الطائفيّة في منظور المنطق الحيوي

 

(1)

تكمن أهمّية هذا النوع من المقاربات، في كونها تقدّم أساسًا نظريًا وعَتادًا، يُمكّن القارئ النشيط أو الباحث من تطبيقه على أي مفهوم آخر، وآمل أن أنجح في تقديم ما قد يُساعد في تفهّم المُشكل الطائفي، والتقليل -ما أمكن- من خطره، وستكون هذه المُقاربة من منظور ثقافي معرفي، يبتعد عن تفاصيل الشأن السياسي الراهن، من غير أن يهملها، وسأعتمد فيها مرجعيّة “المنطق الحيوي“، ولكون أي مرجعيّة معرفية ليست مطلقة، بل نسبية، تنبع قيمتها من المردود النظري والعلمي لاستخدامها، لذلك فإن هذه الورقة، بمقدار ما هي بحث في المُشكل الطائفي، هي أيضًا مُناسَبة لتقييم كفاءة نظرية “المنطق الحيوي”.

موضوع المنطق الحيوي واسع، والموضوع الطائفي متشعّب، وبالتالي سوف نقتصر على تطبيق أحد مفاهيم نظرية المنطق الحيوي، ولا تمثّل هذه الورقة غير منظور وفهم كاتب السطور لنظرية المنطق الحيوي.

(2)

الحيويّة هي فهم الوجود الكوني والاجتماعي، كطريقة تشكّل ديناميكية، وليس كوجود جوهراني ثابت، بغض النظر عن تسمية هذا الجوهر الثابت: روح – مادة – مطلق – جنس – أخلاق – آلهة – جوهر قومي – طائفي – ديني – أو حتى شخصي.. إلخ، فالحيوية هي نقيض المفهوم الكلاسيكي عن الجوهر الثابت، وهي تنفي وجود جوهر ثابت سحري مفارق للكون أو المجتمع، وهي نقيض مفهوم الثنائيات: الخير والشر – الجمال والقبح – الحقيقة والوهم – المُقدَس والمدنَس… إلخ. الحيوية نقيض الموت والقصور والجمود [المنطق الحيوي: عقل العقل – ص 57]. يقول المنطق الحيوي بقوننة حيويّة واحدة، تعمّ الكون بجميع تشكيلاته، وتشمل “المجتمع والفرد والفكر والسياسة ضمنًا”، ويمكن اختصار هذه القوننة في المبادئ الخمسة للقانون الحيوي.

مبادئ القانون الحيوي: 1 – الكائن ليس جوهرًا بل هو شكل، أي طريقة تشكّل لأبعاد الكائن. 2 – الكائن حركي لا ثابت. 3 – الكائن احتوائي متعدد ومتفاعل الأبعاد. 4 – الكائن احتمالي لا حتمي. 5 – الكائن نسبي لا مطلق. [المنطق الحيوي: عقل العقل، الصفحات من 67 إلى 78].

(3)

حول مصطلح الطائفة والطائفيّة: يميز بعض الباحثين بين الطائفة، باعتبارها شكلًا اجتماعيًا عقائديًا، وبين الطائفيّة، باعتبارها شكلًا اجتماعيًا سياسيًا؛ الطائفة مقبولة وحالة طبيعية، بينما الطائفيّة مرفوضة وحالة مرضيّة. في الحقيقة هذا التميز ما بين الطائفة والطائفيّة مفيد وجيد، ولكنه غير واف من جهة:

أولًا: عندما تتشكّل الطائفة عقائديًا، استنادًا إلى منطق الجوهر العنصري أو الفرقة الناجية، فلن يكون بوسعها، أو بوسع المُنتمين إليها، الابتعادُ عن السياسة أو ممارسة دور إيجابي في الشأن العام.

ثانيًا: لا يمكن الفصل التام بين العقائدي والسياسي، على الرغم من أنّ العلمانية مفيدة ومطلوبة تحديدًا من هذه الجهة، ولكن حتى في الدول المتقدمة -ديمقراطيًا- يمارس رجال الدين أو الاعتقادات الدينية تأثيرًا متفاوتًا على العملية السياسية واتجاهات الرأي العام.

يقترح المنطق الحيوي إصلاح “الفئوية العقائدية“، أو على الأقل استخدام مصطلح (الشكل الطائفي)، كبديل عن مصطلحي الطائفة والطائفية لسببين:

أولًا – من جهة أنّ العقائد الدينية واللا دينية، توجد وتتظاهر لزومًا بأشكال فئوية، فلا يوجد عقيدة واحدة لكل الناس، فالبعد العقائدي للكينونة الاجتماعية هو فئوي بالضرورة، وهذه حالة طبيعية قانونية في المجتمع يجب احترامها. مثلًا، يوجد فئوية عقائدية إسلامية، وفئوية عقائدية مسيحية، وفئوية عقائدية بوذية، وفئوية عقائدية إلحادية، وفئوية عقائدية قومية، (أيديولوجيا)… إلخ، وضمن كل فئوية عقائدية من السابق، يوجد فئويات عقائدية فرعية وهكذا، فضمن الفئوية العقائدية الإسلامية، يوجد فئوية عقائدية سنّية، وفئوية عقائدية شيعية، وضمن الشيعية -مثلًا- يوجد فئويات عقائدية: جعفرية – إسماعيلية – علوية – درزية – زيدية، وحديثًا فئويّة ولاية الفقيه… الخ.

ثانيًا – إنّ مصطلح “الفئوية العقائدية” قد يكون أكثر حياديّة، ويفيد في إزالة الحساسية السلبية لمصطلحي الطائفة والطائفيّة، كما درجت في القاموس السياسي العربي المعاصر.

(4)

المبدأ الأوّل: الكائن ليس جوهرًا بل هو شكل. أي طريقة تشكّل لأبعاد الكائن.

الشكل الطائفي السُنّي -مثلًا- هو صيغة مُحدّدة للشكل الطائفي، ولا يوجد جوهر سنّي ثابت، سواء أكان شريفًا أم وضيعًا، وطنيًّا أم خائنًا، متطوّرًا أم متخلّفًا… إلخ، فالجوهر مقولة منافية للبرهان. الطوائف الدينية تتماثل في كونها أشكالًا اجتماعية عقائدية سياسية، ولكنّها تختلف في طرائق تشكّلها، ولا وجود لطائفتين مُتطابقتين. الطائفة السنّية في سورية ولبنان والسعودية وإيران والبحرين وماليزيا -مثلًا- تتماثل جميعًا، في كونها أشكالًا طائفية، ولكنها تختلف في سياقاتها وشروطها وظهورها ومساراتها ومآلاها، لا يوجد نمط أو نموذج واحد للطائفة السنّية، عبر التاريخ.

(5)

المبدأ الثاني: الكائن شكل حركي، فلا يوجد شكل غير متغير.

الشكل الطائفي يخضع لفعل الزمن وصيرورة التاريخ. مثلًا، يستحيل الحديث عن طائفة علويّة، قبل الانشقاق العلوي عن الشيعية الجعفرية على يد محمد بن نصير النميري، في منتصف القرن الثالث الهجري، وقد شهد الشكل الطائفي العلوي تغيّرًا محسوسًا ما بين الفترة العثمانية والفترة الفرنسية، انتهى بتشكيل دُويلة علوية مستقلة، ومن ثمّ استطاع الآباء المؤسسون للكتلة الوطنية تجاوزها، باتجاه وطني توحيدي 1936. إنّ تغير الشكل الطائفي العَلوي كان مُحركًا لتغير في المجتمع والدولة السورية، كذلك إنّ تغير حال المجتمع والدولة السورية كان مُحركًا لتغير في الشكل الطائفي العَلوي نفسه. لقد كان وصول نخب قومية عربية اشتراكية إلى السلطة في سورية سببًا في انخراط الطائفة العلوية بشكل أكبر، في الحياة السياسية السورية، بالمقابل كان وصول نخبة عسكرية علويّة إلى السلطة السورية سببًا في التحوّل إلى دولة استبدادية، تحكمها سلطة عائلية بعصبية اجتماعية سياسية علويّة. من المقاربات الخاطئة في هذا الشأن كذلك تجميد الطائفة العلوية، في مقطع زمني أو دور ثابت. في المرحلة الأسدية ومرحلة الثورة/ الحرب السورية؛ ما زال مثقفون سوريون كُثر يستخدمون ويتوقّفون عند عقيدة المَظلومية العلوية تاريخيًا، على الرغم من تغير الواقع السياسي السوري حاضرًا، باتجاه عقيدة التفوق العلوي وارتباطها بمنظومة التسلّط.

(6)

المبدأ الثالث: الكائن شكل احتوائي متعدد ومتفاعل الأبعاد. حيث لا يوجد كائن بلا أبعاد، أو كائن أحادي البعد، وأبسط أبعاد الكائن هما الزمان والمكان.

مثلًا، الشكل الطائفي الإسلامي -بمختلف فئاته الفرعية- هو شكل عقائدي خاص، يحتوي أبعاد الشكل العقائدي العام، من جهة أنه شكل معرفي أيديولوجي، قيمي أخلاقي، جمالي شعائري. الشكل الطائفي الإسلامي ليس أحادي البعد، فهو ليس شكلًا عقائديًا فقط، وإن كانت العقيدة هي أبرز أبعاده. الشكل الطائفي الإسلامي متعدد الأبعاد التاريخية والجغرافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.. هذه كلّها أبعاد تؤثِّر وتتأثّر به. الفرد المسلم ومجتمعات المسلمين ينطبق عليهم -عمومًا- ما ينطبق على الأفراد والمجتمعات في علم الاجتماع، ولا يجوز النظر إليهم أو اختزالهم في البعد العقائدي وصفة الإسلاميّة فحسب. سأعرض مثالًا آخر عن تطبيقات المبدأ الحيوي الثالث، حيث لا يجوز النظر إلى الثورة/ الحرب السورية 2011 على أنها ثورة أو حرب دينية فقط، ولكن أيضًا من الصحيح القول إن البعد العقائدي الديني هو أحد الأبعاد الوازنة في الصراع، وهذا ما يسعى إلى إنكاره -غالبًا من حسن نيّة– كثير من الناشطين العلمانيين في الثورة السورية. الثورة/ الحرب السورية كذلك ليست ثورة اقتصادية طبقية، ولا يمكن وصفها بـ “ثورة الفقراء”، على الرغم من حضور البعد الاقتصادي فيها، من هنا؛ يبدو قصور المقاربة الماركسية الكلاسيكية للثورة السورية، وتقديمها كصراع طبقي، ما بين السلطة البرجوازية وبروليتاريا الشعب السوري.

(7)

المبدأ الرابع: الكائن شكل احتمالي متعدد المسارات والقيم، وإن بدا حتميَّا.

ماذا لو انتصر علي بن أبي طالب وشيعته، في معركة صفين، على معاوية والأمويين؟! ما تبعات ذلك لاحقًا! ماذا لو أنّ الشاه إسماعيل الصفوي لم يتشيّع ويفرض المذهب الشيعي في إيران، بداية القرن السادس عشر! ما تبعات ذلك! ماذا لو لم يعتنق الإمبراطور الروماني قسطنطين الأوّل المسيحيةَ، في بداية القرن الرابع! الشكل الطائفي للموحدين الدروز هو شكل احتمالي، وإن بدا حتميَّا ومُقدَّرًا بناء على إرادة إلهية مُسبقة، بالنسبة إلى المؤمنين. الاحتمالية هنا لا تتنافى مع الصيغة القانونية التي تضبط هذه الاحتمالية، إنما تتنافى مع الحتمية الغائية الفلسفية أو العقائدية التي تفسّر حركيّة الكون والمجتمع، بناء على العلّة الغائية. فنشوء الشكل الطائفي للموحدين الدروز، في بداية القرن الخامس الهجري، لم يكن حتميًا، بل هو احتمال مُحرّض بأسباب وعوامل متعددة، منها ظهور الشكل الطائفي الإسماعيلي سابقًا، ومن ثمّ قيام الدولة الفاطمية، في زمن وظرف سياسي مُحدّد (إرسال الحاكم بأمر الله الفاطمي للداعية حمزة بن علي، ليتسلّم رئاسة الدعوة الإسماعيلية ويخمد الاضطرابات السياسية في بلاد الشام؛ ومن ثمّ انشقاق حمزة بن علي عن الدولة الفاطمية، وبداية تأسيس الفئوية العقائدية الدرزية..) الشكل الطائفي الدرزي يوجد باحتمالات متعددة ويتأثر بعوامل متغيرة.. فاختلاف الشكل الطائفي الدرزي في سورية عن الشكل الطائفي الدرزي، في لبنان أو فلسطين -مثلًا- يعود إلى اختلاف النظام السياسي ما بين سورية ولبنان و(إسرائيل). إنّ تعامُل السلطة السورية مع المتظاهرين، في المناطق الإسماعيلية في مدينة سلمية، أو المناطق ذات الغالبية الدرزية في السويداء، أو حتى الكردية، كان مختلفًا وأقلّ عنفًا، بالمقارنة مع المناطق العربية السنّية.. لغرض تأجيج الصراع الطائفي، واستثمار ورقة الأقليات، وتحويل الثورة السورية إلى مجرّد حرب على (الإرهاب الإسلامي السنّي). هذا مثال يُبرز كيف أن اختلاف سياسات السلطة الحاكمة، تجاه العقائد الفئوية للشعب، يؤدي إلى تغيّر في الشكل الطائفي واحتمالات التعبير السياسي فيه.

(8)

المبدأ الخامس: الكائن شكل نسبي، وإن بدا مطلقًا.

كل فئوية عقائدية هي شكل نسبي، من حيث إنّه متعدد المنظور والخصوصيات، وهو نسبي، بدلالة الجملة التي يقترن بها ويتحوّل بدلالتها. مثلًا، نجد تأثيرًا بيّنًا للبعد العقائدي، واختلافًا في منظور المؤمن السنّي، عن منظور المؤمن الشيعي، تجاه الثورة/ الحرب السورية، وضمن الفئوية العقائدية الشيعية نفسها يختلف منظور المؤمن الذي كان مُحاصَرًا في الفوعة، عن المؤمن الذي كان يُحاصِر بلدة الزبداني من ميليشيات “حزب الله”! غالبًا لا يمكن تحييد الانحيازات الثقافية بالمطلق عن أي مقاربة، ولكن الوعي بها وتحسّسها مفيد ومهم، من جهة التواضع وتنمية مهارات التفكير النقدي. ثمّة قول مفيد للشافعي في ذلك “رأيي صوابٌ يحتملُ الخطأ، ورأيُ غيري خطأ يحتملُ الصواب”.

(9)

ثمّة رأي شائع، مفاده: لا يجوز وصف الفئوية السنّية بأنها طائفية أو بالطائفيّة، لكونها الأمّة، وهي الأصل الذي قامت عليه الحضارة العربية الإسلامية تاريخيًا. وفي نقد ذلك أقول: أولًا، وصف أي فئوية دينية بالطائفية (بالمعنى السلبي) يتحدّد، بناء على السلوك الاجتماعي والسياسي للأفراد والجماعات، وهو ليس قيمة جوهرانية، يمكن إلصاقها أو نزعها عن أي فئوية عقائدية بشكل مسبق. ثانيًا، هل يجوز وصف حركات السلفية الجهادية السنّية حول العالم، بغير الطائفية والعنصرية! ثالثًا، القضية نسبية، ففي إيران -مثلًا- لا تشكل الفئوية السنّية أغلبية عددية، ويمكن وصفها بالأقلّية الدينية مثلًا.. ويمكن توقّع سلوك طائفي سنّي منها ذي صلة بالسياسات الطائفية الشيعية لولاية الفقيه، مثلًا! رابعًا، ضمن أي فئوية عقائدية (دينية أو لادينية) توجد قوى قصور تميل إلى الانغلاق، وتوجد قوى حيوية تميل إلى الانفتاح، ويمكن تحديد المنسوب الحيوي للفئوية العقائدية، بالنظر إلى محصلة الصراع بين هذه القوى.. والتعبيرات الأكثر ظهورًا في ظرف معيّن.

……………………

مراجع مفيدة للتوسع:

– المنطق الحيوي: عقل العقل، رائق النقري، باريس 1987 (أطروحة دكتوراه من جامعة باريس) – الغريب النجس في الخطاب السياسي [الثورة / الحرب السورية ما بين الحيوية والعنصرية] حمزة رستناوي، دار كتابوك، باريس، 2017.