مذبحة سيناء.. قراءة في الجذور

 

تم الإعلان رسميًا أن ضحايا التفجير في سيناء بلغوا 305 شهداء، ومثل ذلك من الجرحى!! والمسجد المستهدف هو مركز الطريقة الصوفية الأحمدية الجريرية التي تنشط في سيناء، وتدعو إلى الذكر والتزكية، وتقوم بتنظيم زيارات للأولياء والأضرحة والمشاهد.

في العام الماضي، قامت (داعش) باختطاف شيخ المسجد المنكوب الشيح سليمان أبو حراز، وهو شيخ ضرير يبلغ من العمر نحو 95 عامًا من منزله في العريش بمصر، ثم قامت بإعدامه بالسيف، بوصفه كاهنًا ضالًا مرتدًا عن التوحيد، وتوعدت أتباعه بأنهم سيلقون المصير نفسه؛ إذا هم لم يعودوا إلى التوحيد ويتخلوا عن هذه “الشركيات”!

التفسير المريح لما جرى هو أنه مؤامرة صهيونية أميركية إسرائيلية، لتشويه الإسلام، وأن هؤلاء القتلة هم مرتزقة في المخابرات الأميركية والبريطانية، يتم تجنيدهم بهدف تشويه الإسلام. ومع أنني لا أستبعد دور الوكالات المخابراتية في دعم حركات متوحشة، على سبيل التخادم، ولكن المسؤولية التي يتحملها رجال الفكر والقلم لا تتوقف أبدًا عند هذه الافتراضات.

كيف تم إقناع هؤلاء القساة بارتكاب القتل، بهذه البشاعة؟ وكيف أمكن لهؤلاء أن يفكروا بهذه الطريقة الدموية؟ قناعتي أنهم حصاد تعليم بائس، ما تزال تعلمه مدارسنا ومساجدنا من دون أدنى انتباه لما يمكن أن يؤسسه من ثقافة التطرف.

لا يحتاج الأصولي إلى أن يوافق على أن أتباع الطريقة الصوفية الجرارية في العريش “كفار” مرتدون، ينطبق عليهم حدّ الله الذي أمر به رسوله، بعد أن ارتكبوا عددًا من نواقض الإسلام، ومن دون تردد ستجد ثلاثة على الأقل من النواقض الشركية التي حددها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومنها: “الحكم بغير ما أنزل الله”. و”بناء المساجد على القبور وتعظيمها وزيارتها”. و”التوسل بغير الله تعالى”.

هذه “النواقض” -بلا شك- نازلة بالقوم، ويمارسها كل أفراد هذه القرية بلا تردد، منذ عشرات السنين، بل يعدّونها طاعة وعبادة، ويشاركون في الاحتفالات “الشركية” التي يقيمها شيوخ المتصوفة، وبذلك فإن الجميع يستحقون حد الردة، ولو صلوا، وصاموا، وزعموا أنهم من المسلمين!

هكذا على الأقل يقرؤها المجاهد الداعشي البسيط الذي يعمل ليل نهار، لعودة الخلافة وتنفيذ حدود الله، والحكم بما شرع الله، والذي أجزم أنه لا يعرف شيئًا عن تآمر مشغليه مع الوكالات الاستخبارية الدولية.

حتى ندرك أن المسالة ليست خطة تعدها الـ (سي آي إي) ولا الـ (كي جي بي) ولا الموساد، يكفي أن نتذكر أن السيف الجهادي نفسه مارس الشيء نفسه، قبل أن تخلق هذه الوكالات وأشباهها، ومضى إلى إقامة حدود الله، وتحت هذه الراية، قُتِل عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وهما صهرا النبي الكريم وخليفتاه، وكان القاتل يردد بعد كل قتل: اللهم تقبل مني جهادي فيك، وفي سبيلك، ودفاعي عن دينك!

إنها الكلمات نفسها التي قالها قتلةُ الخلفاء من الصحابة، بعد أن اعتبروهم مرتدين يستحقون القتل، وهو ما قاله محمد بن أبي بكر يوم قتل عثمان، وقالها ابن ملجم، يوم قتل عليًا، وهو ما قاله كل المجاهدين الذين طبقوا حد الردة، كما نقرؤه ونشرحه وندرسه، في مدارسنا، منذ ألف عام. وفي الثناء على قاتل عليّ بن أبي طالب، كتب عمران بن حطان (وهو، بالمناسبة، من رجال البخاري):

يا ضربةً من تقيّ ما أراد بها    إلا ليبلغَ من ذي العرش رضوانًا

إني لأذكـــــره يومــــًـــا فأحسبــُـــه     أوفى البريـــــــة، عنــــــد الله، ميزانـــًا

لا يمكن أبدًا التقليل من خطر هذا التعليم الأبله. وأذكر أني كتبت، قبل شهور، لشيخ الأزهر عن مقرر دراسي، طُبع في الأزهر عام 2016 يروي حديث: إذا امتنعت القرية عن الآذان؛ وجب قتالهم، وأن المقاتلين لهذه القرية مجاهدون مأجورون في سبيل الله. وبدلًا من أن تستجيب إدارة الأزهر لهذا المطلب؛ تلقيت علقة ساخنة من وكيل الأزهر الشيخ عباس شومان، على أساس أن هذه الرواية من الثوابت، وأن حد الردة حُكم الله، وأننا مأمورون بتنفيذه، ولن نتركه إرضاء للغرب!!

تتحدث المؤسسات الإسلامية كلها عن التنوير والتجديد والوسطية، وتعلن تأييد المنهج الإصلاحي للشيخ محمد عبده، ومحمد إقبال، ومالك بن نبي، وتقيم هذه الجامعات والمعاهد مؤتمرات متعاقبة للفكر الوسطي والتنويري ومحاربة التطرف، ولكن لا شيء يتغير على الأرض. وما لم نمارس نقدًا مباشرًا للمشكلة من الجذور؛ فلن يتغير شيء. إن المسألة لا تتصل فقط بخطاب العنف بل إن نظامنا العقلي برمته يحتاج إلى مراقبة ومتابعة، وهي أمور يجب متابعتها على كل مستويات التعليم والتوجيه.

حين يروي الخطيب على المنبر، وهو غاضب نزق، حديثًا مثل حديث: “لعن الله النامصة والمتنمصة”؛ فإننا نكرس في نفوس أطفالنا أن هناك شخصًا ما يستحق الاحتقار واللعن والحساب العقاب وجهنم وبئس المصير وغضب الله ورسوله في الدنيا والآخرة، والجريمة التي قامت بها هذه المرأة أنها نمصت شعرها! وحين نقبل أن ينسب موقفٌ -كهذا- إلى رسول الله؛ فهذا يعني -تلقائيًا- أننا نؤسس خطابًا عنيفًا من الكراهية، وما إن تحين الفرصة، حتى ينفلت هذا الجنون من عقاله، ويبسط سيف الله على من لعنهم رسول الله. حتى الآن، لم نقف بشجاعة لمراجعة هذا الأسلوب من التوجيه، وبيان تناقضه التام لمذهب الرسول والرسالة، وإساءته المباشرة لشخص الرسول الكريم.

النص يلعن امرأة لمجرد أنها تزينت! مع أن “الله جميل يجب الجمال”، والمؤمن لا يكون لعانًا ولا فاحشًا، والرسول الكريم من أعظم الناس أخلاقًا وأدبًا، والمسألة -على افتراض تحريمها- هي من الصغائر التي لا يلزم معها عذاب ولا عقاب!

قد تبدو هذه القراءة مبالغة متهورة، وسيقول لي قائل: وهل كل من درس هذه الروايات صار متطرفًا؟ أنت أيضًا درست هذه المناهج، فلماذا لم تلتحق بحركات الجهاد العنيفة؟

في الواقع، إنني على يقين أنه ليس في المدارس الشرعية واحد بالمئة، ممن يوافق على استخدام العنف في تطبيق الحدود، ولكنني أتحدث بالضبط عن هذا الواحد بالمئة، ولو سلمنا أنهم واحد بالمئة؛ فنحن نتحدث عن مئة ألف مستعد للعمل العنيف في العالم الإسلامي، وقد رأينا منهم بأعيننا عشرات الآلاف يمارسون تمامًا ما تعلموه.

لقد أحدثت هذه التفجيرات مآسيها الرهيبة في أذهان جيل منكوب، لن ينسى ذلك أبد الدهر، ولكن هل أحدثت هذه التفجيرات الصدمة المطلوبة أيضًا، في الوعي بمصادر ثقافة الكراهية والعمل العنيف والعمل على مواجهتها، مهما كانت متدثرة بعباءة الوحي وفقه السلف ومعالم التوحيد؟

(*) الصورة: إعدام الشيخ سليمان أبو حراز شيخ الطريقة الأحمدية في سيناء 13/ 11/ 2016