مدّعو الثقافة وفقدان الهوية الوطنية

عرّت الثورة السورية -كمساحة للتعبير العفوي- هشاشة الهوية الوطنية السورية، ولم تستثنِ تلك التعرية أي فئة أو شريحة من “المجتمع” السوري، سواء أكانوا من العوام أم من “المثقفين والنخب”.

خلال التعرية؛ برزت الهويات المنفعلة الخالية من أي تأصيل معرفي، هويات معزولة عن سياقها التاريخي، يكتنفها -في أفضل حالاتها- تمويه أيديولوجي، وهي تكشف -في ما تكشف- عن معطيات عفنة مختزنة، قوامها الجهل والعصابية. هذه الهويات المنفعلة دون غيرها، هي من تتحكم -اليوم- بانتماءاتنا، وبأفعالنا وردّات أفعالنا، وباصطفافاتنا ومواقفنا.

وعلى اعتبار أن مفهوم الهوية هو مفهوم “إرادي”، يعود إلى ساحة المعرفة والانتماء والتجدد؛ فهو -بالتالي- ليس إرثًا، بل حالة وعي تعكس فكرًا وجوهرًا وسلوكًا، لا “ديكورًا” يُزيّن به المرء قبح ورداءة عصبياته الهوياتية التقليدية الموروثة (عشائرية، دينية، طائفية، إثنية.. إلخ). ولطالما فشل هذا “الديكور” في إخفاء هشاشته، ولطالما كان انهياره سريعًا، إلى درجة أنه يتلاشى كليًا، عند أول وأتفه امتحان له. فأي انتقاد يطال ساحة المعتقدات الموروثة لهذا الشخص؛ سيُقابل بانفجار لفطريته وبهيميته، وسيتحول هذا “المتحذلق”، خلال لحظة، إلى وحش جاهلي، بلا “ديكورات” ولا رتوش.

قد تكون ظاهرة “الهوية التقليدية” مفهومة، أو مبررة -على أقل تقدير- عند عوام الناس، فهي عندهم صادقة، وغير مترافقة مع ارتداء “بدلة رسمية”، ولا تزينها مفردات “ثقيلة”، يرددونها كالببغاء، كما اعتاد أولئك المدّعون فعله، كلما دعت الحاجة، أو كلما شعروا بأن “ثقلهم الثقافي” يوغل في الوهن، فأولئك “العامة” لا يتقنون فن التواري والتجميل الذي يتقنه المدّعون. هذه الظاهرة المفهومة، أو المبررة عندهم، تتحول إلى ظاهرة “قرف وقلق”، عند المدّعين؛ فهي ظاهرة “قرف”، لما تنطوي عليه من فصام ودجل وعهر فكري، ولما يعتريها من درجة عالية من التشوه. وهي ظاهرة “قلق”، لما تحتاج إليه من وقت وجهد، حتى تدرك الذات المدّعية ذاتها المهزومة، أولًا. وتتغلب عليها من أجل تجاوزها، ثانيًا. وما يناط بتوافر النية لفعل ذلك، ثالثًا.

إن الادّعاء، في هذا المقام بالذات، لهو أكبر وأعقد الإعاقات، حين تكون الوجهة شطر التقدم الحقيقي لا الشكلاني؛ لأننا سنكون أمام أشخاص تجمعهم صفة الكسل -أيضًا- فالادّعاء هو الطريق الأسهل، ولأن الهويات التقليدية “دون وطنية” لا جهد فيها، بينما الهوية الوطنية، ببعدها الحداثي، هي ما يحتاج إلى جهد في البحث والتفكير والتأمل، ثم إلى الانتماء إليها. وهذا ما لا طاقة للمدّعين به، لذلك تراهم يتلفظون بمفردات جوفاء كحالهم، مفردات لا يفقهون معانيها ولا دلالاتها، فهويتهم التي يدّعون مدفوعة بالرغبة والزركشة، لا هوية متأصلة ومتعمقة، وهذا ما يثبته انهيارها السريع.

روى لي أحد الأصدقاء مفارقةً حدثت معه، خلال زيارته لقصر العظم في العاصمة دمشق، تعود تلك الزيارة إلى منتصف التسعينيات من القرن المنصرم، فبعد انتهاء تجوله في قاعة التراث السوري (وهي لا تحوي تراثًا سوريًا، بل تراثًا لمناطق جغرافيّة سورية)؛ همّ بالخروج منها، فلمحت عيناه سائحين يتغامزان ويضحكان، وعند متابعته لمعرفة السبب؛ وجد رجلًا وامرأة سوريين يتجولان في المكان، ويرتديان مثل الثياب المعروضة في القاعة. يتطابق مضمون ذاك المشهد مع واقع الحال المضحك والمأسوي للمدّعين؛ فهم ما يزالون داخل المتحف، وسيبقون خارج التاريخ، مهما جهدوا في تجميل وتنميق مظهرهم وأحاديثهم، فذلك لن ينتج، ولن يبلور، هويةً وطنيةً حديثةً، بل عطالةً حضاريةً وإيغالًا في التأخر والفوات.