صراع “الهويات” السورية

 

لعقود طويلة، لم تظهر إشكالية “هوياتية” سورية، كان بعضها مغطّى بالخوف، أو يدور في حلقات ضيقة، بخاصة لدى المكوّنات القومية غير العربية، وبشكل أخص عند الإخوة الأكراد الذين طالما عبّروا، من خلال أحزابهم وحراكهم، عن رفض إلزامهم بالخضوع لهوية مغايرة لهويتهم.

كانت “العربية” هي الهوية العامة المُرسّمة، والتي تعتمد على صعيد واسع، ولا شكّ أن “البعث”، بفكره القومي، وردّات فعله على التجزئة، وبعض تنظيرات عدد من بارزيه عن الأصول العربية لعدد من الإثنيات غير العربية، كالأمازيغ والأكراد والسريان الآشوريين، وتأكيده على الأمة العربية الواحدة من المحيط إلى الخليج، والدعوة إلى توحيدها، قد طمس الهويات الأخرى، ولم يعترف بمعظمها، أو أنه تعامل معها بالجبر والإلحاق دون تمييز بينها، في أصولها وطموحاتها ومطالبها، مع ما شاب مسيرة الحكم من عنصرية وظلم لمعظم المكوّنات غير العربية، والتي تظهر فيها الحالة الكردية بشكل أبرز، بخاصة أن الأحزاب الكردية عملت على توظيفها وإبرازها، إلى درجة خلق ما يُعرف بالمظلومية التي يمكن استثمارها بما يتجاوز وقائعها، وعلى الرغم من أنه اعترف في العقود الأخيرة ببعض التمايزات للإثنية الكردية، بفعل بلوراتها ووجود حراك قوي لأبنائها ودعم دولي لها، لكنّه ظلّ في جوهره لا يعترف بالحقوق الطبيعية والقومية لتلك الإثنيات، وكان التعبير الدارج للسوري بأنه عربي سوري، ووضع العربي قبل السوري، وأحيانًا على حساب الوطنية السورية، لا يراعي مشاعر غير العرب.

لنقل إن الاستبداد المكين لا يمكن أن يحل إشكالات المجتمعات متعددة المكوّنات، إثنية كانت أم دينية ومذهبية، قد ينجح في قمع حراكها، وفي محاولات تعليبها في أقانيم خاصة، لكنه يبقي جذوتها مشتعلة، تنتظر أي فرصة سانحة ليس للتعبير وحسب، بل التفجّر.

إن سياسات النظام، عبر العقود المرتكزة على نهج الأحادية ودمج الدولة بالنظام، وإخضاعها لمشيئة الفرد الكلي الصلاحيات، ارتكزت على ضعضعة بنية المجتمع وتفكيكه، وإعادة صياغته وفق منظوماتها التي ترمي إلى الإضعاف، وإحداث شروخات كبيرة داخله، وزعزعة التعايش القائم على التفاعل والتناغم للإمساك بمفاصل المجتمع والتلاعب بمفردات مكوّناته، بما في ذلك مسألة الهوية ومنسوب القسر فيها.

لقد فجّرت الثورة خزين السوري، بكل ما في قاع المجتمع من مركّبات وتناقضات، وكانت الهوية من أبرزها.

يرفض الأكراد، بأغلبيتهم الساحقة، أن تكون العربية هوية الدولة، لذلك يُطالبون بشطبها من اسم الجمهورية وجميع الوثائق، أكثر من ذلك، فقد اعترضوا على موقع سورية من الوطن العربي كجزء منه، وفي حين يطرح البعض الوطنية السورية هوية جامعة، فإن عديد الأكراد المنظّمين في أحزاب كردية يتمسكون بهوية كردية تبدو مستقلة عن الهوية السورية، وبعضهم لا يُخفي نزعاته الاستقلالية، والمطالبة بما أكبر بكثير من الحقوق الكاملة إلى الاستقلال، واعتبار “كردستان الغربية” جزءًا من “كردستان الكلية”، كوطن قومي للأكراد.

التركمان الذين لم تظهر عندهم نزوعات هوياتية مبلورة، يطرحون اليوم أنفسهم، كقومية مظلومة لها حقوقها القومية الخاصة، كما أن الأثوريين – الآشوريين الذين هم من أقدم مكونات سورية، لهم مطالبهم الخاصة القومية، ينسحب ذلك على عديد الإثنيات الصغيرة المتواجدة، كالشركس والشيشان والأرمن، بما فيهم من وَفَد من زمن قريب.

لا يقتصر صراع الهويات اليوم على الجانب الإثني، بل هناك “انبعاث” لشتى المفردات، إن كانت دينية أو مذهبية أو قبائلية وعشائرية وجهوية وحتى عائلية، بما يُشكّل حالة اختلاطية تبدو متعارضة والوحدة الوطنية، أو الاتفاق على هوية جامعة.

في واقع الحال، ورغم الاتفاق العام -النظري- على الوحدة الوطنية، والانتماء إلى سورية وطنًا وهوية جامعة، والبعض لا يتوقف عن تكرار الشعارات العروبية، فإن تصاعد الإشكالية الهوياتية، وتوظيفها خدمةً لأهداف سياسية، أو تحصيل مواقع في سباق احتلال مكان، أو منصب هنا وهناك، وفق فوران الحالة السورية، وحالة النهم على التنافس والتسابق، ورفض الآخر، جميعها تُشكّل معوقات فعلية تهدد الوحدة الوطنية بشروخات متعددة.

لعل أخطر تلك الشروخ تلك المذهبية التي تقسم المجتمع عموديًا، وتدفع إلى أنواع من الحروب الأهلية، بخاصة بين السنة والشيعة، وقوعًا في مخططات النظام، وخروج تنظيرات غريبة عن هويات مذهبية، في حين أن التموضعات في الجبهة المؤيدة للنظام، أو المضطرة إلى التعايش معه، بخاصة في الطائفة العلوية، تمثل خطرًا ماثلًا على الهوية الوطنية، ومستقبل البلاد، وبما يستدعي وضع حلول واقعية منذ الآن باتجاه رفع الوعي بالوطنية السورية إطارًا رئيسًا جامعًا، وأن جميع “الهويات” الفرعية يجب أن تكون مصدر غنى وتنوّع، وليست سدًّا مانعًا، أو حالة كيانية مغلقة.

إن معالجة أمر الهويات الفرعية يحتاج إلى وضع خطط عمل جدّية، عبر خطاب منفتح، يتجه إلى جميع فئات الشعب السوري بغض النظر عن مواقعهم الحالية، وما يمثلون من مكوّنات، ونخص بالذكر ما يعرف بـ “الكتلة الصامتة” عمومًا، والطائفة العلوية خصوصًا، ورفض منطق الثأر والاستئصال، فضلًا عن التوصيفات والتصنيفات بالجملة التي تطلق أحكامًا عشوائية على كتل بشرية ومكونات تعدادها يتجاوز الملايين، واعتبارها كتلة واحدة صمّاء، وعملاء، أو تابعين للنظام.

الوطنية السورية، حين تصبح وعاء استيعاب جميع مكوّنات المجتمع، وتنفتح على الجميع وفق أسس المواطنية المتساوية؛ يمكنها أن تضع “الهويات” الفرعية في ذلك الإطار، وتعمل على تخصيبها عطاءً، وتنوعًا تحمي الوحدة الوطنية، وتحصّنها من جميع الأخطار.