مقالات الرأي

فلسطيني.. سوري واحد. الحرية لا تتجزّأ

 

شهدت صفحات التواصل الاجتماعي، في الأيام القليلة الماضية، على خلفية الموقف الأميركي، المدان والمرفوض، القاضي باعتبار القدس عاصمة موحدة لـ “إسرائيل”، ونقل السفارة الأميركية إليها، ظاهرةً ملفتةً، غريبة ومحزنة وموجعة، في نقاشات بعض الفلسطينيين وبعض السوريين، الذين يُفترض أن شعبَيهما يعانيان، منذ عقود، من أبشع استعمار واغتصاب للحقوق، وحرمان من المواطنة والتطور الطبيعي، سواء تمثل بسلطة نظام استبدادي، أو تمثل بسلطة نظام استعماري استيطاني وعنصري.

هكذا، بدا أن ثمة بعض السوريين يتبرّمون من التعاطف الذي استحوذت عليه قضية الفلسطينيين، على خلفية الدفاع عن حقهم في القدس، فعند هؤلاء، أن ما حصل قد يأخذ من رصيد التعاطف مع قضيتهم، أو قد يغطي عليها، بل ثمة منهم من رأى أن هذه القضية لا تستحق ذلك، بالمقارنة، أو بالقياس على المأساة التي كابد أهوالها السوريون، طوال السنوات الماضية. الأنكى من ذلك، أيضًا، أن البعض برّر هذا الموقف، بوقوف بعض الفصائل الفلسطينية مع النظام السوري، كأن ذلك يبيح نزع الشرعية والعدالة من قضيتهم، إلى درجة تحميل الفلسطينيين، وهم ضحايا، مسؤولية الادعاءات التي روّج لها النظام لتبرير تسلطه عليهم، ومصادرته حقوقهم وهيمنته على مواردهم.

في مقابل ذلك، جاء الرد من بعض الفلسطينيين، من النمط ذاته، فهؤلاء اعتبروا أن لا قضية تعلو فوق قضيتهم، وأن قضيتهم هي القضية المركزية للأمة العربية و(الإسلامية)، بالرغم من تبيّن خواء هذه المقولة، بالتجربة التاريخية، وتبين مدى المخاتلة والتلاعب والاستغلال المتضمن فيها من قبل الأنظمة الاستبدادية. وفي غضون ذلك، تضمن هذا النقاش رفض المقارنة، بين وحشية “إسرائيل” ووحشية النظام، باعتبار أن ثمة فرقًا بين القضيتين، إذ إن الصراع بين الفلسطينيين و”إسرائيل” هو على حق الوجود، بينما الصراع السوري هو بين النظام والمعارضة، كأن هذه المقارنة لا ترى الأهوال غير المسبوقة التي عانى منها السوريون، وضمنها تشريد نحو عشرة ملايين من البشر، ومصرع نحو مليون من السوريين.

للتذكير، إن مثل هذا النمط المضرّ من النقاشات حدث في شبكات التواصل الاجتماعي، إبّان الاستفتاء على حق تقرير المصير للكرد في كردستان العراق، بين بعض الكرد من جهة، وبعض السوريين و(الفلسطينيين) من جهة أخرى. في ذلك، استنكر بعض الكرد تأييد حق تقرير المصير للفلسطينيين، في حين يجري التنكر لهذا الحق للكرد في العراق، بل تباهى بعض الكرد بـ “إسرائيل”، باعتبارها واحة للديمقراطية في المنطقة، متناسيًا أنها دولة استعمارية واستيطانية وعنصرية ودينية، قامت بالقوة على حساب الشعب الفلسطيني. في المقابل، اتهم بعض السوريين (وبعض الفلسطينيين) الكردَ بالتعامل مع “إسرائيل”، في تعميم سطحي ومتسرع وخاطئ، بل إن البعض اعتبر الأكراد “دخلاء” على المنطقة، وكأنهم هبطوا فجأة بالبراشوت فيها، وطبعًا كل ذلك يجري في إطار التنكر لحقوق الكرد المبدئية، كمواطنين أو كجماعة قومية.

ثمة عدة مسائل، يفترض قولها هنا: أولها أن الضحايا يتعاطفون مع الضحايا، إذ إن قضايا الحرية والكرامة والعدالة لا تتجزأ، وهذا يصحّ على السوريين، كما يصحّ على الفلسطينيين، أما شماتة طرف بطرف آخر -لأي سبب، وتحت أي مبرّر- فإنها تعني وقوف الضحية مع المجرم (بغض النظر عن الاسم)، ما يضرّ بقضية الضحية، مهما كانت، ويقوّض صدقيتها، ولا يخدم إعلاء قيم الحرية والكرامة والمساواة والعدالة، كقيم إنسانية عليا. الثانية أن مثل هذا النقاش لا يفيد شيئًا ولا يجدي، أي أنه مجرد نقاش عبثي آخر، لا معنى له، إذ لا يمكن لقضية أن تحل محل أخرى، ولا لجريمة أن تغطي على جريمة أخرى، ولا لمجرم أو ظالم أن يغطي على مجرم أو ظالم آخر، فلكل حسابه. والمعنى أن الانتصار لقضية الفلسطينيين، العادلة والمشروعة، هو انتصار لقضية السوريين العادلة والمشروعة، وبالعكس. كذلك فإن جرائم النظام السوري لا تغطّي على جرائم “إسرائيل” التي ارتكبتها بحق الفلسطينيين منذ قيامها، قبل سبعة عقود، على حساب أرضهم وحقوقهم، ووحدتهم كشعب، وهي لا تعطي صكّ براءة لجرائم “إسرائيل”. في المقابل، وبالمثل، فإن جرائم “إسرائيل” لا تغطّي البتّة على جرائم النظام السوري، ولا تعطيه صكّ براءة، ولا تمنحه شهادة وطنية أو مقاومة، في تحويله سورية إلى عزبة للعائلة الحاكمة، ومصادرته حقوق المواطنة، وهيمنته على الدولة وعلى الشعب وعلى الموارد، وحجزه تطور سورية السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. والمسألة الثالثة أن انتصار جهةٍ ما لشعبٍ ما، لحقه في الحرية والكرامة والعدالة، هو انتصار، أيضًا، لأي شعب يتوق إلى ذلك، بمعنى أن الانتصار لتوق الشعب السوري للحرية والكرامة والعدالة لا يفترض أن يُقلق هذا البعض من الفلسطينيين، فلطالما عانى هؤلاء من عسف النظام، ومن جوره، ومن عبثه بالساحة الفلسطينية، وبالعكس فإن الانتصار للفلسطينيين ولحقوقهم الوطنية لا يضر بالشعب السوري، ولا بقضيته العادلة والمشروعة، بل يخدمها، بطريقة مباشرة وغير مباشرة.

في الواقع، هذا النمط من النقاشات لا يخدم الضحايا، ولا أصحاب القضايا العادلة، بل يخدم “إسرائيل” والأنظمة الاستبدادية، فالاستعمار صنو الاستبداد، لأن كلًا منهما يتغذى من الآخر، وكلاهما يحاول وضع الضحايا في مقابل بعضهم، أي ضحايا في مواجهة ضحايا.

قصارى القول ما حدث هو أمرٌ مؤسفٌ وموجع ومخجل، ويبعث على الأسى، فقضايا الحرية والكرامة والعدالة لا تتجزأ. فلسطيني.. سوري واحد، وقضية فلسطين هي معنًى للحرية والكرامة، فلا تقتلوا هذا المعنى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق