بذور الانقسام: الأزمة السعودية القطرية وأثرها في الصراع السوري

في الخامس من حزيران/ يونيو عام 2017، بناءً على طلبٍ من المملكة العربية السعودية؛ قطعت عدة دول، من بينها السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر، فجأةً، العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع قطر، متهمةً إياها بالتسبب في اضطراباتٍ إقليمية، وبتقاربها الشديد مع إيران، وبدعم عددٍ كبيرٍ من المنظمات الإرهابية في المنطقة.

تُعدّ المملكة العربية السعودية، وقطر كلاهما من الداعمين الرئيسين للجماعات المتمردة، ولحركات المعارضة في سورية؛ إذ يمكن أنْ تؤثر الأزمة تأثيرًا شديدًا في التماسك الهش فعليًا لقوات المعارضة في البلاد. في حين أنَّ الخلافات القطرية-السعودية تسببت -تاريخيًا- في انشقاقاتٍ، وأثّرت في التطورات السياسية ضمن حركة المعارضة السورية، فإنَّ الأزمة الحالية تهدّد بتحويل هذه الخلافات إلى شكل جديد، ربما يكون أكثر خطورةً، ليس على سورية فحسب، ولكن على التوازن الإقليمي على أوسعِ نطاق.

منذ بداية الأزمة السورية في عام 2011، قامت كلٌّ من قَطر والمملكة العربية السعودية، برعاية عددٍ من الجماعات المسلحة التي تقاتل نظام الأسد. وكثيرًا ما تُتهَم قطر بدعم الجماعات الإسلامية بشكلٍ أساسي، من القوات الموالية لجماعة “الإخوان المسلمين”، إلى الجماعات الأكثر محافظةً مثل “أحرار الشام”. ومع ذلك، فإنّ البلد (قطر) كانت داعمًا رئيسًا للجيش السوري الحر، منذ بداية الصراع. ويبدو أنَّ السعودية، إلى جانب حلفائها الأمريكيين، تموّل جماعاتٍ متمردة أكثرَ اعتدالًا، ولكنها غالبًا ما تُتهَم بدعم فصائلَ أكثرَ راديكاليةً، وإرهابيةً.

مع ذلك، ومع انحسار الخلاف بين المملكة العربية السعودية وقطر؛ تشعر جماعات المعارضة السورية بالقلق من أنَّ الاصطفاف مع طرفٍ لن يؤدي إلّا إلى توسيع الخلافات الكبيرة القائمة الآن، بين مختلف فصائل المعارضة، والحدِّ من قدرتهم على الاستمرار في مقاومة النظام. ففي حين أنَّ معظم جماعات المعارضة امتنعت عن الإدلاء ببياناتٍ علنية بشأن هذه القضية، يخشى الكثيرون من استمرار الأزمة، حيث سيكون من الصعب الحفاظ على هذا الحياد. ووفقًا لأحدِ قادة المتمردين في شمال سورية، “إذا استمر مدة طويلة، فسيتم الضغط على المجموعات للاصطفاف مع طرف. وبالتالي؛ سيحاول الفائز إضعاف الجماعات السورية المتحالفة مع خصومه”.

إنَّ أيَّ مواجهاتٍ عنيفةٍ، بين جماعات المعارضة السورية، لن تخدم سوى مصالح النظام، و”هيئة تحرير الشام”. وترى جماعاتٌ معارضة كثيرة أنَّ “هيئة تحرير الشام” تُشكّل تهديدًا وجوديًا، وهزيمةً واستيعابًا لجماعات المتمردين. وقد وقعَت هذه المواجهات بالفعل، حيث قُتل ما لا يقل عن 95 شخصًا، الشهر الماضي، في اشتباكاتٍ في الغوطة الشرقية، بين “جيش الإسلام” المدعوم من السعودية، و”فيلق الرحمن” المدعوم من قطر. هذه التوترات لا تُهدّد بالانزلاق نحو العنف فحسب، بل تُهدّد أيضًا التعاون بين جماعات المتمردين في أعمالٍ ضدّ النظام. مؤخرًا، رفض “فيلق الرحمن” تقديم المساعدة لـ “جيش الإسلام”، خلال هجمات النظام ضدّ قواته. لنْ تسمح هذه الانقسامات إلا لـ “هيئة تحرير الشام” بزيادة نفوذها، وقوتها العسكرية، وأنْ يستفيد النظام من الانقسامات بين مختلف فصائل المتمردين.

يُضيف الأكراد توترًا آخر، ربّما يكون غير متوقع؛ حيث أدلى مسؤولون أكراد مؤخرًا -في مقابلةٍ مع صحيفة كبرى في الرياض- بتعليقاتٍ تدعم السعودية ضدّ قطر. وبينما لا يزال الأكراد بعيدين عن كلٍّ من قوات النظام، والمتمردين في سورية، إلّا أنّهم يعملون، مع ذلك، بأيّ شكلٍ أو وسيلة، جنبًا إلى جنب مع قوات النظام المدعومة من إيران، والميليشيات غير النظامية لهزيمة (داعش). إنَّ الدعم الكردي الواضح للمملكة العربية السعودية، ضدّ أحدث حليفٍ لإيران في المنطقة، يمكن أنْ يكون له آثارٌ غير متوقعة على العلاقة بين الأكراد، والنظام السوري، كما أنه يُكثف الخلافات، بين “روج آفا” ودمشق، حول قضية الحكم الذاتي الكردي. ومع كون الأكراد القوة الأكثرَ فاعلية في القتال في سورية؛ فإنَّ أيَّ اشتباكاتٍ من هذا القبيل ستشير إلى بدء مرحلةٍ جديدة وخطيرة، من الصراع السوري.

نتيجةً لذلك -كما يشير البعض- ربّما يكون السعوديون حريصين على استخدام القضية الكردية، لزيادة الضغط على تركيا: حليف قطر الرئيس في الأزمة، والبلد الذي يتنافس بشكلٍ متزايد مع “آل سعود”، حول قيادة العالم الإسلامي السُنّي. ومع قيام البلدين بدعم فصائل مختلفة داخل سورية؛ فإنَّ أيَّ تحركٍ من هذا القبيل من السعودية سيتسبب من جديد بزيادة التوتر بين الفصائل المرتبطة بهم في سورية.

مع ذلك، إنَّ أزمةَ الخليج يمكن أنْ تُؤثرَ تأثيرًا قويًا في قدرة قوات المعارضة السورية، في الحفاظ على أيّ شكلٍ من أشكال الوحدة، في مواجهة القوة المتزايدة لـ “هيئة تحرير الشام”، والهجوم المتواصل لقوات روسيا، والنظام السوري. وعلاوةً على ذلك، فإنَّ هذا يدّلُ على أهمية المجال الجيوسياسي للأزمة في سورية. الأزمات الإقليمية، مثل التوترات السعودية القطرية الحالية التي تهدد بحرف مسار الصراع، كشفت الهشاشة البنيوية لحركة المعارضة السورية نفسها. لذلك، من الأهمية بمكان أنْ تقاومَ الجماعات المتمردة السورية أيَّ محاولةٍ، من قبل دُعاتها أو داعميها في الدوحة والرياض، لتقسيم الحركة المعارضة. يجب على المجموعات المعارضة في سورية أن تعمل معًا، لمنع أيّ محاولةٍ، من جانب قوى خارجية، لمواصلة خطف نضالها من أجل منافعها الجيو-استراتيجية، والعمل معًا لبناء سورية، من قِبل السوريين، وللسوريين.

 

اسم المقال الأصليبذور الانقسام: الأزمة السعودية القطرية وأثرها على الصراع في سورية
الكاتبألكسندر أستون-وارد Alexander Aston–Ward
مكان النشر وتاريخهمركز حرمون للدراسات، برنامج الباحثين الزائرين الدوليين
ترجمةوحدة الترجمة والتعريب