نُظم الاستبداد المعمم والاتجاه المعكوس في بناء العصبيات

شكّل حكمُ العصبيات الطائفية (الحالة العراقية والسورية)، والقبلية (الحالة اليمنية والليبية)، السببَ الرئيس الذي أعاق توسع الهويات الوطنية، للثورات التي هبت في وجه نظم الطغيان والاستبداد التي حكمت هذه الساحات، بالحديد والنار، عقودًا طويلة من الزمن؛ بما يعني إعاقة تصاعد الثورات وامتدادها القادر على إسقاط هذه النظم وتكنيسها، بشكل حاسم وجذري، مرة واحدة وإلى الأبد، وإزالتها من واقع وبنى المجتمعات التي عاشت في ظلها، من دون الحاجة إلى طلب النجدة والمساعدة من الخارج. وقد تجلت هذه الإعاقة في استحالة فك الارتباط، بين هذه النظم وقاعدتها الاجتماعية الطائفية أو القبلية، ففي الحالة السورية يمكن القول إنه لو لم تنجرّ وتنجرف القاعدة الاجتماعية للنظام، بشكل قطيعي، خلف أكاذيب النظام وألاعيبه، خلال الأشهر الأولى للثورة؛ لما تمّت أسلمة الثورة، ولا عسكرة الثورة، ولا تدمير سورية واستباحتها من النظام ولصوص العالم؛ ولانتقلت سورية من حلقة مغلقة إلى حلقة مفتوحة للتطور.

قوة المحنة الأخلاقية لهذه القاعدة التي تراكمت وتكاثرت، على مدى خمسة عقود من الفساد والإفساد، في أحشاء الدولة الاستبدادية المعممة، كانت أقوى من روحها الوطنية، ولولا وجودها؛ لما كان ما كان من اصطفاف خلف النظام، بدل الاصطفاف خلف الثورة، وبتعبير من علم النفس الجنسي لـ “فرويد”؛ نستطيع القول إن قوة الرغبة عند هذه القاعدة -وهي هنا الرغبة في الحفاظ على الوضع القديم ومكتسباته- كانت أقوى من قوة الخجل لديها، وهو هنا الخجل من خيانة الثورة.

يقول المفكر ابن خلدون، في سياق رصده عوامل قوة وضعف الدولة القائمة على العصبيات: إن العصبية التي تقوم عليها الدولة تكون في أضعف حالاتها ووهنها، في مرحلة انحطاط الدولة، إلى الدرجة التي اعتبر فيها أن وهن العصبية التي تقوم عليها الدولة يُشكّل مدخلًا لانهيار هذه الدول وسقوطها. ولم يكن ابن خلدون ليدرك -أو لنقل كان من المستحيل- أن يُدرك أن العصبية التي تقوم عليها بعض الدول، في العصر الحديث، لما تتمتع به الدولة من قدرات عالية، في الربط والجذب والإشراف والتنظيم، وهي قدرات كانت تفتقدها الدولة في العصور التي رصدها، تكون في أشد قوتها ووحدتها، في مرحلة انحطاط الدولة، حتى يمكن القول إن تماسك هذه العصبية يُشكّل أهم سبب في منع انهيار وسقوط الدولة القائمة على العصبية. هنا، في الحالة السورية، وصل انجذاب أفراد الطائفة العلوية إلى العصب الطائفي، إلى الحد الذي طال ليس الغالبية الساحقة من عامة الناس، بل الغالبية الساحقة من النخب الثقافية والسياسية، حتى من كان منها محسوبًا -تاريخيًا- على المعارضة، ومنهم من دفع زهرة شبابه في سجون النظام، ويعود سبب هذا البناء المعكوس، لنظرية ابن خلدون في قوة العصبية التي قامت عليها الدولة الاستبدادية الأسدية، إلى الشروط التاريخية التي تم بناء العصبية في سياقها، فعندما قامت أغلب نظم الاستبداد في الواقع العربي، سواء كان في سورية أو العراق أو اليمن أو ليبيا؛ كان العصب الطائفي (الحالة العراقية والسورية) والعصب القبلي (الحالة اليمنية والليبية)، في أضعف حالات تماسكه وترابطه؛ إذ كانت الشعوب في هذه الساحات خارجة للتو من ساحات النضال الوطني والقومي الذي عرفته حقبة الخمسينيات والستينيات؛ ما يعني أن هذه الشعوب كانت حتى تلك اللحظة مربوطة بالمشاريع السياسية الوطنية والقومية واليسارية، ولكن النظم المشار إليها استطاعت شيئًا فشيئًا، ولا سيما بعد نكسة حزيران/ يونيو، وانهزام المشروع القومي واليساري في المنطقة، والقمعِ الذي مارسته تلك النظم بحق النخب والأحزاب المعارضة لها، وفتحِ أبوابِ الدولة للفساد والإفساد؛ استطاعت استدراجَ هذه العصبيات، أو لنقل البدءَ ببنائها، أي أنها بدأت بالتدريج اختطاف وقضم هذه العصبيات، كي ترتكز عليها في حكمها من جهة، ومن أجل ديمومة هذا الحكم وتوريثه من الأب إلى الابن من جهة ثانية، وهو الأمر الذي كان يُقوّي العصب الطائفي أو القبلي شيئًا فشيئًا، وقد استخدمت هذه النظم أجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة الاقتصادية والسياسية والحزبية والعسكرية والأمنية، كمصيدة ومغناطيس، لتراكم وتجميع واستجرار العصبية المراد بناؤها، حيث إن هذا الاستجرار إلى مصيدة الدولة قادَ عبر عقود من الزمن، في شروط غياب وصعوبة أو استحالة إيجادِ مصادر للرزق والعيش، خارج كيان الدولة، لمن ينتمون إلى هذه العصبيات، ولا سيما أبناء الطائفة العلوية في الحالة السورية، أقول إن هذا الاستجرار قاد إلى وقوع كيان العصبية في أحشاء الدولة، أو لنقل قاد إلى شكل من الاندماج، بين كيان الدولة وكيان هذه العصبية، يضاف إلى ذلك حرص هذه النظم على تدوير وتنقيح وتنقية العصبيات التي تستند إليها بشكل دائم، حيث كان حرص هذه الأنظمة، على احتكارها للتمثيل داخل العصبيات التي تستند إليها، موازيًا ومساويًا لاحتكارها للتمثيل السياسي لكل المجتمع، فهذه النظم كانت تبني العصبيات، بشكل ممنهج وواع، لمواطن القوة والضعف داخل عصبياتها، وهذا يعني قراءة التاريخ ودروسه، ومنها دروس ابن خلدون، حول مخاطر ضعف ووهن العصبية، في أي لحظة من لحظات وجودها على كرسي الحكم.

لكل هذا لم يكن مستغربًا. عندما وصلت هذه النظم إلى الخريف من عمرها، كان هذا الاندماج في ذروته، وكان العصب الطائفي أو القبلي في ذروة تماسكه، واستعداده للدفاع عن هذه النظم، وهو الأمر الذي وجدناه في كل الساحات المشار إليها أعلاه، والذي قاد إلى تدميرها، وحال -حتى الآن- دون اكتمال سقوط النظام، إن كان في اليمن أو سورية، ودون خلق البديل في ليبيا.

أما العراق، فلولا التدخل الأميركي؛ لما كان بالإمكان إسقاط نظام صدام حسين القائم على العصبية الطائفية، وهنا يجب القول إن علينا أن نعي أن العصبية الطائفية أو القبلية، في زمن استقرار نُظم الاستبداد المعمم التي ترتكز في وجودها واستمرارها وقوتها على عصبية طبقية سياسية مركبة على عصبية طائفية أو قبلية، تبقى مختفيةً ومستبطنة أو مستورة ومغلفة، في أحشاء العصبية الطبقية السياسية، طوال فترة الاستقرار، ولكن ما إن تصل هذه النظم إلى زمن الأزمة؛ حتى نجد اندفاع العصبية الطائفية أو القبلية وبروزها إلى الواجهة، كاشفة عن نفسها بشكل مفضوح، عارية من أي رداء أو ثوب يسترها. إن عبارة “نحن الدولة ولاك” التي يتندر بها السوريون، كإشارة إلى عنجهية بعض السوريين، تأتي كدلالة عن حالة التماهي التي تتم بين ثلاثة مستويات، من الوجود السياسي والاجتماعي والطبقي الخاص، حيث يصعب التمييز والتفريق بين السلطة والدولة، والقاعدة الاجتماعية الطائفية التي تستند إليها الطبقة العليا للدولة الاستبدادية المعممة، فهذا التماهي والاندماج لا يُنتج من يعتبرون أنفسهم أهل الدولة وأصحابها الفعليين فحسب، بل يُنتج كذلك فائضًا من القوة تمتلكه السلطة والدولة وقاعدتهما الاجتماعية، وهو الأمر الذي لا ينتج الطغيان، ومقولة “نحن الدولة ولاك” فحسب، بل يوفر الشرط اللازم والكافي لممارسة أقصى مستويات العنف، وأبشع أشكاله البدائية البربرية، فهنا يُمارَس العنف، وهو مُحمّل بشحنة مركبة سياسية وعاطفية طائفية بدائية، وهو الأمر الذي يُفسّر اندياح البربرية والقتل والتدمير والسبي الذي عرفته الساحة السورية، ومثيلاتها العربيات.

إن ما هو خطير في وضع العصبيات التي بنتها نُظم الاستبداد المعمم التي عرفها الواقع العربي، في العصر الحديث، هو أن هذه العصبيات تلقى الدعم والمساندة من قوى إقليمية ودولية، إلى الحد الذي يجعلنا نقول إن أهم ما يُشير ويُدلّل على الانحطاط الأخلاقي والسياسي للقوى العالمية الفاعلة في النظام العالمي المعاصر، هو أنها تسند وتحقق مصالحها، من خلال التحالف مع هذه العصبيات، إذ تجد فيها أدوات واستطالات لا غنى عنها؛ لأخذ موقع هنا ومكسب هناك.

فالروس الذين يفتقدون أي قوة ناعمة أيديولوجية أو اقتصادية، تجعل كل السوريين يقبلون نفوذهم الذي يطمحون إليه في سورية، لا يملكون لتحقيق هذا النفوذ والطموح -قياسًا على إمكانات منافسيهم الدوليين- إلا وسائل القتل العسكرية، مضافًا إليها تحالفهم مع القاعدة الاجتماعية الطائفية التي يرتكز عليها النظام أساسًا مع امتداداتها الإقليمية، وهو الأمر الذي يُفسّر الإصرار الروسي، منذ سبع سنوات، على بقاء الأسد في سدة السلطة، حيث يُدرك الروس أن لا مكان لهم حتى بمساحة قدم رجل على الأراضي السورية، من دون التحالف مع القاعدة الطائفية للنظام، حيث يأتي تمسكهم بالأسد، كورقة لإرضاء هذه القاعدة من جهة، ولتمتين العلاقة معها ومع شركائها في المنطقة، بما في ذلك الشريك الجديد الإسرائيلي، من جهة أخرى.

يعلم الروس، أكثر من غيرهم، أن تخليهم عن الأسد يعني تخليهم عن أي سند حقيقي، في الساحة السورية، فلا قدري جميل، ولا فاتح جاموس، ولا كل اليسار الممانع الذي يصفق لها، ولا كل المنصات والمجموعات والشخصيات التي تستميلها إلى حلها السياسي، ولا قواعدها العسكرية التي بنتها في سورية، قادرون على حماية وجودها ونفوذها في سورية والمنطقة -على المدى الطويل وحتى المتوسط- لولا تحالفها مع العصبية التي بناها النظام والعصبيات المتحالفة معها في المنطقة، بما في ذلك السند الإسرائيلي لهذه العصبيات، أي أن الواجهات السياسية التي تستند إليها موسكو، مع الواجهات التي قد تنضم إلى صفوفها، لا تعدو كونها القشرة السياسية التي تخفي تحتها قذارة تحالفها واستنادها الأساسي على العصبيات والهويات ما قبل الوطنية، إن كان في سورية أو في عموم المنطقة.

إن مشروع “سورية المفيدة” الذي تبناه الروس لا يُعيد إنتاج الدولة القائمة على العصبية الطائفية ويُكرّسه فحسب، بل يُؤسس للقاعدة التي سيرتكز عليها الوجود والنفوذ الروسي في سورية، حيث يُدرك الروس أن لا فائدة لهم من كل ما قاموا به في سورية، خلال السنوات السبع الماضية، من دون سورية المفيدة لهم، ولتابعهم في دمشق.