إيران و”إسرائيل”.. خرافة المقاومة ومهزلة المقارنة

 

بعد ثمانية عشر عامًا من الهيمنة المباشرة، انسحبت “إسرائيل”، بقرار أحادي الجانب، من جنوب لبنان عام 2000؛ فانهار مع انسحابها جيش لبنان الجنوبي، بقيادة عميلها أنطوان لحد. وفور الإعلان عن ذلك، هرع “حزب الله” إلى “تجيير” هذا الانسحاب لحسابه الخاص، واضعًا في خدمة هذا التجيير كلّ الوسائل التي يمكن أن تجعل من هذا “الحدث” صورة المقاومة المثلى ضد “إسرائيل”، لا قرين لها في أي بلد عربي آخر، خاض المعارك ضد “إسرائيل” منذ إعلان هذه الأخيرة نفسها دولة، محاولة بها إلغاء وجود شعب وتاريخ وثقافة.

في غمرة هذا الضجيج الإعلامي المصطنع؛ تمكنَ “حزب الله” من فرض صيغةٍ أعاد بها كتابة تاريخ لهذا الحدث، لم يغب فيه خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، ومذبحة صبرا وشاتيلا، والاحتلال الأسدي، ودور مختلف القوى اليسارية الذي كان يتلاشى تدريجيًا، تحت وطأة احتكار “حزب الله” الفعلي والمطرد لأداء دور “المقاومة” في الجنوب، فحسب، بل غاب ما هو جوهري في كل هذا: معنى ودلالة وهدف وجود “حزب الله”، في المشهد السياسي والعسكري اللبناني، على وجه الدقة، وفي هذه المرحلة بالذات. موجز الصيغة هو ما استقر في أذهان الرأي العام اللبناني والسوري خصوصًا، والعربي عمومًا: “حزب الله” هو القوة الوحيدة بين كافة القوى العربية التي استطاعت إرغام العدو الإسرائيلي على الانسحاب بقوة السلاح لا بالمفاوضات، وبالتالي استعادة الكرامة العربية. وبعد ست سنوات من ذلك، أي في عام 2006، أضيف إليها الصمود ثلاثة وثلاثين يومًا في وجه العدو، مع تغييب آثار هذه المغامرة التي قام بها “حزب الله” ضد “إسرائيل”، على صعيد الدمار والتهجير وعدد القتلى من المدنيين.

ذلك ما كانت إيران تسعى إليه على وجه الدقة، منجزة المرحلة الأولى من تحقيق غايتها، حين أنشأت وموّلت وسلّحت “حزب الله”، بالتواطؤ مع الأسد الأب في سورية تحديدًا. فقد رأت في إرغام “إسرائيل” منظمة التحرير الفلسطينية على الخروج من لبنان فرصةً ذهبية لها، كي يتقدم وكيلها “حزب الله”، ويحلّ محلها مستهدفًا الوصول إلى تنفيذ سياستها، تحت غطاء، وباسم مقاومة “إسرائيل”. أما المرحلة الثانية، فقد أعقبت اغتيال الحريري (الذي اتضحت فيما بعد مسؤولية حزب الله في تنفيذه)، ثم عدوان “إسرائيل” عام 2006، وصولًا إلى احتلال بيروت عام 2007، الذي كان ردًا على محاولة الحكومة آنئذ مصادرة شبكة الاتصال التابعة له في مطار بيروت، وإقالة قائد جهاز أمن المطار؛ ما اضطر الحكومة إلى الخضوع لابتزاز “حزب الله” وسحب القراريْن معًا. كان ذلك إيذانًا بتثبيت هيمنة الحزب على مفاتيح الدولة في لبنان. هيمنة بلغت ذروتها، عندما قرر “حزب الله” -بمعزل عن الحكومة اللبنانية وسياستها المعلنة إزاء الحدث السوري- أن يزج بقواته، إلى جانب الميليشيات المستوردة من أفغانستان والعراق تحت إشراف الحرس الثوري الإيراني، دعمًا للنظام الأسدي ودفاعًا عنه. بذلك حققت إيران هدفها المنشود، عبر وكيلها الحصري، والمتمثل في هيمنتها على الداخل اللبناني، في كل مجال يمكن أن تُمَسّ فيه مصالحها، وكذلك على سياسة لبنان الخارجية، بصورة كلية، بعد إتمام شق الصف المسيحي وإقامة التحالف مع ميشيل عون، الحالم برئاسة الجمهورية التي وصل إليها، من خلال تسوية بدا اليوم واضحًا أنها لا تستجيب إلى مصالحها الإقليمية فحسب، بل تنفذ حرفيًا سياسة إيران الإقليمية وأحلامها الإمبراطورية.

لم تكن إيران، على لسان مسؤوليها، شديدة الثرثرة حول مطامحها المذكورة، طوال السنوات التي سبقت انفجار ثورات الربيع العربي التي سرعان ما أيدتها في البلدان العربية الأخرى، ثم كفت بالسرعة ذاتها عن ذلك ما إن انفجرت الثورة في سورية. فقد كانت خلال ذلك الوقت تستكمل هيمنتها على العراق التي بدأتها منذ أن فتحت لها أبوابه، إثر غزوه عام 2003. وكانت أيضًا، خلال الفترة نفسها، عبر وكيلها المحلي، تستمر في إحكام سيطرتها على الأمن الداخلي والسياسة الخارجية اللبنانيين، كي يتمكن بمختلف الوسائل من تنفيذ سياساتها التوسعية في اليمن خاصة، وفي دول الخليج العربي عامة. وحين أمكنها بمشاركة وكيلها اللبناني الواسعة من توطيد احتلالها لسورية؛ بدأ سياسيوها الإفصاح عن موقفها الحقيقي، بإعلان هيمنتها على العواصم العربية الأربع.

لا شك أن السطور السابقة لا أو لن تقدم أي جديدٍ، لكل من حاول أو يحاول أن يرى مسار الأحداث في المنطقة العربية منذ عام 1982، بعيون لا تغشاها الأيديولوجيات الدينية أو الأفكار المسبقة. ولقد لعبت الثورة السورية دورًا حاسمًا في هذا المجال، حين فضحت حقيقة المقاومة التي تمارسها السلطة الأسدية، ومن ورائها إيران ووكيلها: مجرد خرافة صيغت جيدًا في ثياب حقيقة لا يعتورها الشك، صدقتها جماهير واسعة في العالم العربي، ولا تزال.

اعتورَ هذا الكشف، مع ذلك، ضربٌ من عمى البصر والبصيرة لدى البعض، حين أرادوا التذاكي، فسارعوا إلى عقد ضرب من المقارنة بين إيران و”إسرائيل”. ليس المقصود هنا بعض الأحكام التي تحفل بها -بين الحين والآخر- صفحات التواصل الاجتماعي، ولا سيما عندما تكون ردة فعل عفوية على ضروب العنف الوحشية غير المسبوقة التي مارسها النظام الأسدي أو رئيسه الذي انتهى إلى أن يصير موظفًا، بدرجة “رئيس جمهورية”، لدى إيران، حين تقارن بين إيران و”إسرائيل” مهنئة الفلسطينيين على “ديمقراطية” “إسرائيل”، واحترامها “حقوق الإنسان”. بل المقصود من باتوا يُعرفون بمثقفي السلطان، الذين بدأت عقيرتهم ترتفع انطلاقًا من موقفهم العدائي إزاء إيران، مقارنين بينها وبين “إسرائيل”، منزهين هذه الأخيرة عن كل جرائمها، ولا سيما جريمتها الأصلية: وجودها ذاته. ففي الحديث عن عدوانية إيران ومطامحها التوسعية، وعن محاولتها تحقيق أهدافها عبر تسللها في نسيج المجتمعات العربية المشرقية خصوصًا واستخدام أيديولوجية طائفية، تتيح لها الحشد والتجنيد بحجة مظلوميات وخرافات تعود إلى أكثر من خمسة عشر قرنًا، رأى مثقفو السلطان هؤلاء أن المقارنة هي في صالح “إسرائيل”، بحجة أن هذه الأخيرة “دولة مستقلة ذات سيادة”، وأنها “محبة للسلام والديمقراطية”، وأن “جميع الدول تعترف بها باستثناء دول الاستبداد والقمع”. بل إن بعضهم يرتجل نفسه فقيهًا أو مفسِّرًا، حين يؤكد أن حق “إسرائيل” بالوجود على أرض فلسطين ثابت بالآيات القرآنية (الآية 21 من سورة المائدة!)، بما أن الله -كما يقول- قد كتبها لهم (أي لبني إسرائيل) وهو ما يعني أن “إسرائيل” ليست دولة مغتصبة؛ ولم يفعل اليهود شيئًا غير عودتهم “إلى أرضهم”.

هكذا، تُبَرَّأ “إسرائيل” ببساطة متناهية، لا من جريمتها الأصلية، ولا من جرائمها التي تقترفها تحت أعيننا كل يوم فحسب، بل كذلك من مطامحها في الهيمنة وفي السيطرة الإقليمية ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا. هكذا تعمى الأبصار والبصائر عن رؤية التنافس القائم اليوم على وجه الدقة، وفي غياب العرب، بين “إسرائيل” وإيران، من أجل الهيمنة على المنطقة كلها. فلا إيران شديدة الاهتمام بإعادة أصحاب الحق الفلسطينيين إلى أرضهم وإقامة دولتهم، ولا “إسرائيل” خلعت أنيابها، وصارت دولة مسالمة لا همّ لها إلا السلام والطمأنينة!

فهل يمكن اعتبار هذه المقارنة التي يقوم بها بعض أبواق السلاطين، من الجامعيين أو من الكتبة، والتي بدأت بعض وسائل الإعلام العربية تبثها في الأسابيع الأخيرة، بوصفها نقاشات “علمية”، أكثر من مهزلة تتوسل القانون تارة والقرآن تارة أخرى، وهم أشد جهلًا بالاثنين معًا؟ أم أن الذاكرة المريضة لدى البعض باتت حجة يستسهلون بها تلفيق الحقائق ولوي أعناق النصوص ومدلولاتها؟ وإذا كانت إيران اليوم تؤدي دورها عدوًا تاريخيًا للعرب، فهل يجب أن تؤدي مواجهتها إلى نسيان جريمة عدوٍّ قائمة منذ أكثر من سبعين عامًا، ضد شعب اقتلع من أرضه، وأنكرت هويته وتاريخه وثقافته؟

أم أن السلطان سيبقى هو الآمر والناهي، إذ يفضل التحالف مع الشيطان من أجل مقارعة إبليس؟