الحلقات المفتوحة والمغلقة في نظم الاستبداد العربية

 

شكل النظامان الاستبداديان، في تونس بالدرجة الأولى، وفي مصر بالدرجة الثانية، الحلقاتِ الضعيفة في سلسلة نُظم الاستبداد المُعمّم التي عرفتها الشعوب العربية، بدءًا من النصف الثاني من القرن العشرين؛ إذ تميّز نظاما الاستبداد في كل من تونس ومصر عن غيرهما من نظم الاستبداد العربية، كما في العراق وسورية وليبيا واليمن، في كون النظامَين في تونس ومصر كليهما ارتكزا في وجودهما واستمرارهما، طوال عقود، على قاعدة طبقية سياسية طبيعية، في حين تميزت نظم الاستبداد المعمم، في كل من سورية والعراق وليبيا واليمن، في أنها ارتكزت طوال عقود على قاعدة مزدوجة مُركّبة، حيث كان للنظم في هذه الساحات قاعدتا ارتكاز في وجودها واستمرارها وقوتها: قاعدة طبقية سياسية، مضافًا إليها قاعدة اجتماعية على شكل عصبية طائفية، كما الحالة العراقية والسورية، أو قاعدة اجتماعية على شكل عصبية قبلية، كما الحالة اليمنية والليبية، وهو الأمر الذي وفّر لهذه النظم الأربعة فائضًا غير مسبوق من القوة، وبما يعني أن هذه النظم لم تبنِ جدارًا بالغ السماكة، من الخوف في نفوس وعقول شعوبها فحسب، بل كانت تمتلك جيشًا غير مسبوق، بقوته وعدده وولائه الأعمى لكرسي الحكم، وبما يعني الاستعداد لممارسة أقصى حالات الوحشية والبربرية في مواجهة الخصوم، وهذا الاختلاف في قاعدة الارتكاز، بين نظامي تونس ومصر، عن بقية نظم الاستبداد المعمم الأخرى المشار إليها هو ما يجعلنا نقول:

أولًا: إن كلا النظامين: التونسي بالدرجة الأولى والمصري بالدرجة الثانية، كانا الحلقتين الضعيفتين في سلسلة نظم الاستبداد المعمم العربية.

ثانيًا: هو ما جعل الربيع العربي ينطلق في هاتين الساحتين، قبل غيرها من الساحات العربية، أو لنقل: هو ما جعل قاطرة الربيع العربي تنطلق أولًا من تونس ثم مصر، وهكذا بالتتابع، بعد أن كسر الشعبان التونسي والمصري حاجزَ الخوف والرهبة، أمام بقية الشعوب العربية.

ثالثًا: هو ما يُفسّر لنا بقاء الصراع السياسي مفتوحًا في شكله الطبيعي، في كل من تونس ومصر، ووصوله إلى حالة الدمار الشامل، في كل من العراق وسورية واليمن وليبيا.

رابعًا: إن هذا الفرق هو ما جعلنا نقول عن الحلقتين التونسية والمصرية إنهما حلقات مفتوحة، ونقول عن الحلقات الأخرى إنها حلقات مغلقة ويجب فتحها.

فإذا كان اندماج كيان الدولة بِكيان السلطة السياسية سمةً من سمات كل دول الاستبداد المعمم؛ فإن ما يُميّز الاندماج هنا، في الساحات الأربعة، هو أن هذا الاندماج زيد عليه عملية اندماجٍ، بين كيان الدولة وكيان العصبية التي استندت إليها الدولة – النظام، في هذه الساحات، وهو الأمر الذي قاد إلى:

أولًا: أن لا تفقد الكثير من مؤسسات الدولة، ولا سيما الجيش، طابعها الوطني فحسب، فلا يصبح الجيش هنا جيشًا للوطن وإنما جيشًا لرأس النظام السياسي؛ فهنا تُصبح مهمة الجيش الرئيسية هي الدفاع عن مشروع بقاء العائلية الحاكمة للأبد على كرسي الحكم، فإذا كانت جيوش أوروبا الشرقية، والكثير من جيوش نظم الاستبداد التي عرفها التاريخ، قد تخلّت عن نظمها الاستبدادية وحكامها المستبدين، حين ثارت عليهم شعوبهم الغاضبة والثائرة للتحرر ونيل الحرية؛ فإن هذا الأمر لم نجده في حالة جيوش النظم الأربعة المشار إليها، والتي بقيت مُخلصة ولصيقة بنظمها السياسية وحكامها المستبدين، حين ثارت عليهم شعوبهم المظلومة إلى الحد الذي جعل الجيش اليمني -مثلًا- يلحق بالرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، حتى بعد أن ترك وغادر سدة السلطة والرئاسة، وكانت ظاهرة إخلاص الجيش اليمني للرئيس المخلوع أكبر دليل وبرهان على أن جيوش هذه النظم هي أكثر إخلاصًا للحكام، من إخلاصها لبلدانها وشعوبها.

وثانيًا: قاد إلى أن يكون لهذه النظم الأربعة قاعدة اجتماعية (أشبه ما تكون بمعسكرات سياسية) احتياطية، لم تُضَف إلى القاعدة الطبقية السياسية العادية لهذا النوع من النظم فحسب، بل أُضيفت هذه القاعدة إلى أجهزة القمع الخاصة بهذه النظم، حيث بدت وكأنها امتداد عضوي طبيعي لهذه الأجهزة القمعية، وهو الأمر الذي جعل أيَّ مواجهة، بين الشعوب وهذه النظم، مواجهةً بالضرورة مع هذه القاعدة التي سرعان ما اندفعت للدفاع عن هذه النظم.

في كل نظم الاستبداد المعمم، كما في تونس ومصر مثلًا، والتي لم تستند إلى عصبية طائفية أو قبلية، وحتى في كل النظم العادية التي لا تستند إلى نوع كهذا من العصبيات، يقود الضغط الشعبي، أو الثورة الشعبية ضد النظم السياسية، إلى فك ارتباط الجيش بالسلطة السياسية الحاكمة، كما يقود إلى فك ارتباط الغالبية الساحقة من القاعدة الاجتماعية والسياسية الخاصة بالنظم بالسلطة، أما في حالة دول الاستبداد المعمم التي عرفتها الساحات الأربعة، فإن الضغط الشعبي والثورة الشعبية على السلطة لم يقد لا إلى فك الارتباط بين الجيش والسلطة، ولا إلى فك الارتباط بين السلطة – الدولة وقاعدتها الاجتماعية؛ فالعصبية الطائفية أو القبلية التي تسند إلى نوع كهذا من الأنظمة، ترى نفسها من أصحاب وأهل الدولة والسلطة، الأمر الذي جعلها تدافع عن السلطة والدولة، وكأنها تدافع عن مصالحها ونفسها ووجودها وكيانها الطائفي أو القبلي.

هذا الالتصاق للجيش والعصبية بالنظام – الدولة لم يوفر لهذه النظم فائضًا من القوة للمواجهة وتدمير الخصم فحسب، بل الأخطر أنه فتح الأبواب لإمكانية نشوء عصبيات مقابلة طائفية أو قبلية، تدخل على خط المواجهة مع نوعٍ كهذا من النظم، وهو الأمر الذي لمسناه في الساحات الأربعة، وخصوصًا في الساحة السورية، فبعد أن كان الصراع في بداية تفجر الثورة والمواجهة، في سورية بين ضلع يُمثّله النظام وضلع يُمثّله الشعب الثائر، ونتيجة لاعتماد النظام، في مواجهته الثورة، على العصبية الطائفية وعلى الأعمال البربرية في قمع الثورة، ونتيجة لسوء المعارضة السورية بإسلامها السياسي، وعرّابي هذا الإسلام من سوريين ودولٍ، لها مصالحها وحساباتها الخاصة غير المتوافقة مع أهداف الثورة السورية؛ فقد كان سهلًا بروز ووجود ودخول طرف وضلع ثالث على خط المواجهة، ممثلًا بالفصائل العسكرية ذات الطابع الإسلامي البحت؛ الأمر الذي قاد إلى انحراف الصراع عن أهداف الثورة وجعل الصراع يدور في حلقة مفرغة تدميرية، وكان التدمير داخل النسيج الاجتماعي الوطني السوري، والعمل على تمزيق هذا النسيج من أولويات هذين الطرفين، وأصبح الهدف النهائي لطرفي الصراع هو نقله، من حقله السياسي والاجتماعي إلى الحقل الديني والطائفي، وبتعبير آخر: أصبح هدف طرفي الصراع المسيطرين عسكريًا على الأرض هو تحويل الصراع من ثورة إلى حربٍ أهلية لها طابع طائفي، يكون نتيجتها محاصصة طائفية، وإعادة إنتاج الحلقة المغلقة.