تسوية أم عملية انتقال سياسي في سورية؟

 

تدخل المسألة السورية منعطفًا سياسيًا جديدًا، مع انطلاق جولة جديدة من مفاوضات جنيف، بين وفد المعارضة الذي يطالب بتطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي، التي تنص على عملية انتقال سياسي في سورية، والنظام الساعي -دائمًا- إلى إفشال هذه المفاوضات، مستندًا إلى دعم روسي وإيراني، وعدم اتخاذ الإدارة الأميركية موقفًا حازمًا -بعد- يدفع النظام إلى الدخول في مفاوضات جادة.

وبعد أن دعا المبعوث الدولي دي ميستورا الجانبين، ممثلي النظام والمعارضة، للتحلّي بالواقعية وروح المسؤولية تجاه الشعب السوري، والمشاركة في المفاوضات من دون شروط مسبقة، وبعد أن حذّر من أوهام تحقيق النصر أو أحلام الالتفاف على العملية السياسية؛ يحق لنا أن نتساءل: هل نحن إزاء انخراط أممي حقيقي من أجل تطبيق قرارات الشرعية الدولية، التي تقتضي انتقالًا سياسيًا من الاستبداد إلى الديمقراطية، أم إننا إزاء تسوية سياسية روسية الصنع، تؤدي إلى حكومة وحدة وطنية، تحت سقف سلطة آل الأسد التي أوصلت سورية إلى الكارثة الإنسانية، حسب توصيف الأمم المتحدة؟

مما يستوجب السؤالين السابقين، ما أبدته سلطة آل الأسد من استياء، بعد قراءتها بيان اجتماع (الرياض 2)، خصوصًا عبارة “سقف المفاوضات رحيل بشار الأسد عند بدء المرحلة الانتقالية”، لذلك تلكأت في إرسال وفدها المفاوض إلى اجتماع (جنيف 8)، ورفضت المفاوضات المباشرة.

من هنا؛ فإنّ قرار مجلس الأمن الدولي 2254 يجب ألا يُستخف به، كما تعوّد الكثيرون في التعامل مع قرارات المنظمة الدولية، إذ يبدو أنّ المسار العام لتطور المواقف الدولية، بعد التصريحات الأميركية والبريطانية والألمانية في جنيف، والمحاولة الفرنسية لإحياء فكرة “مجموعة الاتصال الدولية”، يؤشر إلى متغيّرات مقبلة في المسألة السورية، وتعزيز قوة الدفع الدولية للبدء بمرحلة انتقالية جدّية، بعيدًا عن مصادرة روسيا للحل.

وهكذا، يجب البناء على قرار مجلس الأمن 2254، والاستفادة القصوى من التوافق الإقليمي والدولي الذي حصل عليه، ولئن كانت صياغته تمت بتوافق أميركي – روسي؛ فإن ثمة دولًا عديدة، في أوروبا وحول العالم، تدعم حقوق الشعب السوري، وترفض استمرار بشار الأسد في السلطة، ويمكنها أن تقدم دعمًا جدّيًا للمعارضة السورية الموحدة.

لذلك؛ يجدر بالمعارضة أن تَدَعَ الأسد يرفض، وأن تتخذ هي مواقف غير عدمية، قد تفتح الأفق أمام تحقيق أهداف الشعب السوري في الحرية والكرامة. ولعلَّ الخلاف بين حلفاء الأسد الإيرانيين والروس سيرسم المصير البائس له، طالما أنّ مصيره سيبقى لدى الروس في دائرة “الغموض البنّاء”.

في الواقع، لا يُتوقع أن يكون مسار المفاوضات سهلًا وسلسًا، وذلك لعدة أسباب، منها رفض سلطة آل الأسد لأي عملية سياسية جدية تؤدي إلى إقصائها عن السلطة، إضافة إلى أنّ المسألة السورية، بكل تناقضاتها وتشعباتها، أصبحت مسرحًا لكل التناقضات المحلية والإقليمية والدولية. وهو ما يفترض تشكيل الإدارة الدولية للمرحلة الانتقالية بقرار يتبلور في مجلس الأمن الدولي، بإرسال قوات دولية تكون الأداة الفاعلة لإدارة عملية الانتقال السياسي.

بين كل الاحتمالات، يبدو أنّ مآل الحل الواقعي والمنطقي، الذي يتفق مع مصلحة السوريين، هو السعي لإنهاء الوضع الكارثي بحل سياسي تفاوضي، يقيم حكمًا انتقاليًا بكامل الصلاحيات التنفيذية، بالتشارك بين من لم تتلطخ أياديهم بدماء السوريين من أهل النظام وممثلي المعارضة السورية، يوقف المقتلة السورية نهائيًا، ويقود عملية انتقالية تؤدي إلى دستور جديد وانتخابات تشريعية ورئاسية، وعودة المهجَّرين، وإعادة الإعمار، والاحتكام إلى عملية سياسية ديمقراطية.

لا شك أنّ الحلول التي تُبنى على أساس التوازنات الإقليمية والدولية هي، بالضرورة، حلول مؤقتة، لا تحقق الاستقرار الدائم. ويُفترض بالمعارضة العمل جدّيًا على خلق دينامية سورية داخلية للحل، بعد أن اعتمدت، طوال السنوات الماضية، على ما يقدمه الخارج من تصوّرات ومبادرات.

بناء على ما تقدم؛ يبقى العامل الذاتي الوطني حجر الأساس في أيِّ تعامل مع المبادرات والجهود التي تقارب المسألة السورية، فمن دون مركز سياسي متماسك للمعارضة، يمتلك رؤية واضحة لمستقبل سورية، مطمئنة لسائر المكوِّنات السورية، على قاعدة احترام الحقوق والخصوصيات، وتكون بعيدة كل البعد من التعصب والتطرف، وتأخذ في اعتبارها المعادلات الإقليمية والدولية، وتؤكد للجميع أنّ سورية المستقبل ستكون عامل استقرار وانسجام لمصلحة الجميع؛ ستبقى الأمور عائمة، مفتوحة على غير ما هو منشود.

يستدعي هذا -قبل أي شيء آخر- العودةَ إلى ذاتنا، واستعادة روح الثورة والمبادئ التي كانت تمثلها، في الحرية والكرامة وحق الشعب السوري في تقرير مصيره، ورفض المساومة على القضية التي ضحَّى من أجلها ملايين السوريين، بعضهم بأرواحه وبعضهم بمستقبله وكل ما يملك، فمن دون إحياء روح الثورة من جديد، وتعميم إشعاعها في قلوب أغلب السوريين؛ لن يبقى هناك أيُّ أمل للانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية.

في سياق مواجهة التحديات والمخاطر المقبلة، وهي عديدة وعلى المستويات كافة، ينبغي على المركز الجامع للمعارضة السورية الانتباه إلى نقطة مركزية، وهي أنّ هناك حاجة عالمية إلى دور سوري، مهما بلغت شدّة التدخلات الخارجية والإقليمية، المعوّقة والسلبية، فمن دون هذا الدور، لا يوجد حل دائم، يضمن الأمن والسلام في الشرق الأوسط والعالم، ولا يمكن تغطية هذا الحل برعاية الدول، وهذا يعني عدم التفريط بأساسيات الحل المقبول.