أولوية الأولويات

 

يجري في جنيف، وفي أستانا، وسيجري في سوتشي وغيرها، مناقشات ومفاوضات ومساومات؛ للتوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية، والجميع يعمل بانشغال بالغ على طرح الأولويات التي يجب البدء بها، للتوصل إلى الحل المأمول الذي يوصل سورية إلى دولة آمنة ديمقراطية، يمكن أن يُعاش فيها.

يميل المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا مع التيار، كحرباء تتلون بلون محيطها، ويتأبط عشرات الملفات هو ومساعدوه، ويطرح أولويات ضبابية، لا يمكن لمسها باليد، ويتحدث عن أولوية المصالحات، و”تبويس الشوارب”، ثم أولوية الدستور والانتخابات، ثم عن أولوية الـ “كوتا” النسائية، وضمان أمان الأقليات، ثم عن أولوية تغيير قوانين، وتدوير التسميات، أملًا في أن يُقنع أحدًا ما بنظرياته.

من جهتها، تضع روسيا -بالقسر- أولويات للسوريين وفق مزاجها، لا أحد يضمن نجاعتها ونجاحها، ويقولون إن على رأسها بقاء الأسد، ومؤسسات الدولة بأنواعها، ومحاربة الإرهاب، والقضاء على “المتمردين”، أملًا في أن يركع من يُفترض تركيعه.

أما بلاد العم سام، فلا تضع أولوية غير مكافحة الإرهاب، ودعم ميليشيات انفصالية، وتضع أولوية ثانوية هي أن يبقى الوضع على ما هو عليه، لا تقدّم ولا تأخّر، لا “حل” ولا “لا حل”، أملًا في أن يخسر الجميع؛ وتبقى هي الرابح الوحيد بعد خراب مالطا.

كذلك المعارضة السورية، التي بدأت بعد مؤتمر الرياض -وربما قبله- رحلة التنازلات، صارت تضع في أولوياتها وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، والحفاظ على حقوق الأقليات القومية والدينية والمذهبية، ورفع مشاركة المرأة “وصولًا إلى النصف”، وصون حدود البلاد، والحفاظ على مؤسسات الدولة. بينما تضع الأطراف الأكثر تشددًا فيها أولوية تنحي شخص الأسد عن كرسي الحكم ومعه بعض مساعديه، ممن ارتكب جرائم حرب، وتشكيل “هيئة حاكمة انتقالية”، لم يعد أحد ممن اقترحها يُطالب بها الآن، تقوم بتشكّل لجان، وتلك تُشكّل لجانًا، تضع دستورًا وقوانين وأنظمة للمرحلة الانتقالية، على أمل أن ينزل الوحي، ليحقق لهم ما يطلبون.

ما يُغفله هؤلاء، أو يغضون الطرف عنه، أو يعتقدون أنه أمر ثانوي، أو نتيجة، أو “تحصيل حاصل”، أن النظام السوري والأجهزة الأمنية، بعتادها وعديدها، برؤوسها ومن خلف رؤوسها، بزواريبها وأنفاقها، بمجرميها وفاسديها، كتلة واحدة لا تنفصل، هي النظام والنظام هي، ودون تفكيكها والقضاء عليها جذريًا وإلى الأبد؛ لا يمكن، لا الآن، ولا في المرحلة الانتقالية، ولا ما بعد الانتقالية، تحقيق أي مما سبق؛ وستكون كل الحلول فاشلة لا محالة. والقضاء عليها هو شرط لازم وكاف، للبدء بالانتقال إلى دولة العدالة والحق والقانون، دولة الحريات والديمقراطية، دولة الكرامة واللا ذل.

القضاء على الأجهزة الأمنية يجب أن يكون على رأس أولوية الأولويات، فهي سر النظام وقلبه، وفيها كل أسرار الدولة العميقة، وكل الشرور والخدع والمساومات والصفقات، وهي بيت سر المافيات والميليشيات والتنظيمات الإرهابية، وهي مُحرّكها وسيّدها، وهي صندوق “باندورا” سيئ الصيت، وبإمكانها تدمير أي توافق أو حل أو شبه حل، مهما صغر، ولو فرضه الروس والأميركيون وما بينهما؛ فهي عشّ الدبابير، وموطن رجال الظلام وزوار الليل، والعصب المحرك لكل المؤامرات والدسائس، وظل ملَك الموت الذي سيبقى يحوم في حواري سورية، حتى يُدمّر آخر حجر فيها.