الحل السياسي وضرورات الخروج من دوائر الوهم

 

يذهب الكثير من المعارضات والمنصات السورية، لنقد مؤتمر (الرياض 2) ومخرجاته، وتنوس آراؤهم بين قبول ورفض، إلى درجة تبادل التهم في التخوين والتكفير. وتُبدي خلفية الموضوع، حين التدقيق، أن السوريين لم يعودوا يقبلون بأي موضوعة ذات صفة، لا تخرج إلا بوصفة كاملة، تنصف قضيتهم في موتهم الكبير، بل تنصف مشكلة كل فرد فيهم على حدة، وهذا حق تاريخي في المبدأ؛ إذ إن كل فرد سوري بات منكوبًا إلى درجة الفجيعة، إن لم يكن بأولاده، فببيته أو بمدينته أو بأصدقائه، ففي سورية، كل يوم تودع أحد أصدقائك أو ذويك في مذبحة، طال عمر نزفها دون توقف، ولا أحد يعلم البتة كيف يمكن لأي حل سياسي -مهما كان شكله- أن ينصف والدة الشهداء الأربعة وزوجة الشهيد والمعتقلة السيدة حسنة الحريري، ومثلها آلاف السوريات الثكالى؟ ولكن، هل ثمة من مخرج؟ هل ثمة حل آخر ينقذ البقية المتبقية، ويحقق الحد الأدنى من الحقوق المهدورة لليوم؟

السمة الأبرز للثورة السورية هي تطور مراحلها من حلقة إلى أخرى، ومع كل حلقة تدخل بها الثورة؛ تزداد تعقيدًا وتتعدد مآلاتها، فمن ثورة شعبية داخلية سلمية، تنادي بالحرية والكرامة والتغيير الديمقراطي ودولة المواطنة وحقوق المواطن بعامة، إلى جملة من الممرات الإجبارية في العسكرة، وتدخّل قوى المحيط القريب من ميليشيات طائفية وأذرع إقليمية، أججت الصراع، ونقلته من بعده الوطني الأول إلى معركة كسر عظم تتسم برائحة الطائفية النتنة، لتليها مرحلة أكثر تعقيدًا، مع التدخل الروسي العسكري ومحور المنظومة “الأوراسية” -دول المنظومة الأوروبية الشرقية السابقة وآسيا بقيادة روسيا، كما ترغب الأخيرة في أن تكون- ومع كل مرحلة منها؛ تتداخل حلقاتها لتصبح  أكثر تعقيدًا، في ملفاتها الداخلية والإقليمية والدولية، بخاصة أن عدد اللاعبين الدوليين على ساحتها بات عالميًا إلى درجة تنذر بحرب كبرى، لا تحمد عقباها عالميًا، ولا يتحمل وزرها أحد من قادة العالم.

المرحلة الحالية من عمر الثورة السورية، تتسم بسمات عدة، أهمها:

– مرحلة تبخر منظومة الإرهاب الدولي (داعش)، وكأنها فقاعة صابون، بعد أن استباحت معظم مناطق الثورة السورية، في شمال وشرق سورية، واستدعَت التدخل الدولي الكثيف ضدها، في سباق محموم على تقاسم تركتها في العراق وسورية، بخاصة في دير الزور والرقة السورية.

– قضم معظم مناطق الثورة السورية، وحصرها في مناطق حدودية، في إدلب شمالًا ودرعا والقنيطرة جنوبًا، بعدما اتخذت مسارات التفاوض، في مقررات “أستانا”، سياسة الإقرار بالوضع القائم تحت وطأة الحمل العسكري الروسي، في مسارات “خفض التوتر والتصعيد”، وهي اليوم، على بوابات (جنيف 8)، تشدد حملتها على الغوطة الشرقية مستدعية قوات صينية برية، “على ذمة” موقع (سبوتنيك) الروسي، لمحاربة إرهابي “تركستان” المتواجدين في الغوطة الشرقية، في فضيحة أخرى مدوية لكل حجج التدخل العسكري لدول العالم في سورية.

– اكتمال انعقاد المسار السياسي السوري، في كل منصاته ومعارضاته، في وصفة متكاملة ومتناقضة معًا، في عقد مؤتمر (الرياض 2)، والذي مثل بهذه الحالة كل فرقاء المعارضة السورية، من أقصاها إلى أقصاها، سواء أكانوا ممن مثلوا الحالة السورية بآلامها وآمالها فعلًا، أم من وسطيي الحلول السياسية ومراهقيها، أو منتهزي فرص الثورة ودم شعبها، ومع هذا، باتت الحجة الدولية في لم شمل المعارضة السورية واهية، وها هي تخوض اليوم مخاض معركة (جنيف 8) وربما تسعة، وقد تكتمل الدزينة، ولسان حال السوريين يقول: وماذا بعد.

إن وهم الانتصار والحسم العسكري -سواء عند النظام أو عند فصائل المعارضة- هو المسوغ لليوم لكل المشكلة السورية في التعقيد والتأجيج، وليس هذا فحسب، بل إن القول بإمكانية تشكيل دولة وطنية في شرق المتوسط بات وهمًا، نحلم به في فكرنا الحر، ومنظومة توقنا للمواطنة والحرية، وهو -على ما يبدو- الخط الأحمر الرئيس الذي لم ترض به لا أميركا ولا “إسرائيل” من خلفها، فهل هذا هو خاتمة مسار الثورة السورية: وهم الحل العسكري، ووهم الحل السياسي في دولة المواطنة؟

لا تبدو أي إجابة بعينها كافية بمقال أو دراسة واحدة، ولكن بغرض الخروج من دوائر الأوهام المتلاحقة، أقول: ما يملكه السوريون اليوم -بحُكم واقعية وجودهم وثورتهم ونكبتهم- هو الأثمن من بين كل الممرات السياسية والعسكرية، وهو إلى اليوم لم يؤخذ في الحسبان، بشكل دقيق. فالسوريون يملكون بالمبدأ إرادة شعبٍ لا تموت صامدة، على كل ويلات العالم وقذارته، فحتى عدم رضاهم عن ممثليهم السياسيين الذي ينقل المسألة إلى التجاذب وتبادل التهم اللانهائي، هو عنوان مهم في إرادة شعبٍ لا يمكن أن يموت. فهل تكفي هذه الإرادة أمام محددات المشهد الموصوف أعلاه؟

باتت المسألة السورية وثورتها مفصلًا عالميًا ودوليًا، وأصبحت ممراتها الدولية والسياسية، في التفاوض السياسي، عقدةَ الحبل الممكنة التي على سياسييها كسبها، وإن لم تنصف كل السوريين في فجيعتهم غير المنتهية إلى اليوم، وإن كانت بوابة سياسية ضيقة في متناقضات المشهد، لكن ضرورة العمل على الاستفادة من مقررات مؤتمر (جنيف 1) عام 2012 وقرار مجلس الأمن 2245، الذي يفضّ بمضمونه موضوعة الصراع الدولي في سورية وعليها، بالضرورة يعتمد التغيير السياسي والأمني فيها مرفقًا بالعدالة الانتقالية، كحد أدنى، في تحقيق العدالة العامة لضحايا الثورة وسورية.

إن البحث عن جذرية الحلول اليوم، في حسم عسكري، بات واهيًا، وبات يسوق المسألة السورية إلى قدرية تكالب المصالح الدولية على اقتسام إرثها الجغرافي والبيئي والطبيعي، من حيث الموقع والثروات، والمتضرر الوحيد منه لليوم هو الشعب السوري، وسورية، كعنوان وطن أم. فحيث يمكن العمل على تنفيذ مقررات (جنيف 1)، بصيغة حدها الأدنى برعاية أممية ودولية، يمكن الوصول معه إلى حل سياسي يغيّر في بنية النظام الأمنية والسياسية، صحيح أنه لا يرضي نفوس السوريين الكليمة، لكنه قد يفتح المجال لحركة المجتمع من جديد، بفضاء سلمي ومدني قابل للحياة، هذا إذا ما استندت بقوة على ميراث إرادة شعبٍ لا يموت. ومن جانب آخر، يلغي كل الحجج الواهية التي دفعت بكل المغامرين السياسيين، في تنويع عقد مؤتمراتهم ومنصاتهم في بازار سياسي، أقل ما يوصف به أنه حلة حصى، لا تنضج ولا تثمر، فلم تبق مدينة ذات سمة أو خاصية ما، في العالم إلا استقبلت محطة من محطات السوريين، في عقد مؤتمراتهم وأحلافهم وتصوراتهم، منصاتهم وتحالفاتهم، وكلّ يدلي بدلوه في الحل السوري، السياسي مرة، والعسكري مرة، والديمقراطي والمدني والثوري وحتى الوهمي منه.

فإن كان الحق الموضوعي هو الاختلاف، بين الرؤى والأفكار والتوجهات؛ فإن هذا التعدد بذاته حق نرمي له وترمي له الثورة بالمبدأ، حين أرادت التغيير والخروج من عتمة الفكر الواحد، المنظومة الواحدة، العصبة الواحدة، الطغمة الواحدة، وبالضرورة الحزب الواحد والأوحد.. وهذا كله مرهون، بحدوث التغيير السياسي والأمني ببنية النظام أولًا، كشرط لازم غير كافٍ، عندها يمكن للحوار السوري-السوري ومنصاته ومنابره أن تنتقل من دوائر الوهم إلى دوائر الفعل المجتمعي الممكنة.