الإنكار سيد الأدلة

 

ينفي نظام دمشق عن نفسه التهمَ الكثيرة المثبتة بأدلة دامغة، والتي تؤكد ارتكابَه عشرات المجازر كيميائية أو غير كيميائية، التي أودت بحياة الآلاف من المدنيين الأبرياء، وهو ليس مُلزمًا بتقديم أي دليل يدعم نفيَه، إذ يكفي -على ما يبدو- أن يقول إنه لم يفعل، كي يصدقه المجتمع الدولي. في لقاء تلفزيوني، ابتسم رأس النظام، حين عرض أمامه صحفي أميركي صورة لمروحية عسكرية تابعة لقواته المسلحة، تقوم بإلقاء براميل متفجرة على إحدى المناطق السكنية، قال رأس النظام وقتها: “هذا ليس صحيحًا، وهذه الصورة ليست دليلًا”.

صدّق المجتمع الدولي ما قاله رأس النظام، وتجاهل تلك الصورة، وتناسى معها جميع الدماء والأشلاء الموثقة جميعًا بالصور، ومضى في مسعاه لإعادة تأهيل ذلك النظام، وجعله قابلًا للاندماج من جديد في البيئة الدولية، تمامًا كما يتم تأهيل بعض المجرمين الخطرين، في عدد من الدول، بسبب دفعهم كفالة كبيرة أو إدلائهم بمعلوماتٍ ما، وهذا ما فعله نظام دمشق تحديدًا، إذ أعطى المجتمعَ الدولي، الذي يمكن وصفه بعصابة مافيا كبيرة لا يُعرف رئيسُها تحديدًا، ما يحتاجه من معلومات، تفيد في “الحرب العالمية” المزعومة ضد الإرهاب، ليصير شريكًا مقبولًا، بعد أن كان، على مدى ست سنوات تقريبًا، “عدوًا”. ونظامُ دمشق -سواء شئنا الاعتراف بذلك أم أبينا- ظهر أنه يفهم اللعبة الدولية جيدًا، لم يخلُ الأمر بطبيعة الحال من إشراف روسي وإيراني غير مباشر، منذ الأيام الأولى للثورة، تحول بعد ذلك إلى وصاية روسية كاملة لا تشوبها شائبة، إذ إن النظام الروسي ومثله النظام الإيراني يفهمان جيدًا تلك اللعبة الدولية، ويستطيعان إدارتها بإتقان شديد، إيران نجحت في تخطي أزمات ملفها النووي، لتصير عضوًا في الأسرة الدولية، بعد أن كانت طوال عقود طويلة تصنف على أنها رأس محور الشر، وقد نجحت روسيا مرات كثيرة في الاحتيال على المجتمع الدولي، وهربت كل مرة من المجازر العديدة التي ارتكبتها، وقد طويت صفحتها وصفحات ضحاياها الكثيرة، حتى لم يعد يتذكرها أحد.

أنكر النظام السوري إذًا الاتهاماتِ التي وجهت إليه جميعَها، وعمل جاهدًا على جمع ما يلزمه من معلومات يساوم بها مستقبلًا؛ لذلك استشرس في محاربة أي جهة إعلامية لا تدور في فلكه، ولم يتورع عن مهاجمة الكوادر الإعلامية وقتلها، على الرغم من المحاولات اليائسة التي بذلها ناشطون لتوثيق ما يمكن توثيقه، لكن كل ذلك لا يعني شيئًا أمام آلة إعلامية تعمل -على غبائها وسذاجتها- وفق مسار واحد محدد لا تحيد عنه، هو نقل صورة مغايرة عن النظام، وتكذيب كل ما يبثه الإعلام المعادي، حسب وصف رأس النظام. وأمام لهاث العالم المحموم والصداع المزمن الذي سببه ظهور تنظيم (داعش) على الساحة السورية؛ وجد النظام ضالته في ذلك التنظيم، فحوّله إلى “عدو مفيد”، يكون أداته الوحيدة للوصول إلى قلب المجتمع الدولي، وكان له ذلك.

يعترف أمين سر مجلس الشعب السوري “خالد العبود”، في لقاء على القناة التلفزيونية الحكومية أواخر عام 2016، بأن عناصر المخابرات السورية استطاعت اختراق تنظيم (داعش)، وبأن لدى المؤسسة الأمنية السورية إحاطة كاملة بكل تحركات تنظيم (داعش) ومخططاته، تلك الإشارة التي أرسلها العبود، والتي فهمت وقتها على أنها دليل إدانة، لم تكن سوى طعم يتم تقديمه للمجتمع الدولي للتقرب من نظام دمشق، وفتح قنوات اتصال سرية أو علنية معه؛ لإنهاء تنظيم (داعش)، وهذا ما حدث، وربما لن ننتظر طويلًا، قبل أن تبدأ الحقائق بالتكشف شيئًا فشيئًا، وقد نشرت بالتزامن مجلة (دير شبيغل) الألمانية الشهيرة واسعة الانتشار تحقيقًا مفصلًا، يثبت الصلة الوثيقة بين المخابرات السورية والعراقية من جهة، وبين تنظيم (داعش) من جهة أخرى، بالمقابل فإن قوى المعارضة السورية كان يهمها بالدرجة الأولى نفي أي صلةٍ، قريبة كانت أم بعيدة، مع أي من التنظيمات الراديكالية التي تغلغلت في الساحة السورية، ولم تُعقد -على الرغم من التضحيات الكبيرة التي بذلها مقاتلو الجيش الحر- أي صفقة مع المجتمع الدولي لمقايضة نظام دمشق بتنظيم (داعش) أو سواه، وسنعزو الأمر -كما في كل مرة- إلى انعدام خبرتها في مثل هذه المتاهات الشائكة، وسنعوّل على وازع أخلاقي، كان يمنعها من التورط بمثل هذه الصفقات، لكن الفضائح الكثيرة التي شابت سيرة تلك المعارضات، والأهم، المآل المؤلم الذي وصلت إليه الحالة السورية، يجعلنا لا نكتفي بلومها فحسب، بل نتهمها بالفشل الذريع، ونؤمل أنفسنا بأن تفسح المجال وتغادر واجهة الأحداث، ربما في أعقاب مؤتمر (جنيف 8) الذي يبدو أنه سيصب في مصلحة النظام، الذي بدأ فعليًا يتحدث عن مرحلة إعادة الإعمار، وهو يسعى لاستجلاب عروض ومناقصات ستشكل له في الأيام المقبلة دفعة إضافية، ولن تتأخر وسائل إعلامه عن البدء بالحديث عن باني سورية الحديثة، سورية الخالية من ساكنيها، سورية التي يحكمها نظام بينه وبين الأخلاق بون شاسع، لكن منذ متى كانت السياسة تلتفت إلى الأخلاق أصلًا؟ وكأن الدرس الفلسطيني ليس كافيًا ليخبرنا أن السياسة العالمية بأسرها تقوم على الكذب والخداع، والإنكار الذي صار سيد الأدلة بامتياز.