رزان.. سميرة.. ناظم.. وائل وآخرون

 

إنه العام الرابع، وما يزال الناشطون الأربعة مختفين قسريًا بعد اختطافهم، وما تزال أيدي من اختطفهم تعيث فسادًا مروعًا، باذلة جلَّ جهدها في سبيل القضاء على ما تبقى من ثورةٍ، قدّم المؤمنون بها كل ما من شأنه الحفاظ على استمرارها وديمومتها، في سبيل انتصارها، بدءًا من مواقفهم الشخصية ورأيهم الحر وأعمالهم الثورية، ومرورًا بالملاحقات والاعتقال والتواري، وانتهاءً بحياتهم.

المفارقة الإنسانية، والثورية أيضًا؛ هي أن من اختطف هؤلاء الناشطين كانوا هدفًا إنسانيًا نبيلًا بالنسبة إلى المخطوفين ذاتهم، تجلى ذاك الهدف السامي في استماتة الناشطين الأربعة وآخرين غيرهم، في الدفاع عنهم أمام محاكم أعتى الطغم الحاكمة إجرامًا واستلابًا للحقوق، معرّضين أنفسهم لأخطار عديدة، ليس الاعتقال أولها، ولا السجن آخرها، فطغمة الأسد لا تحتاج إلى باحث أو متقصٍ يروي لنا مآثر إجرامها وتاريخها الحافل بالدماء.

كان “الاختلاف” -بالنسبة إلى أولئك الظلاميين- سببًا جوهريًا لخطفهم، بينما لم يكن كذلك بالنسبة إلى الناشطين الأربعة، حين كان المختَطفون يناضلون في سبيل حرية من اختطفهم، أمام محاكم الأسد العرفية، فضحايا هؤلاء المختطِفين كانوا يعتبرون خاطفيهم ضحايا طغمة لا بدّ من زوالها، كي يسود في سورية -آنذاك- مناخ حرية، يتعرّف كل مواطن فيه على حقوقه وحرياته، بدل مناخ الانغلاق وكم الأفواه والفساد والإجرام، الذي يهيئ تربة خصبة للتشدد والتطرف وصناعة المستبدين. معتقلو الرأي من “إسلاميين”، ومن انتماءات فكرية أخرى، في صيدنايا وغيره من المعتقلات، كانوا شغل هؤلاء الناشطين الشاغل، ونتيجة لذلك دفعوا أثمانًا باهظة، فمنهم من قضى سنوات عديدة في سجون الأسد، ومنهم من لوحق أو تخفّى أو تكررت استدعاءاته الأمنية، ومن أجلهم -أيضًا- كانت تُوثّق الانتهاكات المطبقة بحقهم، وتجهّز المرافعات، وكذلك الاعتصامات، وتُكتب المقالات، وهذا كله له ثمن باهظ، يعرفه كل السوريين.

في الثورة؛ كغيرهم من المخلصين لها، لم يتوانَ الناشطون الأربعة عن دعمها، بكل ما أوتوا من إمكانات، ومن قيم، ومن عمل، لكن ذلك لم يعجب أصحاب الأفق الضيق والمشاريع الفئوية، أولئك الذين رأوا الثورة فرصةً للتعبير عن مهارة صناعة الأسد، في استنساخ نفسه إجرامًا وقتلًا و”تشبيحًا”. بالتأكيد لن يعجبهم انتصارُ الثورة، بل سيتعدى “عدم الإعجاب” هذا إلى تهديد وجودي لهم، فالحرية هنا هي مقابل الاستبداد، والحقوق هي مقابل لمنتهكيها، وبجملة واحدة: مصالح المشاريع الوطنية هي عائق حتمي أمام المشاريع ما دون وطنية.

في الوقت الذي كان فيه الناشطون الأربعة، مع آخرين، يقومون بتدريب غيرهم على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، كان خاطفوهم يقومون ببناء السجون والمعتقلات كالتوبة والباطون والكهف، وتدريب مرتزقتهم على الاغتيال والتعذيب. وحين عمل الناشطون على تنسيق الجهود المدنية لتأسيس عمل مؤسساتي وطني منظم، كان خاطفوهم يؤسسون لجهاز “الحسبة” لمراقبة اللباس والأسواق، والـبت في “المخالفات الشرعية”، كما تزامن عمل كل من الخاطفين والمخطوفين في عدة أعمال، ولكن في اتجاهين متعاكسين؛ فالخاطفون كانوا قد بدؤوا بإعداد لوائح تضم أسماء شخصيات بغية اغتيالها أو اختطافها أو اعتقالها، بينما المختَطفون كانوا قد شرعوا بإعداد لوائح بأسماء المعتقلين والمصابين وذوي الشهداء، بغية تقديم ما يلزم لهم من دعم إغاثي وصحي وتعليمي. نعم؛ هم لا يريدونكم بينهم، فأنتم أسميتموها، منذ البدء، ثورة في سبيل الحرية والكرامة، بينما أسماها قادتهم وشرعيوهن وأمنيوهم -في البدء- “خروجًا غير شرعي على السلطان”، ثم سمّوها لاحقًا “جهادًا”.

لقد رفضتم، أيها الناشطون الأربعة، أي دعمٍ يرتبط بأجندة غير وطنية، أو مال تصاحبه شروطٌ تحرف بوصلة أعمالكم في سبيل انتصار الثورة، بينما قبِل خاطفوكم كل دعم، وكل مال، وكل ما صاحبهما من شروط؛ ليصل بهم الحال إلى التخلي عن رايتهم. هؤلاء هم خاطفوكم، هؤلاء من بات يمثل ثورتنا أمام العالم في المحافل السياسية، أعرفتم سبب اختطافكم؟ أتبين لكم النهج الإبليسي الذي اتبعه الأسد وتلامذته؟ كي لا تكونوا أنتم من يمثلها بأهدافها وتطلعاتها، بقيمها الإنسانية والحضارية والجمالية أيضًا. فالأسد وتلامذته -كسائر حكومات هذا العالم القذر- لا يفضلون إلا القبح والقبيح. أردتموها تنوعًا واختلافًا وألوانًا متعددة، تليق بنا -السوريين- وأرادوها سوادًا كقلوبهم وأفكارهم ومشاريعهم.

رسائل قذرة عديدة أراد من اختطفكم توجيهها إلى كل منتمٍ إلى مبادئ الثورة ومخلص لها؛ لعل أكثرها عهرًا أن هذه المناطق الخارجة عن سيطرة الأسد، هي داخل سيطرتنا، وسنفرغ كل قذارتنا فيها، وسنكون الأقوى، ولن نسمح لآخرين من أمثالكم أن يلجؤوا إليها، ولن تكون ساحة لتجسيد طموحات الثورة في الحرية والكرامة والمواطنة.

أخيرًا؛ لكم، أيها الناشطون الأربعة، “آخرون”، ولأولئك الخاطفين “آخرون” أيضًا، والثورة مستمرة. الرسالة الأخطر: يا أصحاب الخط الوطني. المناطق “المحررة” ليس ملاذكم، وليست ساحة لعملكم.