ترميم وإعادة بناء النسيج المجتمعي السوري أولوية الأولويات

أحاديث كثيرة تجري على مستويات مختلفة، وفي أماكن شتى، عن مشروع أو مشاريع إعادة الإعمار في سورية، وهي تحمل مضامين متباينة، وتعطي رسائل عدة في مختلف الاتجاهات. فمنها ما يقدّم العروض إلى الدول وشركاتها، ويطمئنها من جهة أنها إذا ساعدت في تمرير الرؤية الروسية للحل في سورية؛ فإنها ستكون شريكة، من موقع المستفيد، في الصفقات الكبرى الخاصة بإعادة إعمار سورية. ومنها ما هو موجه نحو السوريين أنفسهم. تؤكد لهم بأنهم لن يكونوا بمفردهم، وأن العالم لن يتخلّى عنهم؛ وستدور العجلة الاقتصادية في بلدهم من جديد، بعد تجاوز مختلف العراقيل والكوابح التي كانت. وذلك لقاء القبول بما يعرض عليهم، بما في ذلك استمرارية نظام الأسد برئاسة بشار الأسد أو من دونها، لأن التركيبة الأمنية العسكرية للنظام هي الأهم، روسيًا. أما أميركيًا، فالمهم هو من يمسك بالبلد، ويتمكّن من ضبطه، ويقطع الطريق أمام التوجهات أو الممارسات التي لا تتناغم مع الاستراتيجية المعتمدة حول سورية والمنطقة عمومًا.

ولكن مهما تكن التوجهات والمنطلقات؛ فإن أي عملية إعادة بناء حقيقية لا بد أن تكون متكاملة، ويكون محورها سورية بأكملها، وإلا؛ فلن يكون هناك اقتصاد حقيقي، يضمن استمرارية عجلة الحياة، بكل أشكالها وضروراتها، في مختلف المناطق السورية. أما الاكتفاء بمشاريع إعادة إعمار جزئية، فقد يُطلب من الأوربيين ودول الخليج دعمها، وهي ستكون على الأغلب مرتعًا للطفيليين والفاسدين، تستفيد منها، بصيغةٍ ما، هذه المنطقة أو تلك، فهذا معناه تكريس الوضعية القائمة، وترك الأزمة مفتوحة إلى إشعار آخر غير محدد بأي إطار زمني.

الحدث السوري هو حدث استثنائي غير مسبوق في المنطقة، بل هو كذلك على المستوى الدولي؛ فقد دُمّر نصف البلد، وشُرّد أكثر من نصف سكانه في مختلف الاتجاهات. وتعرّض النسيج المجتمعي السوري لشروخات كبرى وجروح عميقة لن تندمل بسهولة. وبناء على ذلك؛ نرى أن أي عملية إعادة بناء حقيقية لن تنطلق، من دون تجاوز عوامل التدمير المستمر حتى لحظتنا هذه. وتتجسد تلك العوامل في تحالف الاستبداد مع الفساد الذي بدّد إمكانات البلد، وصادر أي أمل يوحي بتأمين مستقبل أفضل لأجيالنا المقبلة.

مع بداية ثورة الربيع المنتظر، سوريًا، كشف التحالف المعني عن وجهه الحقيقي، الوجه الذي لم ينسجم في يومٍ ما مع شعاراته التضليلية، على المستويين الداخلي والعربي، واستمر في حربه على السوريين في مختلف المناطق، واستخدم كل أنواع الأسلحة التي دفع الشعب السوري ثمنها من كده ودمه، ظنًا منه أنه بذلك يحصّن الوطن في مواجهة المخاطر الخارجية؛ فإذا به يكتشف أن الخطر الأكثر وحشية ودموية هو خطر نظام الاستبداد والفساد، هذا النظام الذي فتح البلاد أمام النظام الإيراني وميليشياته، وأمام الروس الذين اتخذوا الورقةَ السورية مدخلًا لاسترجاع دورهم، على المستويين: الإقليمي والدولي.

عملية إعادة البناء الكبرى الفعلية لسورية ستبدأ مع زوال هذا النظام؛ لتبدأ حوارات معمقة صريحة بين النخب السورية: الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والفنية والأكاديمية والدينية والسياسية، ومن جميع المكونات السورية من دون أي استثناء، على أن يكون الإيمان بالمشروع الوطني السوري المشترك، على قاعدة احترام الخصوصيات والحقوق، هو المحور الناظم الذي تتمفصل عليه كل الجهود، وبغض النظر عن تباينات المواقف السياسية أو وجهات النظر حول مختلف القضايا. وذلك لنتمكّن من ترميم النسيج المجتمعي الوطني الذي يظل الرأسمال الأهم في أي ورشة كبرى، هدفها إعادة بناء البلد من جميع النواحي.

ما نحتاج إليه -السوريين- قبل إعادة بناء العمران، هو إعادة بناء المجتمع، إذا صح التعبير. فمن دون هذا الأخير لن نصل إلى سورية التي نريدها، وقدّم شعبنا العظيم تضحيات غير مسبوقة من أجلها. وأمرٌ حيوي وضروري إلى الحد الأقصى -كهذا- لن يتحقق من دون أن نتمكن من إزالة هواجس الجميع، وطمأنتهم عبر عقدٍ وطني، يراعي خصوصية البلد وثقافته وتنوعه. عقد يؤكد أن سورية الجديدة ستكون بكل أبنائها، ولكل أبنائها. ولضمان بلوغ ذلك نحتاج إلى اعتماد صيغةٍ موائمة لنا للفصل بين الدين والسياسة، لتكون الدولة -بوصفها جهازًا إداريًا- حيادية بصورة إيجابية، تجاه كل مكوناتها، على مستوى الجماعات والأفراد. دولة تخدم الجميع، وتبني على القواسم المشتركة التي ستعزز التماسك المجتمعي على أساس احترام التنوع، والاعتراف بما يترتب على ذلك من حقوق، وكل ذلك يجعل سورية قوية بتنوعها، وذلك بعد أن تقطع مع كل أشكال التعصب الديني أو القومي أو الأيديولوجي.

وإننا -إذ ندعو إلى فك الارتباط بين الدولة والدين- لا نعني بذلك فك الارتباط، بين الدين والمجتمع. فالدين، سواء الإسلامي بكل مذاهبه وفرقه أم المسيحي بكل طوائفه، هو جزء أساس من هوية مجتمعنا الثقافية-الحضارية. والقيم الفاضلة التي يدعو إليها، وأحكامه في ميدان القضايا المجتمعية، أمورٌ جديرة بأن تؤخذ بعين الاعتبار، والاستفادة منها، إلى جانب تراثنا المحلي والتراث الإنساني، لدى كتابة الدستور الذي ينبغي أن يكون منسجمًا مع طبيعة مجتمعنا، معبرًا عن احتياجاته، وملبيًا عن تطلعات سائر مكوناته، ومن دون أي عقد أو مجاملات خاوية، تكتفي بتقديم المعسول من الكلام الإنشائي، غير المقرون بخطوات فعلية على الأرض.

العلمانية المطلقة المتوحشة لا تناسب مجتمعنا، خاصة بعد أن أثبتت فشلها في مجتمعات عدة، بعد عقود من القسر والتطويع والتحوير. وفي الوقت ذاته، علينا أن نعترف صراحة، من دون أي مواربة أو تلعثم، بأن تطبيق الشريعة الإسلامية لا يناسب خصوصية مجتمعاتنا في عصرنا هذا؛ إذ إنه لا يلبي احتياجات مجتمعٍ يطالب أكثر من نصف سكانه بالحكم المدني الذي يقر صراحة، بضرورة عدم الخلط بين السياسي والديني، مع احترام هذا الأخير، وإتاحة المجال أمام الجميع ليمارسوا شعائرهم بكل حرية، وبعيدًا من أي قهر أو خوف.

إن طرح الأمور، بكل وضوح، يستند إلى ما آلت إليه الأوضاع بعد التجربة القاسية التي مررنا بها خلال السنوات الأخيرة، وهي تجربة تستوجب التوقف، واعتماد الرؤية النقدية التي من شأنها الإسهام في إخراجنا، من حالة التدمير البيني التي فرضها النظام على مجتمعنا. ولكننا لن نصل إلى ذلك؛ ما لم نعزز مقدمات وشروط تواصل وحوار وطنيين معمقين، على المستويين: الأفقي والعمودي. هذا، إذا كانت النية معقودة لدى الجميع بالمحافظة على وحدة سورية جغرافيًا ومجتمعيًا، في ظلّ نظام سياسي عادل، يحترم الحريات، ويضمن الحقوق، ويعزز الأمل بالمستقبل لدى كل السوريين والسوريات.