حول آفاق الحل في سورية

 

منذ أن أرسلت جامعة الدول العربية في سورية بعثتها الشهيرة، برئاسة الجنرال السوداني مصطفى الدبي (صديق علي مملوك)، في شباط عام 2012؛ بدأ الحديث عن الحل في سورية، علمًا أن بشار الأسد كان قد أدخل الجيش إلى المدن، في نيسان/ أبريل 2011، وبدأ يدمر ويقصف، إضافة إلى الاعتقالات الواسعة للمدنيين نساء ورجالًا، وخصوصًا ناشطو الثورة الشباب.

توالت المساعي، سواء لإيقاف القتل والقصف، أم للبحث عن مخرج من الوضع اللاإنساني الذي ترافق مع جرائم الأسد. ومنذ بداية الثورة، أعلن بشار أنه يحارب “الإرهاب والتكفيريين”، حتى إن مستشارته السياسية بثينة شعبان زعمت أنها تحذر من “الطائفية”، علمًا أن النظام هو من نشر الفيديوهات المرعبة باللهجة العلوية، لكي يؤجج النعرة الطائفية، وقد نجح، وفشلت الجهود لإيقاف القتل وفتح أي حوار وطني، وحتى البحث عن مفاوضات في أروقة الأمم المتحدة. بالطبع اقترن ذلك بمواقف غير موفقة من المعارضة؛ لأنها كانت كل مرة ترفض الذهاب للمفاوضات، ثم توافق أخيرًا. ولو أن المعارضة وافقت فورًا على قرارات جنيف، في 30 حزيران/ يونيو 2012؛ لكانت الكرة في ملعب النظام، لكن معارضتنا الفاشلة رفضت وظلّت ترفض، دون أن تحقق البديل الأفضل، إلى أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.

لا أقصد من كلامي أنه كان علينا التخلي عن ثوابت الثورة، ولكن من واجب هؤلاء السياسيين الذين يمثلون الثورة أن يتعاملوا مع الأحداث في الساحة الدولية، بعقلية المفاوض السياسي. فالدول العربية -بموقفها الخاطئ الذي لا يحسب موازين القوى الواقعية- رفضت قرار تقسيم فلسطين عام 1947 الذي لو تحقق يومئذ؛ لكانت هناك دولة فلسطينية. وبالطبع نعرف أن الإسرائيليين كانوا أقوى، وسيعرقلون قيام دولة فلسطين، ولكن قوتهم كانت محدودة حينذاك، ويخافون من العرب مجتمعين. حتى إن هزيمة حزيران/ يونيو 1967 لم تكن لتحدث؛ لولا المواقف المغرورة والمتهورة لعبد الناصر ونظام البعث السوري.

منذ مؤتمر (جنيف 1) في 30 حزيران/ يونيو 2012، اتفقت مجموعة عمل مؤلفة من الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وتركيا وجامعة الدول العربية -في مدينة جنيف- على مبادئ مرحلة انتقالية، لكن الأطراف المعنية بالنزاع -من السوريين وغيرهم- اختلفوا على تفسير هذه المبادئ التي لم تشر بوضوح إلى مصير بشار الأسد الذي تطالب المعارضة برحيله. واعتبرت واشنطن أن الاتفاق يفسح المجال أمام مرحلة “ما بعد الأسد”، في حين أكدت موسكو وبكين أن تقرير مصير الأسد يعود إلى السوريين، وهو الأمر الذي تتمسك به الحكومة السورية.

في شباط/ فبراير 2014، بدأت أولى “المفاوضات” في جنيف، بإشراف المبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي، وانتهت بلا مفاوضات، وبلا نتائج تذكر. وشهدنا منذ أيام انتهاء الجولة الثامنة من “مفاوضات” جنيف، التي لم تقدم ولم تؤخر، بل بالعكس، كلما عقدت “مفاوضات”؛ سمعنا بنشاط عسكري محموم من قبل الأسد وداعميه.

يعني، باختصار، أن القاسم المشترك لكل “المفاوضات” هو مقابلات ونقاشات بين المبعوث الأممي، سواء كان كوفي عنان أم الإبراهيمي أم دي ميستورا، وكل وفد على حدة، ولم يلتقِ وفد المعارضة مع وفد النظام -حتى اليوم- ولا مرة. وهذا دليل على أن لدى نظام الأسد خطة واضحة باستغلال المفاوضات، وكل التصريحات حولها، لكسب الوقت والمماطلة، وإلهاء المعارضة والرأي العام السوري والدولي، بأن النظام يؤيد المفاوضات، لكنه ينتقد المعارضة، بحجة أنها غير موحدة تارة، وغير مستعدة تارة، وأن وفدها يضم إرهابيين تارة، وأخيرًا أن بيانها في الرياض يشير إلى رحيل الأسد وإيران. ولا ننسى عدد “الفيتوات” التي اتخذتها روسيا، دفاعًا عن نظام الأسد المجرم وحماية له، لأنها حقيقة تحمي مصالحها الجيوسياسية، وكذلك تستخدم الورقة السورية في منافستها مع الغرب. والنظرية الروسية تقول، وتدعمها معظم الدول العربية: علينا إسقاط الثورة السورية فهي الأخطر في الموضوع. ولذلك اخترعوا لنا (داعش) و(القاعدة)، وشوهوا صورة الثورة، لكي يلمّعوا صورة النظام، ويحموا أنفسهم وكراسيهم ومصالحهم، التي لا تتفق مع مصالح الشعوب. والدليل أن معظم الدول العربية والإقليمية تسير مع الرؤية الروسية، حيال الوضع السوري، التي وضعت أسسها أميركا و(إسرائيل).

أما المعارضة، من المجلس الوطني إلى الائتلاف، ومن ثم الهيئة العليا للتفاوض، فهي تلهث وراء السراب وتنتقد وتشجب، وتنتظر أن يأتي الوحي، ويضغط على النظام، ويجبره على التفاوض المباشر. ولكن، لدى النظام وحي روسي وإيراني، يقول له اصبر وماطل، ريثما ننجز مهماتنا على الأرض، ونفرض في النهاية شروطنا على المعارضة وعلى العالم.

ما هي عقلية المفاوضين، ولماذا لا يصرحون للشعب السوري بأنهم مقتنعون بعدم جدوى المفاوضات، سواء في جنيف أم أستانا أم في أي مكان آخر، وأن الحل يرسمه اللاعبون الكبار في المكاتب السرية، وليس في جنيف، في وقت نسمع فيه بالتفاهمات والبيانات المشتركة الروسية الأميركية، وكأنها تأتي فجأة، بدءًا من تفاهم سوتشي، بين كيري وبوتين ولافروف، في 2014 الذي بدأ منه العد التنازلي في وضوح الموقف الأميركي، حيث سلم الملف السوري لروسيا، وحتى بيان فيتنام منذ أشهر.

فرحت روسيا بتلك التفاهمات، واعتمد الأميركيون -كذبًا- سياسة النأي عن النفس. وبرأيي، إن الأميركيين ورطوا الروس في سورية، بتدخلهم العسكري في 30 أيلول 2015، لأن الروس اعتقدوا -كما صرح كبار المسؤولين- أنهم سينهون المشكلة خلال 3 أشهر، ومرت أكثر من سنتين، ولم يكملوا المهمة. فما زالت أمام روسيا تحديات خطيرة تتعلق بكيفية لملمة الوضع، والبدء بعملية سياسية ما، لكي تعلن روسيا أنها حلت “الأزمة السورية”؛ وعندها يعلن الرئيس الروسي انتصاره الكبير، ويقول للمواطنين الروس: لقد انتصرت في سورية، ويتجه بثقة المنتصر إلى الانتخابات الرئاسية لفترة رابعة، في آذار/ مارس 2018.

لكن الأميركيين يلعبون مع بوتين لعبةً خبيثةً، فهم يشجعونه على التورط، ومن جهة أخرى يزيدون العقوبات الاقتصادية على الشركات الروسية النفطية والعسكرية منها، وكذلك على الشخصيات الرسمية ورجال الأعمال، لكي يضغطوا على اليد التي توجع الرئيس بوتين، والوضع الداخلي يزداد سوءًا. ونتابع في هذه الأيام التحقيقات التي تجري في أميركا، مع مستشاري ترامب الذين اعترفوا باتصالات، بينهم وبين ممثلين عن القيادة الروسية، بوساطة مسؤولين عرب وغيرهم، قبل انتخابات الرئاسة الأميركية؛ الأمر الذي يوحي بدعم روسي لفوز ترامب، وبالتالي؛ فإن الكونغرس -على ما يبدو- سيصدر، خلال أشهر قليلة، قائمةً بأهم الشخصيات الروسية من مسؤولين وكبار رجال الأعمال (يُقال عددهم 60 شخصًا) المتورطين بالفساد وغسيل الأموال والتهرب من الضرائب، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، إلكترونيًا وماليًا وإعلاميًا. وبكل تأكيد، ستحدِث العقوبات القادمة تأثيرًا حقيقيًا في أوساط النخبة الروسية، عدا عن تأثيرها على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي بشكل عام.

ليس لدينا وهمٌ بأن أي حل في سورية يرتبط بإرادة دولتين أساسيتين هما أميركا وروسيا، وما سواهم يتبع هاتين القوتين. ولكن ظروف الحل النهائي في سورية لم تنضج بعد، من وجهة نظر هؤلاء اللاعبين؛ فالحصار الوحشي على الغوطة الشرقية قد لا يكون آخر الكوارث في سورية، ويراد منه كسر إرادة السوريين وتخليهم عن مطالبهم في الحرية والكرامة، والاعتراف بشرعية المجرم بشار قاتل الأطفال، وبائع البلاد للمحتلين، لقاء إنقاذه من القصاص العادل وتبرئته من الجرائم.

من يعتقد أن روسيا وإيران وأميركا سيجبرون بشار الأسد على الرحيل؛ فهو واهم، ومن يعتقد أن الأسد سيرحل بشكل سياسي، فهو واهم، ومن يعتقد أن لدى الشعب السوري أصدقاء؛ فهو واهم.

مصير بلادنا ونظامها السياسي، في المرحلة القريبة القادمة، مرهون بإرادة هؤلاء اللاعبين الدوليين والإقليميين، وكلهم اتفقوا على الإبقاء على نظام الأسد المجرم.

لكن، ماذا علينا أن نفعل -كوطنيين سوريين، لا كمعارضة- أمام هذا التحدي المصيري، حيث يقررون مصير وطننا الجريح، دون أخذ رأي السوريين، ودون معالجة لأي سبب من الأسباب التي أدت إلى الثورة، ودون احترام لإرادة الشعب السوري ومعاناته وتضحياته الإنسانية الهائلة من أجل حريته، ومن أجل مجتمع يشعر فيه كل السوريين، من دون استثناء، بأنهم مواطنون حقيقيون في وطنهم.

لا يوجد أمامنا سوى طريق واحد، هو العمل السياسي الوطني الحقيقي المستقل، وذلك بتجميع كافة القوى والنخب الوطنية في الداخل والخارج، والتمسك بثوابت الثورة، لأنها مطالب محقة ومشروعة وعادلة، ولا يحق لأيٍ كان التنازل عن تلك الثوابت، ولا يحق لأي إنسان -مهما كانت صفته في هياكل المعارضة- بيع دماء الشهداء.

سورية تستحق الحرية. وليس أمامنا -السوريين- سوى التمسك بحقوق شعبنا، ولو طال الزمن، ولو طال عمر الظلم، فلكل نظام ديكتاتوري شمولي يومٌ ينهار فيه، وتبزغ فيه شمس الحرية.