حيادية العمل المدني بين الطهرانية والخوف

في لقاء سياسي بامتياز، توجهتُ بالحديث إلى سيدة عربية، أتت من بلدٍ عرف انقلابًا عسكريًا على الشرعية المنتخبة، عاد بالبلاد إلى عهد استبدادي أشد وطأة من العهد الذي انقلبت عليه ثورته المجهضة. استمعَت السيدة إلى بعضٍ من كلماتي ثم توجهَت إليّ بالرد التالي: أنا أعمل في المجتمع المدني، ولا علاقة لي بالسياسة، ولدي تعليمات “عائلية”، بعدم التحدث بالسياسة.
خوفٌ قابل للفهم، وخصوصًا إن علمنا أنّ بلدَها يعرف نظامًا قمعيًا يقوم بحملات اعتقال عشوائية، ويزج بكل معارضيه في السجون، بعد محاكمات صورية جماعية أو من دونها، وأن عددًا من باحثيه وصحفييه يقبعون خلف القضبان، بتهم سوريالية، في حين يعيث الإرهابيون فسادًا من دون قلق من قوة هذا النظام “الغاشمة”، كما يسميها رأسه، بجهل أو بلا جهل بمعناها.
من جهة أخرى، يقوم بعض الباحثين الأكاديميين والناشطين في المجتمع المدني نفسه -دون أن يكونوا معنيين بالخوف ومصادره ومآلاته- بتطوير خطاب طهراني يُبعد المجتمع المدني عن المشهد السياسي نائين به عن أي انشغال أو تقاطع مع العمل السياسي. وهذا الموقف، بصعوبة قصوى، ربما يصحّ في حالة المجتمعات الديمقراطية التي تجاوزت مرحلة النمو المتعثر سياسيًا، على الأقل؛ فيكون المجتمع المدني بعيدًا إلى حدِّ ما من النشاط السياسي ومن الأحزاب السياسية. أما في مجتمعات عانت -وما تزال- من ضيم أنظمتها المستبدة في المطلق أو في النسبي، في الظاهر أو في المخفي؛ فالفصل الطهراني هذا يصبح مغلوطًا ومرفوضًا.
في سورية، كان التعبير بحد ذاته مُحرّمًا لفظه، قبل منتصف الألفية الثانية، بحيث يتبنى مسؤولوه مفهوم “المجتمع الأهلي” للإشارة إلى جمعيات تنشط بشكل مؤطر، في المجال الخيري، أو ما أنشؤوه هم من جمعيات غير حكومية شديدة الارتباط -أمنيًا أو إداريًا- بمراكز القوة المهيمنة في البلاد. وعندما انطلقت بعض المحاولات للخروج من عنق زجاجة الاستبداد، في بدايات ربيع دمشق الموءود؛ لم يمنع أصحابها أنفسهم من اعتبارها “لجانًا لإحياء المجتمع المدني” السوري الذي أدخله تعاقب الاستبداد والقمع في حالة موت سريري، منذ البدء في مشروع الوحدة مع مصر سنة 1958، مع استثناء فترة قصيرة فصلت بين نهاية الوحدة الفاشلة سنة 1961، ووصول “حزب البعث” بعسكرييه إلى الحكم سنة 1963. وقد عرف تطور الفكر والممارسة السلطويين اختراع تسميات جديدة، تؤطر لكل مكونات المجتمع، وتبعدها عن أي مشروع مدني وطني جامع؛ فصارت سورية تذخر بالمنظمات الديمقراطية الشعبية، تيّمنًا بتجربة كوريا الشمالية شديدة الديمقراطية، كما يعلم القاصي والداني.
في مرحلة لاحقة، صار للخيري من العمل المدني أن ينشط في ظل تأطير بيروقراطي وأمني لصيق مع ذلك. وارتبط أغلبه بالمؤسسات الدينية الرسمية المرضي عن خطابها وعملها، والتي تخضع في تفاصيل نشاطاتها إلى قسم أمني مخصص لها، لا يفوته متابعة الشاردة، ولا ينأى بنفسه عن تفتيش الواردة. ومن ثم؛ فطنت الجهات الحاكمة إلى أن الحديث عن المجتمع المدني يُدخلها في ممر القبول الدولي، ويحصل لها على ما تخصصه المعونات الأجنبية من دعم لهذا المجتمع المدني في دول الجنوب، كي ينمو ويساعد في تطوير المشهد العام. فقامت الأجهزة المختصة بإنشاء المنظمات غير الحكومية شديدة الحكومية ارتباطًا وعقيدةً وأداءً. من خلالها، وعبر تواطؤ بيروقراطي من المانحين، استقطبت هذه المنظمات جُلّ التمويل الذي بدأت تباشيره الأوروبية تهلّ على دول الجنوب، منذ انطلاق مسار برشلونة سنة 1995.
إثر اندلاع الانتفاضة الشعبية في سورية سنة 2011؛ شعر جُل السوريين بفقدانهم دور المجتمع المدني الحقيقي والمستقل، الذي سرعان ما انبثق من تحت الردم. وانتشرت مئات المنظمات في مختلف المجالات تحبو وتتعثّر وتتقدّم؛ واستعاد السوريون، أو بعضهم، معنى المسؤولية المجتمعية وصاروا ناشطين، كُلّ في مجاله أو في غير مجاله.
إن الحديث عن حيادية المجتمع المدني يصّح أيضًا –نسبيًا- في مجتمعات متقدمة، تكون فيها الممارسة السياسية متعافية. أما محاولة فرض تبني موضوع حيادية المجتمع المدني بين جلاد وضحية، بين مُستَغِلّ ومُستَغَلّ، بين غاصب ومُحتَلّ، فيبدو أنها ليست بريئة للغاية. فالمجتمع المدني يؤمن، أو يُفترض أن يؤمن، بمبادئ الحرية والعدالة والمساواة، ولا يحمل ترف الحيادية تجاه هذه المبادئ، على الأقل.