هل يوجد مؤسسة عسكرية في سورية؟

إن تأمل الأدوار التي لعبتها المؤسسات العسكرية، في بلدان الربيع العربي، وفي بلدان أخرى، يدفعنا إلى طرح سؤال: هل العسكر هم العسكر في كل مكان وزمان، أم أن هناك فرقًا، بين مؤسسة عسكرية وأخرى، في طريقة تعاطيها مع السلطة وإدارتها، في البلدان التي حكمت أو تحكمت بها من خلف ستار؟

أولًا، إن وجود العسكر، في سدة الحكم، لا يعود فقط إلى كون العسكر مستبد بطبعه، أو أنه ساعٍ إلى السلطة فقط؛ إذ إن أغلب البلدان المحكومة بطغيان عسكري، حدث لها ذلك، إبّان مرحلة التحرر من الاستعمار وتمدد المد السوفيتي في العالم، حيث ساد آنذاك تياران، انقسمت أغلب دول العالم بينهما: الأول هو المعسكر الليبرالي الرأسمالي، والثاني هو المعسكر الاشتراكي الذي كان آنذاك نصيرًا للشعوب المستضعفة الساعية للتحرر من الاستعمار، إذ كان يدعم حركات التحرر في أكثر من مكان. وضمن هذا السياق كان لكل معسكر أدواته وأيديولوجيته و”ديمقراطيته”. ومن الأدوات التي قدمها معسكر التحرر والاشتراكية، الجيشُ العقائدي الذي لا يعمل بالسياسة، والحزب الحاكم والديمقراطية الشعبية، حيث كانت هناك أحزاب وتيارات وقطاعات جماهيرية، تؤمن بالانقلاب العسكري لوأد الرجعية وعملاء الإمبريالية والاستعمار. ولنا في شعبية “الضباط الأحرار” بقيادة جمال عبد الناصر مثال في ذلك، حيث شكّل المثال المصري نموذجًا للعديد من عسكر البلدان المجاورة للقيام بـ “الثورة”، عن طريق الانقلاب، بعد أن فشلت أنظمة ما بعد رحيل الاستعمار “الليبرالية”، في تقديم نموذج حكم جيد، بخاصة في ما يتعلق بالمسألة الاقتصادية الاجتماعية.

أغلب هذه النظم تحولت -خلال سيرورة طويلة- إلى نظم استبدادية بامتياز، حيث طورت المؤسسة العسكرية مهاراتها وقدراتها للإمساك بكل شيء؛ فأصبحنا أمام دكتاتوريات عسكرية وصلت باسم الثورة أو التغيير إلى الحكم، وتأبّدت فيه، وهذا الأمر يطرح سؤالًا: هل من فرق هنا بين مستبد عسكري وآخر؟

إن تأمل حالات مصر وسورية وليبيا وتركيا والعراق وتونس والجزائر، يشي بأن هناك فروقات كبرى؛ ففي تونس -مثلًا- لم يكن للمؤسسة العسكرية أي دور؛ حيث إن الشرطة هي التي كانت أداة الدكتاتورية في تلك البلدان، وهذا ما جعل يد الجيش التونسي نظيفة حتى اليوم، في حين كان للمؤسسة العسكرية، في مصر وتركيا (قبل وصول أردوغان)، تقاليد راسخة في التعامل مع الداخل، حيث كان الهدف الإمساك بالبلاد وإدارتها لصالح العسكر، في لعبة براغماتية لا تتورع لحظة واحدة عن التضحية بأي من أركانها، حين تجد نفسها مهددة بالكامل، وهذا ما حصل حين تخلت المؤسسة العسكرية المصرية عن حسني مبارك، وهي اليوم تقيس مصلحتها في مسألة ترشيح السيسي من عدمه، وكذلك كان حال المؤسستين العسكريتين: التركية والجزائرية، إذ تعاقب على حكم البلدين أكثرُ من رئيس، وهو ما لا نجده في حالات سورية وليبيا والعراق، حيث ابتعلت المؤسسة العسكرية في هذه البلدان لصالح الفرد الطاغية، بكل ما تحمله الكلمة من معنى الواحدية والتفرد في الحكم، إذ كان الهدف هو تفكيك المؤسسات العسكرية وتحويلها إلى مجرد أدوات، حيث تم العمل على الاهتمام بوحدات معينة من الجيش، يتم بناؤها بثقة وعناية، كي يتم الاعتماد عليها في قمع الشعب، إن تمرد، وهو ما نجده في حالة الحرس الجمهوري والقوات الخاصة والفرقة الرابعة في سورية، وفي الحرس الجمهوري العراقي أيام صدام حسين وكتائب أبناء القذافي؛ ما يعني أننا في حقيقة الأمر أمام جيوش داخل الجيش، وهي في حقيقة الأمر ميليشيات، لها لون طائفي واحد في أغلب الأحيان، وتتمتع باستقلالية خاصة وتمويل خاص، واهتمام خاص ومباشر من الدكتاتور الحاكم، في حين أن باقي الجيش يعامل كدرجة ثانية وربما رابعة، ما يعني أننا في الحالة الأولى أمام دكتاتورية عسكرية، في حين أننا أمام دكتاتورية فردية/ عائلية في الحالة الثانية.

إن تأمل التجارب السابقة، من حيث علاقتها بمستقبل البلدان لجهة التغيير، يُرينا أن البلدان التي كان فيها للمؤسسة العسكرية كيان مستقل، بعيدًا عن الفرد أو العائلة الحاكمة، قد انخرطت في طريق التغيير الطويل والصعب، من دون ولوج البلد في حرب أهلية أو تدمير الجيش، وهو ما نلاحظه في تركيا ومصر، إن قُيّض لها أن تخرج سالمة من مرحلة السيسي المجنونة، في حين أننا نلاحظ أن مصير بلدان مثل سورية والعراق وليبيا هو: إما إيغال الجيوش بدماء الشعوب وبقاء الحكم، أو الحرب الأهلية وتفكك الجيوش وارتهان البلد لاحتلالات شتى.

تنتمي سورية إلى النمط الثاني من هذه البلدان، ما يعني أنه لا يوجد مؤسسة عسكرية في سورية، وإنما مجرد ميليشيا موظفة عند فرد واحد صمد، ولعل “الأسد أو نحرق البلد” الشعار الأكثر تعبيرًا وبلاغة عن ذلك، فما بالك والنتيجة اليوم: خراب البلد وبقاء الأسد!