موقع الثورة السورية من استراتيجيات السياسة الخارجية للولايات المتحدة

 

إن كانت القوى العظمى قد ساهمت في بناء النظام العالمي الجديد؛ فإن الولايات المتحدة الأميركية هي القوة العظمى التي أوجدت هذا النظام، وتربعت على قمته، بدأ هذا الأمر فعليًا عام 1898 أثناء الحرب الإسبانية، والتي حسمت الولايات المتحدة فيها جدلًا واسعًا في أوساطها السياسية، حول ما إذا كان على دولتهم الاستمرار في انعزاليتها أم تنطلق لتلعب دورًا مهمًا في العالم. ووصف الدور بـ “المهم” له مبرراته، من خلال الوفرة الكبيرة في الاقتصاد والقوة التي حققها الأميركيون حتى ذلك التاريخ، ودخلت الولايات المتحدة اللعبة العالمية، وهي محملة بشحنتين دافعتين: الأولى مثالية تتعلق بحق الشعوب في تقرير مصيرها وحريتها، وبنشر الديمقراطية في العالم، وتغذت تلك الشحنة بتراث بيوريتاني تطهري ومهمة تبشيرية عالمية، مارسها قبلًا المبشرون المسيحيون الأميركيون، والشحنة الثانية براغماتية تتعلق بإنتاج مصالح عالمية تحتاج إليها الولايات المتحدة، بما لديها من وفرة في الثروة والسلاح، تغذت بتراث المغامرة والسوق المفتوحة، ومثّل وودرو ويلسون الاتجاه المثالي، بينما مثل فرانكلين روزفلت الاتجاه البراغماتي.

كانت الحرب الإسبانية عنوانًا لتغير النظام القديم؛ لأنه غيّر مفهوم التعاطي مع الانتصار والهزيمة، حيث تعاطف الأميركيون مع الثورة الكوبية ضد القوات الإسبانية، ومن ثم دخلوا في حرب طردت الإسبان من كوبا، ولكنهم لم يفرضوا أنفسهم كقوة استعمارية بديلة، بل تحدثوا عن حق كوبا بأن تكون دولة مستقلة، إلا أن الولايات المتحدة طالبت بالسماح لها بالتدخل في الشؤون الداخلية لكوبا، حفاظًا على “استقلالها”.

تلك الاستراتيجية كانت هي الاستراتيجية الثابتة للسياسية الخارجية الأميركية حتى الآن، حيث كل ما جاء بعد ذلك هو بناء وتطوير على ذلك الأساس: الاستقلال، الديمقراطية، الانتخابات، حق التدخل في الشؤون الداخلية. هذا ما يمكن أن يختصر السياسة الخارجية للولايات المتحدة حتى يومنا هذا. كانت الملكة البريطانية فكتوريا هي أول من تحسس خطورة الموقف الذي فرضته الولايات المتحدة في إطار تعاملها مع كوبا، حيث طالبت أن تقف القوى العظمى في وجه هذا “التصرف غير المسبوق، فقد يعلنون فوريًا استقلال إيرلندا”، واستمرت الولايات المتحدة في حربها الإسبانية وسيطرت على الفلبين، ومن ثم قررت البقاء فيها لمنع البريطانيين والفرنسيين وغيرهم من السيطرة عليها، و”لتهذيب الفلبينيين وتعليمهم”، ولكن الفلبينيين قاتلوا قوات الولايات المتحدة كما قاتلوا الإسبان سابقًا، واستمرت في حروبها “الأخلاقية” لتمرر مصالحها، فساندت ثوار بنما ضد الحكومة الكولومبية، واعترفت باستقلالها 1904 مباشرة، لتوقع معها بعد ثلاثة أيام اتفاقية فتح قناة بنما الممر الاستراتيجي الأهم للولايات المتحدة حتى الحرب الكورية، وتتالت القوات الأميركية على الجنوب، من أجل حماية القناة، وما بين الحرب الإسبانية والحرب العالمية الأولى كانت الولايات المتحدة قد تدخلت عسكريًا ما يقارب عشرين مرة في بنما ونيكاراجوا وكوبا والمكسيك وهاييتي والدومينيكان، وباتت شرطي القارة الأميركية، حيث لم يعد أحد من القوى العظمى يأتي بأي حركة هناك دون استشارة أو إذن الولايات المتحدة، وكانت السياسة الأميركية حينئذ في التدخل واحدة: حرب ومكافحة الشغب وإجراء انتخابات وضمان وصول زعيم قوي ويمتلك شعبية ويساند مصالح الولايات المتحدة، ومن ثم تقوم بتدريب حرسه الوطني وجهازه البيروقراطي المالي.

عند الخروج من الحرب العالمية الأولى، كانت الولايات المتحدة قد رمت بعيدًا مبدأ مونرو في الابتعاد عن أوروبا، ووصايا واشنطن في عدم الدخول في تحالفات دائمة، وهاهي اليوم في وسط أوروبا تحاول رسم عالم جديد، حيث لا تعويضات بعد الحروب ولا منتصرين ولا منهزمين، وطمحت لاستقلال الشعوب الذي ترافق دائمًا لديها مع تحرير التجارة، وبالتالي تفكيك سيطرة القوى الاستعمارية على أسواق مستعمراتها، وفتح تلك الأسواق أمام التاجر الأميركي الجديد، وحاولت الولايات المتحدة، قدر المستطاع، الحفاظَ على السلام الجديد في أوروبا والعالم، من خلال عصبة الأمم التي أسستها ولم تنضم إليها، وتغاضت عن تجاوزات ألمانيا النازية، ولكن الحرب المريرة مرة أخرى منحتها فرصة جديدة للتدخل، ولكن هذه المرة بعد أن فرضت نفسها القوة العالمية الأعظم من خلال مشاركة متأخرة، تضمن لها اختيار وقتها عزلتها الجغرافية بين محيطين، وقنبلة أسقطتها على هيروشيما، وجلست إلى جانب السوفييت والبريطانيين في يالطا لتشكيل العالم من جديد، ورغم جلوس الثلاثة هناك، فإن النظام العالمي كان صناعة أميركية خالصة، ونسخة مطورة عن مشروع ويلسون، وجاءت الأمم المتحدة لتعرّف النظام الدولي الجديد.

بعد بزوغ الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى رعناء تواجه الولايات المتحدة؛ بدأ الطرفان حربهما الباردة، وقسما العالم إلى معسكرين: اشتراكي ورأسمالي، أو أوتوقراطي وليبرالي، وتغاضت أميركا في حربها الباردة عن عقوبات فرضتها على ألمانيا، لتقوي موقعها في مواجهة السوفييت في أوروبا، وانحازت انحيازًا كبيرًا إلى مصالحها على حساب قيمها، ولكنها أصرت على الديمقراطية، لأن الصراع حينذاك كان واضحًا، فالدول الديمقراطية في المعسكر الغربي، والدول الأوتوقراطية في المعسكر الشرقي، إلا أنها تلك الطريقة الأميركية القديمة في الديمقراطية، حيث الانتخابات لا بد أن تأتي بقائد موال للسلطة الأميركية، وإلا؛ فستعاني البلاد من ثورات واضطرابات تزيل القائد أيًا كانت تلك البلد، وأيًا كان ذلك القائد بمن فيهم ديغول فرنسا.

في الشرق الأوسط، وفي خضم الحرب الباردة استثمرت الولايات المتحدة في عكس ما استثمرت فيه القوى الاستعمارية السابقة قبل الحرب، حيث فضلت الأخيرة الاستثمار في عناصر الاستقرار، في حين لجأت الولايات المتحدة إلى الاستثمار في عناصر التنافر، وساعدها على ذلك القيم الجديدة المرافقة للديمقراطية، وعلى رأسها حماية الأقليات.

تركزت استراتيجية السياسة الخارجية الأميركية برمتها، ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية 1945 وحتى سقوط الاتحاد السوفييتي 1991، على التنافس على مناطق النفوذ، منذ مشروع مارشال ومبدأ أيزنهاور وحتى الحرب الأفغانية، فقد كان الأمر سهلًا، العدو واضح والاستراتيجية في دعم عمليات التحول الديمقراطي واضحة، ولكن بعد تلك المرحلة، سقط العدو وسقطت معه استراتيجية الدفاع عبر الديمقراطية، لم تعد الولايات المتحدة معنية بالديمقراطية سوى في إطار البروباغندا، كما حدث في الحرب العراقية 2003 لاحقًا، حيث استثمرت وما زالت الولايات المتحدة تستثمر في الاستقطاب الإثني في العراق.

بعد نهاية الحرب الباردة؛ تحول العالم إلى عالم القطب الواحد ظاهريًا، ولكنه فعليًا عالم متعدد الأقطاب الصغيرة التي تسعى للتمرد على القطب الأكبر، هذه النتوءات التي تحدث عنها صموئيل هنتيغتون، والتي جعلت الولايات المتحدة دون استراتيجية سياسية واضحة، ومتخبطة على المستوى الداخلي والخارجي، وبراغماتية لمرحلة جاءت بدونالد ترامب رئيسًا، يتحدث بكل وقاحة عن عمليات تحصيل مقابل الحماية.

في سورية، لا يوجد للولايات المتحدة مصلحة مباشرة، هي تعتبر سورية جسرًا لتمرير مصالح أخرى لها. تتوق واشنطن الآن لعدو أو منافس واضح عالميًا، وتقف الصين وبدرجات أقل أوروبا على أبواب هذا الدور، وتستمتع الولايات المتحدة بذلك، وتتبنى هذه النظرية، فتترك سورية منطقة مفتوحة للصراع، تستنزف فيها محاولات أوروبا للاستقرار الاجتماعي ومواجهة اليمين الصاعد، وتطلق يد روسيا في سورية ممر الغاز البديل وأوكرانيا، وتتغاضى عن تدخلاتها حتى في اليونان، وتسعى أيضًا في الوقت نفسه لتبني جسرًا جديدًا مع الروس المتوجسين دائمًا منها، لتأهيلهم لحليف محتمل ضد الصين، ولو كانوا على أحسن حال الآن سويًا، ولكن فترة الخمسينيات التي تمكنت فيما بعدها من تفكيك العلاقة الروسية الصينية، وقلبها تعطيها خبرة جيدة في نموذج تلك العلاقة. سورية اليوم ساحة مفتوحة، تستطيع الولايات المتحدة إغلاقها متى شاءت. ولكن ما دام المزيد من الموت في سورية يعني مزيدًا من الاستنزاف، وكسب المواقف ضد القوى المنافسة أو المؤهلة للتنافس؛ فليبق الملف السوري مفتوحًا إلى وقتٍ، تتلاقى فيه المصالح الأميركية مع ادعاءاتها القيمية.