الخيار السوري بين النظام أو المعارضة أو البلد

 

بات واضحًا أنّ البراغماتية الدولية المبتذلة التي سمحت للإيرانيين، وللروس من بعدهم، بأن ينفذوا اعتداءً إجراميًا على الشعب السوري، وينقذوا نظامًا لم يكتف بتدمير سورية أرضًا وشعبًا، حاضرًا ومستقبلًا، بل أحدَث شرخًا كبيرًا بصراعات سياسية، تتغذى من جذور مذهبية متعينة، في كامل المنطقة العربية وامتداداتها الإقليمية، حتى تفاقمت وأخذت تؤشر إلى دمار الحاضر والمستقبل، عبر الصراعات المتعددة الرؤوس -عربيًا وإقليميًا ودوليًا- وكلها تضع العالم على شفا انفجار حاد، تدفع تكاليفه شعوب المنطقة كلها، ولا يستثمر فيه سوى اللاعبين الكبار، وإن كنا نحن -السوريين- أول الذين دفعوا، وأول المرشحين لدفع أفدح أثمانه، منذ أن قادنا الروس وشركاؤهم مكتوفي الأيدي إلى خيار وحيد يشبه الانتحار؛ فصار لزامًا علينا أن نختار مرغمين باسم هذه التوافقات، ونتيجة لهذه المقايضات التركية التي استدرجت الفصائل العسكرية المرتهنة لها أصلًا طائعة إلى أحضان روسيا، وتركتهم عارين أمام القبضة الروسية، من دون أن تعمل أو أن تتمكن من حمايتهم أو تقوية مواقفهم، في مواجهة الهجمة الدبلوماسية الروسية الشرسة في آستانا، وما تجلى عنها من توافقات، فرضت نفسها كأمر واقع، على الرغم مما تنطوي عليه من ألغام موقوتة، أقلها ما ينذر بالتقسيم أو تقاسم النفوذ، مع تحييد الحصة الأهم والأجدى للروس، وتخويلهم بالإشراف الكامل على الساحة السورية المقسمة إلى مناطق “خفض التوتر” التي تبيّن أنها لا تعني سوى تمكّن الروس والنظام من خلفهم، وإيران وتركيا كل من جهته، من الدخول الآمن إلى المنطقة التي تعنيه، وتترجم مصالحه، وترسم حدود دوره في الخارطة السورية الذبيحة.

أقدر أن الروس، في غمرة بهجتهم بالاستفراد والتحالف ورسم الحدود والمصالح، قد وقعوا في فخ خديعة التناوم الأميركية؛ فراحوا يكشفون أوراقهم ومخططاتهم كاملة، وكأنهم فعلًا اللاعبون الوحيدون في الساحة السورية، حتى استحقوا ما يشبه الإنذار الأميركي الفرنسي الأخير (ترامب – كاميرون) الذي يؤكد أن جنيف والقرار 2254 هو المرجعية الوحيدة للحل السياسي في سورية؛ ما سبب لهم الحيرة والحوصان واضطربت بهم السبل، ولكنهم لم يتخلوا عن مكابرتهم وتحديهم الإعلامي للجانب الآخر، بل خرجوا من ذلك إلى التظاهر الكاذب بإمساك طرف خيط من جنيف بيد، وسوتشي بيد ثانية، لكنها حامية وذات جلبة وضجيج، في محاولة مكشوفة لتنويم اليقظة الأميركية الطارئة، وبالاعتماد على سوريالية دي ميستورا، وإيقاعاته الثعلبية الباردة، إذ إنّ القيصر الروسي المتخرج من تراث (كي جي بي) لن يفرط بسهولة بما حققه، من تلاقي فكي كماشة جرائمه على الأرض ودبلوماسيته في آستانا، وقد بنيت كلها على تراكم دبلوماسي، حصيلته نحو دزينة كاملة من الفيتو الروسي، في حماية إجرام الأسد وذخر سياسي وعسكري دموي مباشر.

الحقيقة المؤلمة أن “الدب الروسي” قد طوّع الدول التي لم تكتف بالادعاء بدعمها الثابت للثورة السورية فقط، بل حتى التي ادّعت أمومتها وأبوتها للثورة، وها هي ترمي الثورة وأهلها خلف توافقاتها ومصالحها، مكتفية بأن تظلّ في ذيل الحسابات الروسية وداعمة خلفية لها، وها هي تتنبه، بعد أن (وقع الفاس بالراس)، إلى أنّ بوتين قد أوقعها في شَرَك لعبة أسد الغابة والثيران الثلاثة، وأن عليها الآن أن تدفع وتدافع عن مصالحها، مع وجود بوادر تقارب أميركي تركي، ينتظر أن يغير شروط اللعبة كلها، وعندها لا سوتشي ولا جنيف الروسية، ولا كل التوافقات التي تصدّرها الروس، ولا مناوراتهم أو رسائلهم الإعلامية بأنهم سيسحبون معظم قواتهم العسكرية من سورية، سواء لحسابات انتخابية لبوتين، أو لحسابات دولية مع بوادر توجه أميركي لإيلاء المنطقة، وسورية تحديدًا، مزيدًا من العناية والاهتمام الأميركيين.

أمام هذه المؤشرات المبكرة؛ على السوريين في الواجهة التمثيلية أن يخرجوا أولًا من مراهناتهم على تجميع شللهم غير المؤهلة لحضور مؤتمرات حساسة وخطرة، ومنهم أشخاص حمقى، لم يتحرر عقلهم من عقال البدوي ولا من بعيره، فما حدث في (الرياض 2) من تصريحات طائفية غير مسبوقة، لا تضرّ بالثورة وممثليها فحسب، بل تخدم مباشرة إعلام النظام، وتحملنا على الشك بمرجعية هذا الشخص ودوافعه ودافعيه، ويجب أن يذهب المسؤولون للتحقيق والتدقيق بمثل هذه الظواهر، وعليهم ثانيًا أن يخرجوا من لعبة شدّ الحبل مع النظام في جنيف وغيرها، باعتبارها وصلت إلى المفصل الدبلوماسي الأخطر الذي يحاول البناء على نتائج ما حققه الروس وحلفاء النظام على الأرض، وما أقرته الدول ذات النظرة البراغماتية المبتذلة، وأن يدركوا أن (الكلام المعسول لن يجلب الحلاوة للفم)، وأنّ القبول بالأسد مغطى، بما يسمى خيارات الشعب السوري، وبضمانات كلامية، أثبت الزمن أنها ليست سوى وعد بتغمير الهواء، فهو خارج كل احتمال ومآل، ولو هددوا بالعودة إلى دوامة صراع دام، يقرر نتائجه السلاح والدم؛ فنحن على ثقة بأن الشعب السوري الصامت على مضض والمترقب بقلق نتائج التوافقات عليه، وعلى مستقبل بقائه في أرضه، وكذلك المحاصر بقصف النظام الهمجي وحلفائه، لن يهدأ غدًا، بل هو قيد انفجار وسيقدم مزيدًا من التضحيات في سبيل إنهاء النظام الذي أذاقه شتى الويلات المعنوية والمادية، وهو إن استمر، كما يرتبون له، لا يعد إلا بالمزيد من الجرائم والتهجير الديموغرافي المذهبي.

في الخاتمة المؤسفة، تفترض القراءة الموضوعية لواقع المفاوضات المستعصية والفارغة من أي جدوى، في ظلّ مجتمعٍ دولي تعطّله تناقضاته، وطرفي نظام ومعارضة، وكلاهما يعبّر عن أزمة داخلية حادة ومستعصية، بسبب نقص في شروط الشرعية المدعاة لكليهما من جهة، وبسبب خضوع الطرفين المذل لدول باعت السوريين وحقوقهم، أن يتجه الحل السياسي السوري إلى مخارج جديدة، بعد أن تهاوت الواجهات التمثيلية للسوريين، سواء بالاستقالة أو من استمرّ، وكلهم أخفقوا في تمثيل الثورة ورفع اسمها وكرامتها وعنفوانها، وذهبوا إلى التمرغ على العتبات والاصطفاف خلف أجندات دولية، لذا يجب أن ينزل الجميع -نظامًا ومعارضة- عن ظهر الشعب السوري، ويذهبوا إلى إقامة سلطة انتقالية حيادية، ليس فيها من النظام ولا من المعارضة، إلا القليل النادر الضروري، ممن يشهد له بالنظافة وعدم التلوث بدم السوريين، وممن يحوز على رضى الجميع، ويتمتع بالمهنية، في حكومة انتقالية، تجمع تكنوقراط وسياسيين وطنيين مستقلين، من المترفعين عن الأجندات الحزبية والأيديولوجيات المتأسنة، وأن تقوم الهيئة الحاكمة الحيادية فعلًا، على الخطوط العامة التي أقرتها التوافقات الدولية، لطالما أن الدول التي أزاحت ملوسفيتش بعد مجزرة سبرنيتشا، وأزاحت القذافي وصالح وغيرهما، ليست على استعداد أن تزيح من طفح سجله بالكيمياوي والبراميل، وبمئات جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية وغيرها.