء الذي يتم فيه كل ما سبق، إذ يجد بوتين أن من حقه التعامل بتلك الطريقة، حفاظًا على مكانة ودور روسيا العالمي الذي يسعى لاستعادته، فيما تفعل إيران وتركيا الشيء نفسه، وأيضًا السعودية التي تسعى لاستعادة مكانتها في حين أنها لا تفعل إلا أن تنتقل من هزيمة إلى أخرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق