مقالات الرأي

هل اقترب رحيل الأسد؟

تنبّأ الكاتب اللبناني عبد الوهاب بدرخان، في شهر كانون الثاني/ يناير من العام الماضي، بأن الأسد سيرحل في شهر آذار/ مارس من العام الحالي 2017، وكان آخرون قد توقعوا رحيله، وفق سيناريوهات متباينة، منذ الشهر الأول الذي أعقب الانتفاضة الشعبية في آذار/ مارس عام 2011، وما تلاه من شهور وسنوات قاربت السبع. وبالرغم من الإحباط الذي كان يتفاقم في نفوس السوريين المنتفضين ضده، يومًا بعد يوم، لكنهم لم يصلوا إلى مرحلة التسليم ببقائه في أي وقت، بالرغم من معاناتهم الإنسانية التي عزَّ نظيرها في تاريخ الشعوب.

لقد انشغلت وسائل الإعلام العربية والعالمية بالقضية السورية، خلال تلك الفترة الطويلة، على مدار الساعة، وكانت أخبار حراك الثورة ومواجهة نظام الأسد لها مع داعميه من الدول والميليشيات الطائفية طاغيةً بكثرتها وطبيعتها الدموية، على بقية أحداث العالم، وهي الآن أكثر من أي وقت مضى ترصد الحركة السياسية النشطة التي تعمل عليها موسكو متزامنة مع نشاط طيرانها العسكري المدمّر، فوق مدن وبلدات ما تزال صامدة، على مساحة سورية من أقصى شمالها إلى أقصى جنوبه.

لقد بدأ الغموض ينجلي عن سيناريو لحلٍ سياسي، كانت فيما يبدو قد كتبته الدبلوماسية الروسية ونفذته بمهارة، وأصبحت تتضح معالمه هذه الأيام. لقد أخذ بوتين على عاتقه قيادة العمليات الحربية البالغة العنف والهمجية في سورية، إلى جانب قيادته للعمل الدبلوماسي والسياسي على المستوى الدولي، وقد نجح إلى حد بعيد في تحجيم الدور الأميركي والأوروبي، سواء في مجلس الأمن أو في تحمل الضغوط الاقتصادية التي فرضتها أميركا وأوروبا على بلاده، كما نجح في لجم طموح إيران في السيطرة على سورية كما سيطرت على العراق، وفي كبح رغبة أردوغان في إزاحة الأسد، مقابل منحه بعض النفوذ على الشريط الحدودي التركي السوري.

بالتأكيد، إن بوتين ليس معجبًا بطول الأسد ولا باستعراضاته الإعلامية، لكنه كان بالنسبة إليه الدمية التي ساقها القدر إليه؛ ليحقق من خلالها حلمه، وحلم القياصرة الروس التاريخيين من قبله، في الحصول على موطئ قدم راسخ في شاطئ مياه البحر المتوسط الدافئة، حيث بنى قاعدة بحرية هائلة المساحة في منطقة حميميم، أصبحت تشكل رأس حربة لأسطوله البحري كما لأسطوله الجوي، يستطيع من خلالها ممارسة الضغوط العسكرية والسياسية على دول المنطقة من جهة، وعلى مساومة أميركا ودول الغرب على مصالحه في غير مكان من العالم.

مؤتمر الرياض الذي أنهى أعماله، في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر الحالي، كان قد تم بالتنسيق الكامل بينه وبين السعودية، وكان هدفه المُعلن هو تشكيل وفد سوري معارض موحد، يذهب إلى جنيف، لكن ما لم تُشارك فيه السعودية هو مؤتمر سوتشي الروسي، الذي تم الإعداد له مسبقًا، ليلتقي فيه وفد الرياض المعارض بوفد (معارض آخر) متجانس أو متواطئ مع النظام، مثل وفدي منصة القاهرة ومنصة موسكو، بغية إيجاد صيغة مشتركة، لتنفيذ بيان (جنيف 1) وما تلاه من جنيف 2 و3، وأيضًا ما تم التوافق عليه في اجتماعات أستانا، حول مناطق خفض التوتر، وما اختلف عليه أيضًا بشأن دستور سوري جديد.

لقد استطاعت الدبلوماسية الروسية، معتمدة على هيمنتها العسكرية في الأراضي السورية، وعلى تخاذل العرب عن دعم الحراك الثوري السوري وخضوعهم للإملاءات الروسية والأميركية، أن تدفع ما يُسمّى “أصدقاء الشعب السوري” إلى النكوص عن تعهداتهم السابقة في إزاحة الأسد والقبول به خلال مرحلة انتقالية، وقد يوافقون على مشاركته في انتخابات رئاسية قادمة، إن كان ذلك لا يضر بمصالحهم الحيوية في المنطقة. وفي تصوّري أن دعوة الأسد إلى سوتشي للقاء بوتين كانت بهدف تسليمه رسالة مفادها: لقد آن لك أن ترحل بهدوء، من دون إذلال أو محاكمة، ونحن نضمن لك ولأتباعك الحياة الآمنة، ونشكر لك دورك في تمكيننا من مصير سورية، تحت غطاء الشرعية القانونية التي كنت تتمتع بها. وأعتقد أن الأسد وافق على ذلك لأنه لا يملك أن يشترط على سيده وولي وجوده. وأعتقد أن بوتين الذي تواصل مع ترامب شخصيًا، يوم السبت 11 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، على هامش قمة “آبيك” في فيتنام، واتفقا في بيانه المعلن على ألا يكون هناك حل عسكري للأزمة في سورية، وعلى ضرورة مشاركة كل السوريين بفاعلية في عملية السلام بجنيف، توافقا أيضًا على مسألة رحيل الأسد دون إعلان، وكذلك فإن بوتين لا بدّ أنه اتصل وتفاهم عبر الهاتف مع نتنياهو وسواه من زعماء الغرب، وتمكن من أخذ موافقتهم على سيناريو إنهاء الحرب وتطبيق مقررات جنيف، على أن يأخذ كل واحد منهم حصته من النفوذ الاقتصادي والإنمائي والمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، وأن يضمن علاقة متينة مع النظام الجديد تحفظ أمنه. ولا أعتقد أن رحيلَ الأسد ما يزال يخضع للتحليلات والتنبؤات، بل أصبح حدثًا مؤجلًا لبضعة أشهر، ربما لا تتجاوز شهر آذار/ مارس القادم، ذلك الشهر الذي يصادف ذكرى ولادة أعظم ثورة شعبية في العصر الحديث، مهرَت الحريةَ بنهر غزير من الدموع والدم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق