الاختفاء القسري في سورية

 

انتشرت ظاهرة الاختفاء القسري في سورية؛ على إثر فرض قانون الطوارئ عام 1963، واتسع نطاقها إبان حكم حافظ الأسد، إذ بات الاختفاء القسري سياسة ممنهجة، تمخض عنها اختفاء عشرات آلاف السوريين، منذ عام 1970، فضلًا عن اختفاء آلاف الفلسطينيين واللبنانيين في سجون الأسد، وما زال مصيرهم مجهولًا حتى الوقت الحالي، بالرغم من مطالبات ذويهم الحثيثة السلطات السورية، بالكشف عما حدث لهم.

بات الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري سياسة ممنهمجة، تمارسها أجهزة الأمن، ضد أي شخص يثار حوله أي شك، بخصوص عدم ولائه لنظام الأسد، كالموظفين والجنود والمسؤولين، ممن يشتبه بأن لديهم نية بالانشقاق عن النظام. ووفقًا لتقارير المنظمات الدولية (منظمة العفو الدولية) و(هيومن رايتس واتش)، لجأت أجهزة أمن النظام إلى اعتقال أفراد من عائلات الأشخاص المطلوبين للنظام، واتخاذهم كرهائن لردع أقربائهم وذويهم، عن القيام بأي نشاط سياسي أو عسكري ضد النظام، وقد تعددت الجهات التي انتهجت سياسة الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري في سورية، بدافع تحقيق مكاسب شخصية ومادية.

مع اندلاع الاحتجاجات السلمية في سورية ضد نظام بشار الأسد، في آذار/ مارس 2011؛ لجأت أجهزة الأمن التابعة للنظام السوري إلى قمع المحتجين، باستخدام القوة المفرطة، وتنفيذ حملات اعتقال جماعية واسعة النطاق، وتعذيب المعتقلين، وإساءة معاملتهم، حيث قضى عشرات الآلاف منهم تحت التعذيب داخل السجون، وما زال مصير الآلاف مجهولًا، وصنفوا في عداد الأشخاص المختفين قسرًا. وبالمقابل، أقدمت معظم المجموعات المسلحة المناهضة للنظام، على ارتكاب جرائم خطيرة بحق من يعارضهم الرأي، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والقائمين بأعمال الإغاثة الإنسانية، وقادة المجتمعات المحلية والمجتمع المدني والمنظمات الأهلية، وتمثلت بالاختطاف والاحتجاز التعسفي، وأعمال التعذيب، وإساءة معاملة المحتجزين لديها، حيث صنف الكثيرون ممن احتجزتهم هذه المجموعات في عداد المختفين قسرًا.

يتبادر إلى الذهن، من الوهلة الأولى، أن الاختفاء القسري فعلٌ لا ينطوي على عنف، بينما هو في حقيقة الأمر أخطر أشكال انتهاكات حقوق الإنسان قسوة ووحشية، ويتعارض مع أدنى المعايير الأخلاقية والإنسانية، فضلًا عن تأثيراته المأسوية على الضحايا أنفسهم، وتبعاته الخطيرة أيضًا على أسرهم وأقربائهم وأصدقائهم، ممن يُجبرون على الانتظار فترات طويلة، إلى أن يتسنى لهم معرفة مصير المختفين. أما المختفون قسرًا، فيتعرضون لأخطر وأبشع أنواع الممارسات التي تنتهك حقهم المتأصل في الحياة، والاتصال بالعالم الخارجي والالتقاء بمحام، وأن تضمن لهم محاكمة علنية وعادلة. وبمجرد اختفائهم القسري؛ يفقد الأشخاص الصلة بالعالم الخارجي، ويكونون عرضة لمختلف أشكال التعذيب وإساءة المعاملة، والممارسات الحاطة من الكرامة، والتعرض للعنف الجنسي والقتل في معظم الأحيان، كما هو عليه الحال، في سجون النظام السوري.

إن قيام النظام السوري والمجموعات المسلحة، باعتقال من يعارضونهم والتكتم عن مصيرهم، يجعل هؤلاء ضمن قائمة الأشخاص المختفين قسرًا، بما في ذلك المحتجون السلميون والمدافعون عن حقوق الإنسان، والأطباء والإعلاميون والمحامون، والعاملون في مجالات الإغاثة الإنسانية والخدمات الطبية. وضحايا الاختفاء القسري، في سجون النظام السوري، منفصلون كليًا عن العالم الخارجي، ومصيرهم غير معروف أبدًا، حيث إنهم محرومون من الاتصال بمحام، أو بأي من أفراد أسرهم وأقاربهم. وتدلل الشهادات والتقارير على أن المحتجزين في سجون النظام السوري يتعرضون لمختلف أشكال التعذيب وإساءة المعاملة، بما في ذلك الضرب المبرح، الصعق بالتيار الكهربائي، التعليق في الهواء فترات طويلة، العنف الجنسي والاغتصاب، الجَلد على جميع أنحاء الجسد، التعرض للحروق، والقتل.

يحدث الاختفاء القسري من جراء الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف، بهدف حرمان الأشخاص من الحرية، من قبل موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من أفراد، ممن يتصرفون بموجب تصريح من الدولة أو بموافقتها أو بتوجيهات منها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده؛ ما يحرمه من حماية القانون (الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، لعام 2006).

تنتشر ظاهرة الاختفاء القسري في العديد من المناطق حول العالم، بالرغم من حظر القانون الدولي الواضح والصريح على تعريض أي شخص للاختفاء القسري، ومنع تبرير أعمال الاختفاء القسري، تحت أي ظرف، كحالة الطوارئ أو الأوضاع الاستثنائية، أو بسبب حالة حرب أو التهديد باندلاع حرب، أو بانعدام الاستقرار السياسي الداخلي، أو لأي أسباب أخرى.

لمواجهة ظاهرة الاختفاء القسري والحد منها؛ تم اعتماد الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري من قبل الأمم المتحدة، وهي تعتمد ثلاثة معايير أساسية، لتشخيص حالات الاختفاء القسري، وهي تتمثل بوقوع أعمال اعتقال أو اختطاف أو أي شكل آخر يفضي إلى الحرمان من الحرية، ارتكاب الفعل على أيدي موظفي الدولة أو أشخاص أو مجموعات، يتصرفون بتكليف أو إذن من الدولة أو بموافقتها، رفض الاعتراف باعتقال الشخص أو اختطافه أو الكشف عن مصيره، وبالتالي حرمانه من الحماية القانونية.

يقع على عاتق الدول المتعاقدة، في اتفاقية حماية الأشخاص من الاختفاء القسري، واجب ومسؤولية اتخاذ كل التدابير اللازمة لتجريم الاختفاء القسري في قانونها الجنائي، وبما يفضي إلى تحميل المسؤولية الجنائية لكل من يرتكب جريمة الاختفاء القسري، أو يأمر أو يوصي بارتكابها أو يحاول ارتكابها، أو يكون متواطئًا أو يشترك في ارتكابها. وتشكل ممارسة الاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية، متى ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق، أو هجوم منهجي موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين، وهي مجرّمة بموجب القانون الدولي.