النسوية السورية والفعل السياسي

نقرأ في كتاب الفيلسوف اليوناني أفلاطون (فلسفة الحب) أن المقصود بالأمر ليس حب الرجل للمرأة أو العكس، بل العلاقة بين المريد وشيخه، أو بين التلميذ وأستاذه، إذ قامت دولة المدينة في أثينا على سيطرة الكونغرس المؤلف من الذكور الأحرار البالغين الأصحاء العارفين بالفلسفة، وأخرج من دائرة الشأن العام كلًّا من العبيد والنساء والأطفال والمرضى والجهلة؛ لتبقى المرأة أداة إنجاب فقط، وليست شريكة أو معشوقة، وهي لا تملك ولا ترث ولا تُولى، بالعكس مما كان سائدًا في إسبارطة -مثلًا- من مساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات. لكنّ الأفلاطونية هي التي انتقلت إلينا مع الفلسفة والأساطير التي تردد بطولات هرقل وتيسيوس وأخيل، في حروبهم ضد المقاتلات “الأمازونيات” للقضاء عليهن، وبشكل خاص في “حروب طروادة”، ولاحقًا أسهمت الأفلاطونية المحدثة في الغنوصية المسيحية، وفي جميع الفرق العرفانية الصوفية والباطنية في الإسلام.

ربما يلخص هذا المرحلة الأخيرة في الانتقال من النظام الأمومي إلى النظام الأبوي، أساطير كاملة، تختلط بالكثير من الحقائق والمكتشفات الأثرية، وتغذي فكرة عدم المساواة بين المرأة والرجل. وهو موضوع ما زال يتناسل حتى الآن، في كل ثقافات الشعوب والأمم، بما فيها الدول التي تدّعي مستوى حضاريًا متقدمًا؛ ما يغذي نضالات الحركات النسوية التي تطالب بالمساواة بين الجنسين.

في سورية، قاربت الحركة النسوية السورية قرنًا ونيف على ولادتها، فمن ماري عجمي التي أسست أوّل صحيفة نسائيّة عربية باسم (العروس) عام 1910، وكانت عضو “الرابطة الأدبية” التي تأسست في دمشق أوائل العشرينيات. إلى نازك العابد التي أسست أول “مدرسة لبنات الشهداء”، ومنحها الملك فيصل، في 17 تموز/ يونيو 1920، منصب الرئاسة الفخرية للجيش السوري؛ نظرًا إلى نشاطها الوطني والاجتماعي، إلى عشرات من رائدات النهضة النسوية في سورية، لا يتسع المقام هنا لسرد أسمائهن ولا للإحاطة بأنشطتهن المتنوعة، ثقافيًا واجتماعيًا وسياسيًا.

لكن يمكن تسجيل بعض الملاحظات المهمة بهذا الصدد، حيث نجد أن نشاط المرأة السورية الأدبي والثقافي، في تلك الحقبة، لم ينفصل عن نضالات تلك المرحلة الوطنيّة، المتمثلة بمقارعة الاستبداد والمطالبة بالحريّة، ورفع الظلم عن السوريين عامّة، حيث خاضت تلك النسوة معارك الاستقلال عن الدولة العثمانية بداية، وضد الاستعمار الفرنسي تاليًا، كما أن نضالهن المطلبي، من أجل رفع سوية المرأة وتعليمها والدفاع عن حقوقها، لم ينفصل أيضًا عن مبدأ المساواة، بالمعنى السياسي؛ فكانت المطالبة بحق المرأة في الانتخاب بداية ضرورية، لولوجها الحقل السياسي العام، والتحريض على التظاهر للمطالبة باستقلال سورية، والتوقيع على عرائض مطلبية وسياسية.

غير أن هذا الوجه المشرق والحضاري من تاريخنا جرى طمسه وتغييبه، على نحو متعمد، في ظل هيمنة “حزب البعث” على السلطة في سورية، حتى إن الرائدة ماري عجمي، حين وافتها المنية، في 25 كانون الأول/ ديسمبر 1965، لم تجد في دولة البعث أكثر من 16 شخصًا فقط، شاركوا في تشييع جثمانها إلى مقبرة “الروم الأرثوذكس”، في باب شرقي بدمشق، ولم يكن بينهن أي سيدة!

هذه الواقعة تفتح الباب على سؤال آخر: أين كان السوريون خارج إطار سلطة البعث والاتحاد النسائي البائس؟ أين أحزاب المعارضة ومثقفو تلك الحقبة؟ أين النسويات اللواتي كنّ يحلمن بمشروع النهضة؟

أعتقد أن الجميع كانوا مدجّنين في أطر الأيديولوجيا التي غيّبت أي مشروع نهضوي، حين نجح كل فريق منهم بتغييب كل السوريين الذين وجدوا خارج إطار الأسلاك الشائكة لأيديولوجياتهم التي خنقتهم أولًا، وخنقت البلد لاحقًا، وفي هذا الإطار التاريخي بدأت مسيرة الانحدار التي قادها البعث بجدارة، عبر سلسلة من الانقلابات الداخلية، انتهت بسيطرة آل الأسد على السلطة، وتغييب كل البنى المجتمعية، أو إخصاء من حاول التمرد منها، وهذا ما حصدناه لاحقًا، بعد انطلاقة الثورة السورية، حين لم نجد إلا هياكل مشوهة للمعارضة المتنافسة، التي تتناسل في رحم أيديولوجيات تجاوزها التاريخ، من دون أن تدري كم من المتغيرات جرت خلال فواتها المزمن.

سلطة البعث احتكرت تمثيل كل القوى ومنظمات المجتمع المدني، وأعطت (كوتا) متدنية نسبيًا للنساء، إلا أن قوى وأحزاب المعارضة التي شكلت نسخة متخلفة عن النظام، في كثير من المسائل، عجزت عن مقاربة تلك (الكوتا) الرسمية، وإلا؛ فكيف نفهم أن كل القوى، من اليمين الإسلامي إلى اليسار الماركسي، اتفقت على تهميش عضوية النساء في المجلس الوطني السوري، وفي الائتلاف تاليًا، ولم يكن الوضع في هيئة التنسيق أفضل حالًا، وكذلك الأمر في الهيئة العليا للمفاوضات الأولى ثم الثانية.

المسألة ليس في نسبة تمثيل المرأة في الهيئات السياسية، ونحن نقاتل على نسبة 30 بالمئة، بل حتى تصل إلى أكثر من 50 بالمئة، لكننا ندرك أن هذا ما لم تعطه تمثيلات المعارضة الراهنة؛ ما دفع بعض النسويات إلى اجتراح بديل نسوي سياسي، لكنه لن يغير أكثر من المطالبة ثانية بزيادة التمثيل، في إطر المعارضة التي لن تستجيب، غير أن النسوية السياسية ستخلق إشكالية جديدة، فالسياسة حقل عام يقبل التخصيص في مستوى البرامج والأهداف، لكنه لا يقبل التخصيص بذاته، ولنا أسوة حسنة بفشل أحزاب البروليتاريا العمالية، على الرغم من وجود حامل طبقي، وآخر أيديولوجي أقوى، فكيف بحركات وأحزاب نسوية، لم تكتشف لها حاملًا طبقيًا أو اجتماعيًا، ولم تنجح بتخليق حامل أيديولوجي جامع لها حتى بالمفهوم النسوي؟

في زمن النهوض الوطني؛ قدمت النسوية السورية نماذج رائعة، لأنها كانت جزءًا من مشروع وطني، بعيدًا عن الأطر الأيديولوجية التي غدرت جميعها بالنساء، ففي سورية ظهرت ثلاث صحف نسوية، بين عامي 1910 و1935، بينما لم تعرف سلطة البعث، خلال نصف قرن تقريبًا، إلا مجلة واحدة باسم (المرأة العربية)، صدرت عام 1962 عن الاتحاد النسائي، ولا أحد يعرف شيئا عن مآلها الراهن.

في سورية، قاد الديكتاتور حسني الزعيم انقلابًا عام 1949، لم يدم أكثر من ثلاثة أشهر فقط، لكنه منح المرأة السورية خلالها حق الانتخاب، يوم كان الكثير من نساء أوروبا يناضلن دون هذا الحلم، بل إن دستور 1953 منح المرأة حق الترشح أيضًا.

كما شهد العقدان الثاني والثالث، من القرن المنصرم، ظهور عشرات المنتديات والجمعيات السورية النسائية تحديدًا، وفي كل المدن السورية، في حقول الثقافة والأدب والأعمال الخيرية، فيما أمّم “حزب البعث” كل النشاطات والمنظمات، تحت سيطرة مكتب المنظمات في قيادته القومية.

يمكن أن نسهب كثيرًا في التفاصيل، وباعتقادي أن المجتمع الحي يفرز قوى حية من داخله، والمجتمعات المخصية أيديولوجيا لا يمكنها أن تفرز شيئًا ذا معنى، ففي عشرينيات القرن الماضي، ظهرت عشرات الرائدات اللواتي ناضلن من أجل رفع سوية المرأة، والدفاع عن حقوقها الشخصية والسياسية الخاصة والعامة، رافضات واقع تنميط النساء وفق الأنساق الذكورية المسيطرة؛ فشكّلن -في ذلك الوقت المُبكر- نموذجًا للمثقف العضوي، بالمعنى الذي تحدث عنه “غرامشي” لاحقًا، مُثقف يربط بين وعيه وثقافته وبين ممارسته لخدمة قضايا الناس والمجتمع، إذ ربطت رائدات النسوية، في تلك الفترة، بين نضالهن ضدّ الجهل والتخلف بشكل عام، وبين ضرورات التحرّر والتنوير الديني.

أعود للتأكيد أننا نجادل من داخل إطار التأييد للنسوية السورية، وليس من أي إطار معاد لها، ونحن نصر على المساواة الكاملة بالحقوق والواجبات، لكن هذا لن يتحقق عبر الاستجداء. وكل تمثيلات المعارضة السورية الراهن ما هي إلا تعبيرات وصدى للواقع المتردي، ولذلك لن تستطيع هذه المعارضة البائسة أن تمنح النساء ما ترغب فيه من تمثيل حقيقي، ففاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه. ولن تتخلق لدينا نسوية حقيقية أو نهضوية إلا ضمن مشروع وطني ديمقراطي، يشارك فيه كل السوريات والسوريين، من أجل تغير المعادلة، والذهاب بخيار الديمقراطية الحقيقية إلى دولة المواطنة الجديدة والمساواة الكاملة.