المفاوضات السورية: غياب الروافع الفكرية المدنية وحوامل التغيير

 

اعتقدَت المعارضة، بعد المؤتمر الثاني الموسع، أنها شكلت -عدديًا- هيئةً عليا للتفاوض، تستطيع الوقوف في وجه تمكين نظام الأسد؛ فانتخبت الهيئة العامة المؤلفة من 51 عضوًا، ثم تحددت من هذه الهيئة العامة هيئةُ التفاوض بـ 36، ثم انبثق عن هيئة التفاوض، من دون معايير واضحة، وفدُ التفاوض المؤلف من 22 عضوًا، الذي يفترض -كما يتم التداول، إذ لا وجود للائحة داخلية تضبط الأمور- أن يعود في قراراته إلى هيئة التفاوض الممثلة بـ 36 شخصًا، بالنسب التالية: الائتلاف 8، الفصائل 7، المستقلون 8، هيئة التنسيق 5، القاهرة 4، موسكو 4.

النقطة الأولى التي تجعل موقف هذه الهيئة (36) هشًا، تجاه قضيتنا المُحقّة بمحاسبة نظامٍ انتهك إنسانية شعبنا، هي أن ما نعدّه النواة الصلبة، تجاه رفض بقاء منظومة بشار الأسد ضمن هذه الهيئات والوفد المفاوض، تتبعُ لكتلة الائتلاف وكتلة الفصائل، وهما تشكلان -اليوم على الأقل- صمام أمان، تجاه اتخاذ أي قرارٍ قد يمكّنُ الأسد من أن يستمر في حكمه. لكن ما غاب عن نظر الائتلاف هو أن الكتلة العسكرية مهددة بالزوال، في أي مرحلة، في أثناء عملية التفاوض وبآليات مختلفة؛ فقد تزول الكتلة العسكرية بزوال تواجدها المسلح على الأرض، وهو أمرٌ وارد في ظل المعطيات الحالية، من تراجع التمويل، وتقهقر السيطرة، وتوسع مناطق خفض التصعيد، والتماهي مع مؤتمرات أستانا، سيؤدي كل ذلك إلى إضعاف هذه الكتلة بشكل سريع ضمن الوفد، وقد تزول أيضًا عبر التسويات القانونية، لبعض أفرادها الذين قد تُنسب إليهم جرائم اختطاف، أو اعتقال، أو قصف مناطق مدنيين، أو غير ذلك ممّا ارتُكب خلال السنوات السبع الماضية، وقد تتم المساومة على مواقفها، مقابل هذه التسويات أو عبر آليات أخرى.

باختفاء هذه الكتلة أو إضعافها؛ سيجد الائتلاف نفسه وحيدًا في مواجهة الكتل المقابلة له، وسيكون المدافعون عن تغيير جذري في بنية النظام أقليةً في هذا الوفد المفاوض، وحينئذ سنمرُّ إلى المرحلة الأسوأ، بعد أن تمّ تقييد التوجه المطالب بالتغيير والرافض للأسد، بالائتلاف الذي يهيمن عليه تيار “الإخوان المسلمين” والفصائل التابعة لمختلف التيارات الإسلامية، وفي مقابله وضعت التيارات العلمانية المتهادنة مع بقاء الأسد، بشكل أو بآخر.

باتت نقطة الضعف الكبرى في هذا الوفد هي عدم وجود كتلة من روافع الثورة الفكرية المدنية وحوامل التغيير الكامل في المجتمع، ممن كانوا ضد تسليح الثورة، وضد أسلمتها، وضد ارتهانها لتيارات حزبية معينة. هذه الكتلة الغائبة -وهي تُشكّل أغلبية في الشارع الثوري اليوم- هي صمام الأمان الوحيد لعدم استمرارية الأسد؛ إذ إنها تشكل صوتًا غير قابل للمساومة السياسية مقابل نفوذ وسلطة، على عكس التكتلات السياسية الموجودة في الوفد اليوم، وغير قابل للمساومة القانونية مقابل جرائم مرتكبة، أي أن الغائب هو كتلة لا تُباع ولا تُشترى، وكان يُفترض أن تؤدي كتلة المستقلين هذا الدور؛ لولا أن تم اختطافها وتحويلها إلى كتلة تابعة لا معنى لوجودها.

التكتلات السياسية منفصلة عن الشارع والواقع والأرض، وكتلة السلاح تسير نحو الانتهاء، بعد أن أضرت بأهلها وبثورتهم أكثر مما قدّمَت لهم، وكما أنها لم تُقدّم رصاصة واحدة دفعًا للثورة، كذلك لن تغير كتلة الفصائل ضمن التفاوض كلمةً واحدةً. كان من الحكمة أن يُطالب العسكر، ضمن كتلتهم، بشباب ونساء من الداخل ممثلين عن الحياة المدنية، ومدافعين عن حق وجودهم على الأرض، وحاملين لراية الثورة كشعار للتغيير، وحقوقيين وحقوقيات، يستطيعون مناقشة الدستور والانتخابات والمحاسبة والعدالة، وما إلى ذلك مما سيُعرض على الوفد من استحقاقات، في الشهور القادمة.

إضافة إلى ذلك، تبدو آلية ربط الوفد المفاوض بهيئة التفاوض غيرَ منضبطة، وضمانُ عودة الوفد إلى الهيئة، في أي قرارٍ سيتخذ، ضعيف، والأضعف منه عودة الوفد إلى مرجعية البيان الختامي لمؤتمر المعارضة الموسع الثاني. لا ضامن هنا؛ فنحن أمام وفدٍ يتمتع بصلاحيات مُطلقة، وقرارات بمرجعيات ضيقة، معظمها من المهادنين مع النظام.

في مواجهة هذه الكوارث السياسية؛ علينا إدراك أن قرار إنهاء الوضع الحالي في سورية قد اتخذ، وليس للسوريين فيه تأثير إلا بنسبة ضئيلة، تُعبّر عنها شخصيات تم اختيارها لتوقّع على المشروع المطروح، وتحقيق البديل الذي لا يبدو ديمقراطيًا مدنيًا، بل أمنيًا عسكريًا هو الآخر، وليس لنا في هذا الوضع، الذي لن نستطيع أن نُغيّره كليًا، إلا أن نسعى للدفع نحو مصلحة السوريين بأقصى درجة ممكنة، وسحب الثقة من كل مَن ساهم، من الأجسام السياسية، في تشريع بقاء النظام، وكل من ساهم في أسلمة الثورة، وتسليحها، وحرفها عن مسارها الإنساني، وانتزاع حقوق السوريين، وضمان محاكمة من ارتكب الجرائم بحقهم، وأن ننظم صفوف من بقي من المخلصين لثورة التغيير الحقيقي، والمؤمنين بأن الشعب السوري يستحق حياة كريمة عادلة.