في تحليل أسباب هذا “الكسل الثوري”

استقالة الحريري.. ترامب يعلن مواجهة إيران.. السعودية في مرحلة تخبط وحروب متوترة.. قطر في حالة حصار.. تركيا أجبِرت -ولا زالت- على سلوك طريق “المر أفضل من الأمر”.. (قوات سورية الديمقراطية) انتهى دورها الأميركي.. التقارب الأميركي-الروسي لا يكاد يقف على سكة “تسوية” حتى يخرج عنها في اليوم التالي.. إيران محاصرة ولكنها تقاوم، تعزيزًا وبحثًا عن أوراق وأدوات قوية تعينها على المواجهة..

ما سبق هو عناوين مختصرة وسريعة لأحوال العالم ومتغيراته، فيما يخص المسألة السورية، وهي كلها عناوين تدلّ، من بين ما تدل عليه، على أن ميدان العمل بخصوص سورية ما يزال مفتوحًا، إذ طالما أن الصراع بين القوى الإقليمية والدولية قائم، فهذا يعني أن بإمكان الداخل أن يفعل شيئًا، ويتحرك لتحقيق شيء من أهدافه. ولكن على الرغم من ذلك، فإن ما نراه من القوى السورية والمعارضة والفاعلين السياسيين والاجتماعيين هو العكس؛ إذ يسير القطار السياسي على خط واحد، لا يبدو أنه يفكر بتغييره، ونعني به خط المفاوضات الدولية، فيما يبدو أن الفاعلين الاجتماعيين على الأرض يزداد يأسهم، يومًا بعد يوم، الأمر الذي يستدعي البحث عن أسباب هذا العطب، سعيًا لتفعيل آليات العمل الممكنة.

إن التأمل، في “الفكر” الذي يسيّر عمل المعارضة السورية، يبيّن لنا ارتهانه لمجموعة من البديهيات الخاطئة التي يبدو أحيانًا أنها لا تزال تسيّر عمله، على الرغم من كل ما جرى في سورية والعالم من تحولات، ومن هذه:

أولًا، شكلت مسألة التعويل على تدخل الخارج الدولي (أميركا، روسيا، الصين، أوروبا) لإسقاط النظام، أو دفعه نحو تسوية مقبولة، إحدى الركائز التي اعتمدت عليها المعارضة السورية. وإذا كان من الضروري جدًا أخذ أهمية دور العامل الخارجي هنا بالحسبان؛ فإن هذا لا يعني أي شيء دون أن يكون هناك “سياسة داخلية”، بحيث يأتي دور الخارج ليعززها ويسير وفق ما تريد سياسة الداخل. إلا أن الأمر يبدو معكوسًا في المسألة السورية، حيث احتل الخارج والتعويل عليه كلّ سياسة المعارضة، فبات الخارج هو الداخل، وهذا طبيعي جدًا في حالة من لا داخل له، فانتهى الأمر إلى أن يصبح الجميع موظفين عند هذا الخارج، بطريقة أو بأخرى. وضمن هذا الإطار، ساد تفكير رغبوي، لدى عدد كبير من سياسيي المعارضة السورية، في أن أميركا “قادرة على كل شيء”، ولا يزال الأمر سائرًا، إذ لم يتم النظر إلى كون أميركا دولةً لها أخطاؤها ومصالحها أيضًا، وليست موظفًا عند أحد، ولم يتم الانتباه إلى التحولات التي تجري في عالم اليوم، لجهة سعي أقطاب دولية كثيرة لمناهضة هذا التفرد الأميركي. ورغم كل ما جرى، فإن قسمًا كبيرًا ما يزال يفكر بالرؤية ذاتها، رغم كل ما كشفته السياسة الأميركية من أنه لا يمكن الاعتماد عليها أولًا، وبأنها ليست اللاعب الكلي القدرة، كما يتوهم بعض أطياف المعارضة ثانيًا، إذ بمجرد أن عاد وزير الخارجية الأميركية إلى التصريح بأن لا مستقبل لعائلة الأسد في سورية؛ انتعش هذا التفكير من جديد، رغم أن أوباما منذ عام 2011، قال إن “أيام الأسد معدودات”!

ثانيًا: إذا كانت المعارضة تتوسل الحصول على دعم سياسي من الفاعلين الدوليين؛ فإنها اعتمدت في بناء قوتها العسكرية على الدول الإقليمية، وهي دول أقلّ ما يقال فيها إنها عاجزة عن حكم نفسها دون غطاء دولي (دول الخليج)، أو أن لها أجندتها الواضحة (تركيا)، الأمر الذي يعني أن السير في هذا الطريق كان السير عكس الثورة نحو معسكر الثورة المضادة، وبدلًا من تصحيح الرؤية، ها هي المعارضة تتابع السير في الاتجاه ذاته عبر السعي لعقد مؤتمر جديد في الرياض، علمًا أن هزيمة هذا المعسكر تعني -في ما تعنيه- انتصارًا للثورة، لأن هزيمة الثورة، من حيث كونها ثورة، أفضل من انتصار الثورة المضادة على يد هذه القوى الإقليمية التي لا تريد إلا استبدال مستبد بمستبد آخر، ومثال الثورة الإيرانية خير دليل على ذلك.

ثالثًا: راهنت بعض قوى الثورة على التغيير السريع والسهل، بدلًا من العمل على طريق التغيير الطويل والصعب، إذ ساد نوع من الوهم بأنّ الثورة تنتصر فعلًا في خمسة أيام، الأمر الذي جعل “الوعي” يتجه نحو التفكير بقطف الثمار وجني الربح السريع، فيما البذار لم تزرع بعد.

إن محاربة هذا اليأس تبدأ أولًا من تغيير طرق التفكير السائدة لصالح أخرى، هي موجودة، ولكنها تتطلب تفعيل الإرادات والإيمان بأن التغيير لا يأتي بين ليلة وضحاها، وأنه يحتاج إلى امتلاك آليات العمل الصحيح والتفكير الصحيح. كثيرة هي الثورات التي هزمت عسكريًا، لكنها استمرت بالمقاومة والصمود، إلى حين توفر شروط دولية وأقليمية أفضل، علمًا أن الواقع السوري يقول إن المسألة السورية ستبقى مفتوحة زمنًا طويلًا، ما يتيح إمكانية العمل التراكمي ومغادرة أوهام التغيير السريع، فهل نفعل؟