مرة أخرى عن داعمي الثورة السورية؟

بعد سبع سنوات مجنونة من القهر والقتل والتشريد والتدمير الذي طال كل سوري، بشكل مباشر أو غير مباشر، بشكل مادي أو معنوي، في الداخل والخارج؛ يفكر السوريون بما جرى وكيف ولماذا؟ وهل فعلًا هناك من دعَم الثورة السورية إيمانًا بقيم الثورة السامية، أم أن كل مَن مدّ يده إلى السوريين كان بدافع خاص، أو كما يقال لغاية في نفس يعقوب.

لماذا نطرح هذا السؤال؟ لخطورة وحساسية ما يحدث في الأيام والأسابيع الأخيرة، سواء على مستوى “المعارضة” (وأنا مضطر لوضعها بين قوسين) وغيرها من التشكيلات السورية، أم على مستوى القوى الخارجية من دول وقوى وجهات مختلفة، وأدوارها الخطيرة في التحكم بالمشهد السوري، وإدارة الأمور لصالح النظام بالدرجة الأولى، لا لصالح الشعب السوري.

لنرجع قليلًا إلى الوراء: كيف اتهم النظام الثوارَ -في بداية الثورة- بأنهم إرهابيون، في وقت كانت الاحتجاجات سلمية 100 بالمئة، وكيف أعلن لافروف أن السوريين ينتظرهم بحر من الدماء، إن لم يتفاهموا (ويقصد ينصاعوا) مع النظام، وكيف أعلنت أميركا، بعد مضي سنة على تأسيس المجلس الوطني السوري (تأسس في تشرين الأول/ أكتوبر 2011)، أنه إسلامي، ويجب توسيعه لتحسين بنيته؛ وهكذا تمت توسعته، لكن بقوى إسلامية جديدة (ويتحمل مسؤولية ذلك ممثلو القوى العلمانية في المجلس)، وكأن الأمور تسير في اتجاه واحد مرسوم. ومع ذلك فرضت أميركا وحلفاؤها في المنطقة أجندة جديدة، مررتها من خلال شخصيات وطنية سورية، مثل رياض سيف الذي وعدَنا، في الدوحة في تشرين الثاني/ نوفمبر، بأنهارٍ من عسل، بمجرد الموافقة على تشكيل جسم جديد، بدل المجلس الوطني. وحدث العكس تمامًا.

حينئذ، تشكل الائتلاف الوطني بإرادة خارجية معروفة، ولن نروي قصة الائتلاف ومسيرته الفاشلة؛ لأنه فرّط بالمكاسب على الساحة الدولية التي حصل عليها مثل اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2013 بأنه ممثل للشعب السوري. لكن الائتلاف لم ينجح في تعبئة القوى الوطنية السورية لدعم الثورة، بل أصبحت قيادته عبئًا حقيقيًا على الثورة، لأن أغلب أعضائها انصرفوا إلى أمورهم الحزبية والشخصية. وبالطبع فهذه النتائج جاءت لتؤكد طبيعة الهدف من تأسيس الائتلاف الوطني، حيث أدت مسيرته التنظيمية وتركيبته الهزيلة المتناقضة ونشاطاته، إلى مزيد من التمييع لطموحات السوريين. وقد يعترض أحدهم ويقول: حافظ الائتلاف على ثوابت الثورة. لكن الحقيقة أنه لا يكفي ترديد شعارات الثورة، بل كان من المفروض أن يقدموا عملًا ملموسًا وجديًا لتحقيق تلك الشعارات. وما حدث هو أن قوى “المعارضة” تنقلت من فشل إلى فشل، ومن تنازل إلى تنازل. ويعكس ذلك قصر نظر وغياب الموقف الاستراتيجي للقوى “المعارضة”، فلم يفهموا حقيقة المواقف الدولية والإقليمية وحتى القوى السورية بمختلف مشاربها، وأيضًا بسبب تركيبة الائتلاف المتنوعة والمتناقضة؛ هناك من يدافع عن الثورة بصدق، وهم قلّة، والأغلبية يبحثون عن تحقيق أجندات مختلفة، بما فيهم دفاع البعض عن الإرهابيين مثل (داعش) و(جبهة النصرة). واكتفى الائتلاف وغيره من قوى “المعارضة” بانتظار ما سيحدث لكي يصدروا بيانات الشجب والاستنكار. بينما عدوّنا يخطط ويبرمج لفترات قادمة، ويطبق أجندات سياسية وإعلامية عسكرية وأمنية، وينشر الإشاعات، ويقوم بحرب إعلامية ونفسية، مدعومًا -بلا شك- بقوى التحالف الشيعي وقوى اليسار المشؤوم والإعلام الغربي المسيّر من الدوائر الصهيونية، وكل الأنظمة الديكتاتورية أو من يدعمها في العالم، كلها دعمت النظام بالمال والسلاح والإعلام.

في المقابل، ماذا حدث في أوساط “المعارضة”؟ صراعات على المناصب وتشتت في القوى وتعدد في الهياكل “المعارضة” وتخوين لكل من يختلف بالرأي وإقصاء وانتهازية وفساد سياسي باستخدام المال. والغريب أن القوى والشخصيات التي ركِبت ظهر الثورة وقضية الشعب السوري لا تفكر حتى بالتخلي عن مكانها، وهي مستمرة بالتسلط على هياكل “المعارضة”، وتتنقل على مدى سبع سنوات من موقع إلى آخر؛ وبالنتيجة هي في قيادة المعارضة. ويتساءل السوريون: ما السر في بقاء بعض الشخصيات الملتبسة في قمة “المعارضة”، وهي التي تقود التنازلات و”التخلي” عن ثوابت الثورة! ومن الذي يدعم تلك القوى؟ أليسوا هم نفسهم من يسمي نفسه أصدقاء سورية أو داعمي الثورة!

مؤتمر (الرياض 2) وإدخال أشباه المعارضة، من أمثال “منصة موسكو” وغيرهم، خير دليل على التحكم بمصير “المعارضة” والثورة السورية، والسعي الدائم لتطويعها باتجاه قبول بقاء بشار الأسد.

يفهم السوريون الأسباب الحقيقية لإدخال شخصيات ملتبسة في صلب الهيئة التفاوضية، والإكثار من الشخصيات والمنصات الهلامية التي تطرح مواقف ضبابية في غالب الأحيان، وكأنها شكلت خصيصًا لهذا اليوم؛ لكي تميّع قضية الشعب السوري وتشوه صورة نضاله من أجل طموحاته المشروعة، وهم بذلك يخدمون نظامَ مجرمٍ باع البلاد ورهنها للمحتلين.

وصلنا اليوم إلى مرحلة خطيرة جدًا، وهي وجود هيئة تفاوض “ملغومة”، ويجب إعادة النظر وتقييم بعض الشخصيات وأدائها. أرأيتم كيف يتحدث ممثل قدري جميل وعلاء عرفات في المؤتمر الصحفي، بعد تشكيل الهيئة العليا للتفاوض في الرياض؟ قال إنهم سيذهبون إلى سوتشي لحضور مؤتمر “الحوار الوطني السوري” الذي تقيمه وترعاه موسكو، بتنسيق كامل مع النظام وأجهزته الأمنية، ولم يرد عليه نصر الحريري بوضوح حول سوتشي. ومؤخرًا صرح خالد المحاميد بأن مؤتمر سوتشي مهم، وسيعقد لمرة واحدة، وينجز أعماله؛ ما يشير إلى أن الهيئة ستشارك في سوتشي كلها أو بعض أعضائها. وهذا يؤكد أن جماعة هيئة (الرياض 2) ليسوا ضد المشاركة في سوتشي، والسؤال الكبير هو: كيف لكم أن تُشاركوا في مؤتمرٍ تم صياغة قرارته وأجنداته ومخرجاته مسبقًا، سواء حضرتم أم لم تحضروا؟ وكيف لكم أن تتعايشوا مع 1500 شخص/ دمية، جاؤوا بتكليف ولن يشاركوا في النقاشات، وإن شاركوا؛ فلن يسمع لهم أحد، وأخيرًا فإن مؤتمر سوتشي ما هو إلا مرحلة تمهيدية لجنيف القادمة، واستمرار لـ “أستانا” ومسلسل التنازلات على طريق تخلي “المعارضة” عن أهداف الثورة، وفي مقدمتها رحيل الأسد، في وقت يجب أن يقدم لمحكمة الجنايات الدولية، بدلًا من أن تقوم روسيا -بتأييد أميركي ورضا إقليمي وتخاذل عربي- بتلميع صورته، لإبقائه في السلطة، وتبرئته من المحاسبة على هدر دماء وتشريد الملايين.

سوتشي، يا سادتي، متفق عليه -دوليًا وإقليميًا- وهو يكمل أستانا، فكل المؤتمرات الدولية الأخرى تصب في سوتشي، وبعده يذهب الناس إلى جنيف، ويوقّعون، أو يستمر المسلسل عدة أشهر، لكي يموت المئات في الغوطة ومناطق أخرى، بالقصف والحصار والتجويع.

لقد تبلورت حقيقة مؤلمة، وهي أن الدول التي ادعت أنها صديقة للشعب السوري، التقت أخيرًا مع الدول التي وقفت منذ البداية مع الجلاد، بحجة أنهم مع الشرعية (الكاذبة). فقد عملت تلك القوى -بشكل أو بآخر- للوصول إلى هذا اليوم، من إضعاف “للمعارضة” وقوى الثورة، ووضعها أمام خيارٍ صعب: إما الخضوع لإرادة تلك الدول، وبالتالي التعايش مع الأمر الواقع و”العودة لحضن المجرم”، وإمّا القضاء على آخر ركائز الثورة في الداخل.

كنا نعتقد أن حلفاء النظام هم إيران ومن تبعها وكذلك روسيا، ولكن الحقيقة أن أميركا والغرب و(إسرائيل) ليسوا ضد نظام الأسد، ومع تتالي الأحداث المبرمجة بدءًا من الضغوطات الكبيرة التي وجهت ضد تركيا ودول الخليج أصبحت تلك الدول مستعدة لدعم الأجندة الروسية (وهي أجندة أميركية – إسرائيلية في حقيقتها)، لتثبيت نظام عصابة الأسد، لأنها خير من يحفظ مصالح تلك الدول. أما الثورة السورية فهي خطر على مصالح الجميع بدءًا من نظام الأسد و(حزب الله)، وكافة الأنظمة العربية ونظام ولي الفقيه.

أنا اليوم على ثقةٍ بأننا -السوريين- غارقون في القضايا التفصيلية، من مفاوضات وتصريحات، وتوزيع مناصب وهمية في “المعارضة”، وخفض تصعيد مناطق، ومطالبات بفك الحصار، وهي مطالب وقضايا حيوية بلا شك، ولكنها حلقة صغيرة في مخطط استراتيجي مرسوم للمنطقة، تحت عنوان “الشرق الأوسط الجديد” الذي رسمه شمعون بيريز، في كتابه، منذ أكثر من 10 سنوات، وأعلنته الإدارة الأميركية في عهد بوش الابن، وتعمل لتحقيقه قوى كثيرة ظاهرة وخفية، تدور في الفلك الغربي، حتى إنّ روسيا بتدخلها العسكري في سورية، وتثبيت مواقع إيران والميليشيات الطائفية، ساهمت في توزيع مناطق النفوذ والتحضير العملي لتقسيم سورية، وجعل الحفاظ على وحدة سورية حلمًا صعب المنال.

عندما أتحدث عن داعمي الثورة، واتهمهم ببيع الثورة السورية؛ فإنني لا أقلل من مسؤولية “المعارضة” وقوى الثورة، في التماهي مع بيع الثورة خطوة خطوة، وحلقة حلقة. كل التنازلات السياسية المشؤومة ترافقت مع تطورات ميدانية محسوبة بدقة، نفذتها (داعش) و(جبهة النصرة) والميليشيات الطائفية؛ لإجبار بعض السوريين على قبول الأمر الواقع، وكذلك للتهيئة لمن يبحث عن تبرير للتنازلات، مثل المتاجرة بمعاناة ومآسي السوريين.

لقد تكاتف العالم ضد السوريين وثورتهم العظيمة، ولكن السوريين لن ينسوا شهداءهم، ولن يقبلوا بالعودة إلى كنف عصابة الأسد المجرمة والقاتلة.