“صالون الجولان” يُحيي الذكرى المئوية لوعد بلفور

عقد (صالون الجولان) التابع لـ (مركز حرمون للدراسات المعاصرة)، الجمعة 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، ندوةً، في مقره الكائن في بلدة مجدل شمس المحتلة، بمناسبة الذكرى المئوية لـ “وعد بلفور”، قدّمها البروفيسور الفلسطيني مصطفى كبها المؤرخ المختص في التاريخ الفلسطيني.

في كلمة افتتاح الندوة، قدّم مدير (صالون الجولان) فوزي أبو صالح كلمةً، قال فيها: “نلتقي اليوم بمناسبة مرور مئة عام على وعد بلفور، هذا الوعد الذي اختُصر، بأنه (أعطى وعدًا بأرضٍ لا يملكها، لمن لا يستحقها)، لنحاول طرح مجموعة من الأسئلة حول ذاك الوعد: ما الظروف التي أدت إلى إعطاء الوعد؟ لماذا نجح في إقامة دولة لمجموعة غريبة على حساب أصحاب الأرض؟ ولماذا أخفق العرب في مواجهة ذلك الأمر؟ وبالتالي يتمحور اللقاء حول ثلاثة عناصر: من أعطى الوعد، ولصالح من، وعلى حساب من، وما هي الدروس المستفادة من كل ذلك.

أضاف أبو صالح: “ما يجري الآن في المشرق العربي، في بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية، يعيد إلى الأذهان ما جرى من تنافس، قبل مئة عام، إذ تُشارك فيه قوى عالمية، تُحاول فرض هيمنتها أو تأكيدها، كروسيا والولايات المتحدة، وقوى أخرى تدخل مجال المنافسة كالصين، إلى جانب قوى إقليمية تسعى لتوسيع نفوذها كإيران وتركيا و(إسرائيل)، وهكذا يعيد التاريخ نفسه بصورة أخرى، مع بقاء شعوب المنطقة بضعفها مادة لتقاسم النفوذ”.

قدّم أبو صالح في كلمته تعريفًا بـ (مركز حرمون للدراسات المعاصرة)، كمؤسسة بحثية وثقافية مستقلة، تعنى بإنتاج الدراسات والبحوث المتعلقة بالمنطقة العربية وخصوصًا الواقع السوري، وتهتم بالتنمية الثقافية، ونشر الوعي الديمقراطي، وتعميم قيم الحوار واحترام حقوق الإنسان.

وأوضح أن (صالون الجولان) “انطلق من مركز (حرمون)؛ لتحقيق أهدافه العامة في ما يتعلق بالجولان، سواء من جهة إطلاق حوار ديمقراطي حول كل ما يهم الجولان أرضًا وسكانًا، وحول كل ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، أو القيام بدراسات وأبحاث تُغطّي مختلف جوانب ذلك. وشرَح ما يعانيه سكانه وأرضه وطرح قضيته محليًا وعالميًا، في الوقت الذي أهملها الكثيرون حتى من يُفترض أنهم المعنيون بذلك”.

من جهته، شكر البروفيسور مصطفى كبها لـ (صالون الجولان) دعوته إلى إحياء هذه الذكرى الأليمة في ذاكرة الشعب الفلسطيني، مُعبّرًا عن سعادته في الوقت نفسه بمشاركته في هذه الندوة؛ كون الجولان السوري المحتل “يمتلك رمزية روحية ومعنوية في وجدان الفلسطينيين، كجزء من بلاد الشام التاريخية التي نشعر بالانتماء إليها”، وفق قوله.

رأى المؤرخ الفلسطيني أن بلفور “لم يكن الوحيد الذي منح اليهود هذا الوعد، فقد سبقه نابليون بونابرت الذي دعا، في أول منشور مطبوع باللغة العبرية، كل يهود إفريقيا وآسيا إلى العودة إلى أرضهم والتجمع حول رايتهم، حتى يبنوا مُجددًا دولتهم في فلسطين”، كذلك العديد من الأوربيين والبريطانيين، نادوا قبله بأحقية اليهود بالدولة كجزء من حل المسألة اليهودية في أوروبا، بنقل اليهود من بلدانهم وتوطينهم في أرض شعب آخر؛ وبهذا تمّ استغلال الدين اليهودي في أغراض التعبئة، مع ترويج أساطير مثل (شعب الله المختار)، بدعم ومساندة من الفكر الاستعماري البريطاني البروتستانتي، وجميع من غزا فلسطين من الأوروبيين استخدموا الأسماء العبرية التوراتية، بدلًا من العربية، إضافة إلى أن البريطانيين تعمّدوا إذلال القادة الفلسطينيين في أثناء احتلالهم، إبان الحرب العالمية الأولى، كما حصل مع رئيس بلدية القدس سعيد الحسيني، الذي طالبه المحتلون بتسليم مفاتيح المدينة، وأجبروه على الانتظار أمام مكتب الجنرال اللنبي، أكثر من ساعتين، وتوفى بالذبحة الصدرية بعد شهرين؛ من الإهانة التي وُجّهت له”.

وأضاف: “مع هذا، لا يمكن القول أن وعد بلفور كان أساسًا للاستعمار والاستيطان في فلسطين، وإنما قبل ذلك منح العثمانيون اليهودَ الشرعيةَ في تعزيز مشروع الاستيطان في فلسطين، حيث استطاعوا إنشاء 28 مستوطنة مع بدايات وضع الأساس للوطن القومي اليهودي في فلسطين، وما رافقها من عمليات نصب واحتيال، في عمليات بيع وشراء الأراضي من العرب، وتهجيرهم من قراهم وبلداتهم في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وما تلاها من  موجات الهجرة الأولى والثانية من أوروبا، واستيطان مرج بن عامر ومناطق في الجليل الفلسطيني، وكان جل اهتمام القادة الصهاينة -آنذاك- نقل طبيعة المهاجرين الجدد المدنية إلى الطبيعة الزراعية، لبناء علاقة وثيقة بالأرض، وفي المقابل، تشجيع عمليات تهجير الفلاحين الفلسطينيين وانتزاع الطبيعة الزراعية، وفك ارتباطهم بالأرض لصالح المدنية والعمل في البناء وتحويل الأرض -بالنسبة إلى العربي- إلى مجرد قيمة تجارية، وبالنسبة إلى اليهود، إلى قيمة روحية وعاطفية يجب تحريرها أو تخليصها من الأغيار”.

وتابع: “لقد هددت الحرب العالمية الأولى مشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين، وبلغت نسبة  الأراضي التي امتلكها اليهود 6 بالمئة فقط من الأرض الفلسطينية حتى تصريح بلفور الذي جاء فيه: “إن حكومة بريطانيا العظمى تنظر بعين الرضا لسعي اليهود لإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، مع الحفاظ على الحقوق المدنية والدينية لباقي الطوائف الدينية الأخرى”، وفي هذا التصريح؛ وُضعت أسس السياسة البريطانية طيلة فترة الانتداب، والتي ترى اليهودَ في فلسطين شعبًا تنطبق عليه مواصفات الشعوب الطامحة للاستقلال والسيادة، في حين لم تر في الأغلبية العربية الفلسطينية (92 بالمئة من سكان فلسطين، يوم إعلان التصريح) شعبًا تنطبق عليه هذه المواصفات، بل مجموعة من الطوائف الدينية التي توصي بمنحها حقوقًا مدنية وتجريدها من حقوقها القومية والوطنية، وتصريح بلفور هذا هو المعادلة التي قام عليها الوطن القومي اليهودي الذي أسس لدولة (إسرائيل) ومنح الصهيونية دفعة معنوية هائلة من خلال الاعتراف بشرعيتها وشرعية أهدافها، بل تبييضها، من حركة استعمارية استيطانية إلى حركة تحرر قومي”.

وقال كبها: إن خطورة وعد بلفور “تكمن في تحوّله إلى وثيقة معتمدة من قبل عصبة الأمم، ليتحول إلى سياسة رسمية دولية، وبهذا المعنى، كان الفلسطينيون ضحايا ما يجري تسميته بـ (الشرعية الدولية) لأنها لم تكن حينذاك سوى تعبير عن إرادة الدول الاستعمارية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، وتجلى ذلك فورًا بتحويل وعد بلفور إلى جزء من كتاب الانتداب (الاستعمار) على فلسطين، وباعترافه بالمؤسسات الصهيونية، باعتبارها ممثلًا لقومية يهودية، ولم تكن الصهيونية حتى تلك اللحظة تحظى بتأييد كبير بين اليهود، ولَم تنجح إلا في استجلاب عشرات الآلاف إلى فلسطين فقط، إلا أن الاعتراف البريطاني المدفوع باعتبارات وحسابات ذاتية واستعمارية، بهذه القيادة وهذه المؤسسات، توّجَها ونصّبَها مُمثلًا، وبالتالي حسم النقاش الداخلي بين اليهود أنفسهم حول سؤال من يمثلهم على الساحة الدولية”.

وتابع “إضافة إلى منح المؤسسة الصهيونية عام 1920 تأسيس نظام تربوي مستقل، وكليات ومشافي ومصانع وجهاز صحة مستقل وقوات عسكرية مستقلة (الهاغانا) التي وصل عدد أفرادها عام 1948 إلى 67 ألف مقاتل، وثلثها من القوات الضاربة التي جهزتهم بريطانيا لمواجهة خطر قوات (رومل) في الصحراء والدفاع عن فلسطين، فدربتهم وجهزتهم بأفضل الأسلحة والمعدات، وكانوا في حرب 1948 بأفضل حال، بقيادة الجنرال (يغال الون) وهي نواة  لجيش عسكري مستقل قبل الإعلان عن قيام دولة (إسرائيل)، في المقابل كان مجموع الجيوش العربية عام 1948 نحو 32 ألف جندي، منهم 4 آلاف فلسطيني”.

اختتم البروفيسور كبها مداخلته قائلًا: “يجب أن تعتذر بريطانيا عن جريمتها، وأن تجد الطريق والطريقة للتعويض عن هذا الإجحاف التاريخي، مع صعوبة تصور تعويض شعب عن معاناة قرن كامل من الزمن، وفقدان وطن لا يُباع ولا يُشترى مهما علا الثمن، كما كان قيام (إسرائيل) معادلة دولية لم يستطع العرب ولا الفلسطينيين منعها، ويجب أن تسري هذه المعادلة الدولية، كجزء من التعويض على الشعب الفلسطيني في إقامة دولته، وأكد على أن الفلسطينيين يتحملون جزءًا من المسؤولية، نتيجة تناقضاتهم وخلافاتهم وتشتتهم، فإن لم تتنازل؛ فلن تستطيع أن تحيا وتحقق الحلم، الواقع شيء والحلم شيء آخر، والطموح يجب أن يكون في خلق إطار وطني وتربوي علمي، يضمن حياة إنسانية حرة كريمة، كما يجب على الفلسطينيين امتلاك أدوات النقد الذاتي، بعد مئة عام على هذا الوعد المجحف والجائر”.

تجدر الإشارة إلى أن مركز (حرمون للدراسات المعاصرة) قد أطلق (صالون الجولان) في آذار/ مارس الماضي، كصالون حواري متخصِّص بالحوار حول قضية الجولان السوري المحتل وقضية فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي، ويشارك في نشاطه مثقفون وسياسيون عرب وأجانب، من المهتمين بموضوعاته.