ماذا بعد قمة سوتشي الثلاثية؟

 

لا شك أن قمة سوتشي الثلاثية شكلت علامة فارقة في مسار الأزمة السورية، سيكون لها تداعيات واضحة في المرحلة المقبلة؛ كونها أسست لاستراتيجية متكاملة، حيال المرحلة المقبلة.

بطبيعة الحال، تمتلك هذه الدول قدرة كبيرة على التأثير، في أطراف كثيرة داخل الجغرافية السورية، بحكم تواجدها العسكري على الأرض. وقد بدا واضحًا من تصريحات الرؤساء الثلاثة أن القمة عبّدت الطريق لتقاسم النفوذ بين الدول الثلاثة، ولاستراتيجية مستقبلية، سيكون النظام السوري جزءًا رئيسًا منها، بحيث يكون التحالف ثلاثيًا في الظاهر، رباعيًا في المضمون.

تصريحات روحاني حول بقاء التواجد الإيراني في سورية من جهة، وتلميحات أردوغان بخطوات ضد القوات الكردية من جهة، جاءت تتويجًا لتفاهمات مع موسكو التي تريد تثبيت حصص شركائها، ولا سيما الأتراك، من أجل الحصول على دعمهما في خطواتها السياسية المقبلة. لذلك، تكمن أهمية القمة في أنها ثبتت معالم هذا الحلف، ولم تكن مصادفة أن يحصل لقاء بوتين مع الأسد، قبيل انعقاد القمة الثلاثية، لأن نتائج هذا اللقاء كانت ضرورية لتثبيت التفاهمات بين الرؤساء الثلاثة.

تعلم موسكو جيدًا أن المرحلة السياسية المقبلة أصعب بكثير من المرحلة العسكرية السابقة؛ ذلك أنّ المرحلة السابقة كانت تلقى دعمًا من كافة الفرقاء الدوليين والإقليميين، في حين يختلف الفرقاء والحلفاء، حول أهداف المرحلة المقبلة. ثمة تحديان يواجهان الروس: الأول من طهران التي ترفض الرؤية الروسية للتسوية السياسية، وإن لم تظهر ذلك في العلن، والثاني من تركيا التي -وإن أجرَت تحولًا في سياستها في الملف السوري- ليست في وارد رمي كل أوراقها في السلة الروسية؛ ما لم تحصل على ما تريد في الشمال السوري.

تدرك روسيا أهمية تركيا في ضبط إيقاع المعارضة، بشقيها السياسي والعسكري، وفيما كانت أنقرة بحاجة ماسة إلى روسيا في المرحلة السابقة للحصول على حصتها الجغرافية، وما تزال بحاجة إليها الآن، تبدو روسيا في أمس الحاجة إلى أنقرة في المرحلة المقبلة؛ لضمان نجاح مخططاتها السياسية، خصوصًا في ظل الفتور الذي لقيته الدعوة إلى عقد مؤتمر “الحوار الوطني السوري”، من فصائل المعارضة المسلحة المشاركة في (أستانا)، ومن المجلس الأعلى للقبائل السورية.

المطالب التركية صعبة، بالنسبة إلى الروس، فهم غير قادرين على منح أنقرة الغطاء الذي تريده، في الشمال الغربي من سورية، من دون تفاهم مع الأميركيين، ولذلك تحاول موسكو استدراج الأتراك إلى فتح باب الاتصال مع النظام السوري، وأغلب الظن أن تصريحَ أردوغان بأن أبواب السياسة تبقى مفتوحة على العلاقات مع دمشق، وإشارته إلى اشتراك الطرفين في نظرتهما إلى “حزب الاتحاد الديمقراطي”، مؤشرٌ على رسالة روسية أوصلها بوتين إلى أردوغان، مفادها أن إنهاء التهديد الكردي يتطلب تعاونًا مع النظام السوري.

من هنا، تبدو تركيا في المرحلة المقبلة بمثابة بيضة القبان، ضمن منظومة التنافس الأميركية-الروسية، وليس صدفة أن يتصل ترامب، بعد أيام قليلة من قمة سوتشي، بأردوغان لإبلاغه أن واشنطن قررت تعديل استراتيجيتها، حيال دعم الوحدات الكردية في سورية. اتصال هاتفي قال عنه السفير الأميركي السابق جيمس جيفري إنه حصل، لأن واشنطن لا يمكنها لعب دور على المدى الطويل في سورية، من دون القواعد التركية والمجال الجوي التركي، وإلى حدٍ ما، من دون الدعم الدبلوماسي التركي.

إنها البراعة الأميركية المعهودة في كيفية اللعب بالأوراق، إذ غدت تركيا -بُعيد القضاء على تنظيم الدولة- ذات أهمية كبيرة، بالنسبة إلى واشنطن، تفوق في أهميتها التحالف مع الوحدات الكردية، خصوصًا أن واشنطن تعي أن أهم الأهداف المضمرة لقمة سوتشي هو مواجهة المخطط الأميركي في سورية، فكل دولة من الدول الثلاث تعارض الاستراتيجية الأميركية: روسيا تعتبر التواجد الأميركي في سورية تهديدًا لاستراتيجيتها في هذا البلد، وتهديدًا لوجودها في الشرق الأوسط عمومًا، وبالنسبة إلى إيران، فإن تراجع المشروع الأميركي في سورية يعني إزالة أداة مهمة من أدوات الضغط عليها، وبالنسبة إلى الأتراك، فإن هذه الاستراتيجية قد شكلت تهديدًا لأمنها القومي، وأضرّت المصالح التركية في المنطقة.

أين سورية من كل ذلك؟ في الحقيقة ليس لها وجود على الإطلاق سوى أنها ورقة أو ساحة لتثبيت مصالح الدول الثلاث.

بالنسبة إلى أنقرة، المهم هو توجيه ضربة أخرى للوحدات الكردية، ويبدو أنها ستُمنح هذه الفرصة في عفرين، وبالنسبة إلى طهران، فإن تواجدها في سورية أصبح مدعومًا بشكل علني من روسيا، وبشكل مضمر من تركيا، أما روسيا فحصتها تكمن في ضبط إيقاع سيمفونية السلام السورية، وصناعة قواعد أو إطار ناظم للعملية التفاوضية، وهي المهمة المنوطة بمؤتمر “الحوار الوطني السوري”، عبر جمع أكبر قدر ممكن من القوى والشخصيات السورية، لتشكيل كتلة سياسية ملونة بألوان الطيف الاجتماعي السوري، وخصوصًا من الأقليات التي أصبحت اليوم في محل الاهتمام الدولي.

من نافلة القول، أن الخطوات الروسية هذه، إضافةً إلى مخرجات (الرياض 2) وإدخال فرقاء جدد في “الهيئة العليا للمفاوضات”، أولًا، وبيان ترامب-بوتين الذي تجاهل الانتقال السياسي ثانيًا، وإصرار دي ميستورا على مناقشة الدستور والانتخابات في الجولة المقبلة من جنيف، ثالثًا، كل هذه التطورات ستساهم مساهمة قوية، في تقليص قوة المعارضة التي غدت معارضة من دون أنياب، ولن يكون أمامها سوى ممارسة القوة الناعمة، مستفيدة من التباينات بين القوى الإقليمية-الدولية الفاعلة في الساحة السورية.