نهاية الحرب بداية لمعركة الوجود السوري

ارتفعت آمال الكثيرين؛ مع ازدياد الحديث حول نهاية (داعش) ونهاية الحرب في سورية، وما أضيف إليها من البهارات اللازمة عن البدء بإعادة الإعمار، والتي تبدو، في ظل الواقع المهين والمذل، كأنها أقصى الآمال، بعد كلّ هذا الدمار والتدمير الممنهج، وهي كذلك لمن شاهدوا الموت بكافة أشكاله جوعًا وقهرًا أو بطلقة قناص وببرميل متشظّي وبصاروخ عابر.

لكن، هل هي حقًا نهاية الحرب وبداية الاستقرار لسورية والسوريين؟ وهل يتوجّب على السوريين أن يهنؤوا بهذه النهاية؟! يكفي طرح هذين السؤالين؛ حتى يعلو الإرباك والأسى وجوه المتأملين من نهاية كهذي، فأقصى آمالهم يتحوّل بلحظة عابرة إلى سؤال عن ضياع سبع سنوات سرقت من أعمارهم، لترمى في مرجل الإذلال اليومي والفقر وشحّ الحياة، بحجة أننا في حرب، والحرب السورية التي اختلف المحللون على تسميتها وضاعت تأويلاتها، وجدت منافذها في ألمع الذرائع، لسهولة توجيه الاتهام، وهي “محاربة الإرهاب” الذي لا يوجد اتفاق على تعريفه حتى الآن؛ إذًا: “من ليس معنا فهو ضدنا”.

البدايات لم تنسَ بعد، فالحرب السورية ضد الإرهاب بدأت، منذ كان “الإرهاب” مجموعة من الشباب الذين أرادوا ربيعًا لسورية، وأرادوا سورية دولةً تصون حقوق الشعب، بعيدًا عن استبداد الفرد وتسلّط الأجهزة الأمنية على رقاب الجميع، أرادوها وطنًا يحلم به، ويكفّ عن عشق المنافي، لكنّه حُوّل إلى “إرهاب”، في “بروباغندا” النظام الذي لن يقبل بديلًا له، إنه “إرهاب” الحالمين المدافعين عن وجودهم ومستقبلهم، والذين خفتَ ضجيجهم في دوّامة حرب غامضة ومبهمة، يختلط فيها السياسي بالديني بمصالح الدول، وتتشعب فيها المشارب الأيديولوجية للأطراف المنخرطة في الصراع السوري، لتضيع البوصلة الوطنية للبنادق، في حربٍ تحصد أرواحًا، لا يُعرف إن كان لها علاقة بالإرهاب أم لا، وبأي “إرهاب” ترتبط، ولأن الإجابة بسيطة: إنها “أرواح سورية”، لم تكن كافية لإقناع المتقاتلين برفع بنادقهم، واتقاء حصاد الموت والدمار؛ خرج الصراع من الدائرة المحلية السورية إلى الفضاء الإقليمي، ليتخذ صفات طائفية، فرضها دخول ميليشيات طائفية أجنبية تقاتل إلى جانب النظام، وتزايد قوة دعم فصائل المعارضة الراديكالية ذات المشروع الجهادي المنفصل تمامًا عن مشروع السوريين والثورة، والتي هيأت المناخ المناسب لانتقال الجماعات المتشدّدة العابرة للحدود إلى سورية، كما في حالتَي تنظيم (النصرة) و(داعش) اللتين تطلّبت مواجهتهما دخول دول إقليمية ودولية، تقاتل وتقتل، تقرّر وتفند وتصوغ الحلول لسورية والسوريين، والأهم أنها فصّلت مقياس حربها ضد إرهاب شبحي، يسمى (داعش)، هذه الصناعة الفذّة والمتفوقة التي احتاجت إلى الكثير من المقومات، كالموارد البشرية والتمويل والتأهيل والتخطيط على مستوى عالي الكفاءة، ومتعدّد الوجوه والجوانب والامتدادات، لكنها انتهت بسلاسة، حين قررت هذه الدول نهاية (داعش)؛ لتعلن من خلالها أن الحرب السورية انتهت أو على وشكك الانتهاء، فوظيفتها في خلط الأوراق، والتعمية المدروسة جيدًا عما يحصل حقيقة، فقدت صلاحيتها أمام مشاريع يجب تطبيقها في ميدان المواجهة السوري، ومن المعروف أنه كلما كان ميدان المواجهة أكثر غنًى من الناحية الجيوسياسية؛ كانت السيناريوهات المتبعة أشدّ تعقيدًا وغموضًا وأذيّة.

الإعلان عن نهاية (داعش) لا يعني أن كلّ شيء عاد إلى طبيعته، وأن السلام قد حلّ، بل يعني أن اتفاقات ومخططات جديدة سيتمّ فرضها على سورية، عبر محاصصة بين الدول المشاركة في صناعة (داعش) وهي كثيرة، وبين الدول التي جابهت (داعش) وهي كثيرة أيضًا، ولا شك أن بعض هذه الدول شاركت في التصنيع وبالمجابهة لزيادة فرصها بالمناورة وحصصها المرتجاة، والصراع محموم على اقتسام تركة (داعش) في سورية، بين أميركا وحلفائها من جهة، وبين القوات السورية وحلفائها من جهة أخرى، أما مناطق “خفض التصعيد”، فهي مناطق حرب مؤجّلة، قد تكون عسكرية وقد تكون دبلوماسية، وكل ذلك مرهون بالمخططات والاتفاقات والمحاصصات المبيّتة، التي يتطلع إليها جميع الأطراف المتنازعة على الأرض السورية، حيث لا بدّ من حلحلة عقدة إدلب، وعقدة أكراد الشمال، وعقدة الحدود السورية الفلسطينية، وبعدها تأتي عقدة ملف إعادة الإعمار والبحث عن الحصص المرتجاة فيه وفي استثمارات النفط والغاز وأماكن مرور الأنابيب، حسب توزّع مناطق نفوذ كل طرف من الأطراف المشاركة في مذبحة ما بعد (داعش).

نهاية (داعش) كانت حتمية منذ ولادتها، وهذه النهاية التي يُعلن عنها يضيع فيها المفصل الأهم، وهو أن الصراع في بدايته لم يكن بين (داعش) والنظام، فالصراع السوري لم تُقفل أبوابه، إن كان من حيث البداية والمطالب السورية بالحرية والكرامة والديمقراطية أو من حيث النتائج، فما وصل إليه من شرخ بالهوية بين المكونات سيفرض عقبة كبيرة، في وجه التحوّل الديمقراطي الحقيقي والخروج من ديمقراطية المحاصصات الطائفية والإثنية، وما وصل إليه من سيل الدماء وارتكاب المجازر سيشكل عقبة أخرى، بشأن عملية المصالحة الوطنية الفعلية والبعيدة عن مصالحات التجويع والقصف، وتحقيق العدالة الانتقالية التي تضمن محاسبة مرتكبي المجازر بحق المدنيين، من كافة الأطراف، وهي على ما يبدو صعبة المنال، في ظلّ الموقف الدولي الذي يسعى لحلّ الصراع، بصيغ توافقية تهمل الأسباب الحقيقية التي أدّت إلى اندلاعه، أي تهمل معركة السوريين الفعلية وترمي بها في سلة المصالح الدولية، لتسرق ما تبقى من أعمارهم وأعمار أولادهم في طاحونة المحاصصة على أساس إعادة إعمار بلدٍ تدمّر نتيجة مطالبة شعب بحقّه في المشاركة السياسية، لتكون نهاية عبثية لحربٍ من أكثر الحروب دموية، أو تكون بداية معركة السوريين لنيل حقّهم بالوجود.