عندما نخطئ البوصلة

 

ما يزال فكرُ المرحوم ياسين الحافظ، في نقد التأخر العربي وسطحية سياسته، في مقاربة الواقع وقراءته قراءة مدققة تُزيل عنه اللبس والوهم، وتضعه في مسار الواقعية والعقلانية والاستراتيجية والهدف، حاضرًا حتى اليوم، خاصة في مسار تدهور مقولة الأمة – الوطن، وانزلاقها نحو التشرذم والتشتت، بعد أن خطى الشعب واسعًا في تحقيق ثورته الحلم، ففي كتابه (التجربة الفيتنامية) يقول: “في التجربة التاريخية لشعب في سيرورة تطوره، ليس ثمة ما هو صدفي وعجائبي، ثمة منطق عقلاني يحكم مجرى التطور التاريخي، وإذا حدثت أعجوبة ما؛ فلن تلبث عقلانية التاريخ أن تجرف كل ما هو عارض وسطحي”.

في واقع اليوم، ثمة ثلاث فرضيات في نقد مسار الثورة، يحمل كل فريق منها نقاط دعائمها، لجعلها نظريةً لا تقبل الشك أو النقد، حتى لدرجة قطيعة خلافها، وليس هذا وحسب بل يحمّل كل طرف منها وزر الآخر، في مآلات حدثها المرير: فالأولى تلك التي تقول إن تحوّل شعارات الثورة، من الشعارات الوطنية إلى شعارات إسلامية، كان السكين الذي أجهز على الثورة، وحاملو هذه الفرضية الكثير من قوى “اليسار” و”القومية” المعارضة السورية، تحت عنوان “العلمانية” العريض، وضد “أسلمة الثورة”. بينما كانت -وما زالت- أدوات النظام تعمل في الفرضية الثانية على أنها “مؤامرة كونية” على سورية المقاومة والممانعة. بينما تذهب الثالثة على أنها “حرب أهلية” بين مكونات الشعب السوري ذاته، في حمى تنازعهم على كسب السلطة فيها، وهذه ما زالت تتردد في أوساط المجتمع الدولي إلى اليوم.

الملفت للنظر أن تجتمع الفرضيات الثلاث على تحميل الإسلام والإسلام السياسي منه، شرّ البلية، في ما آلت إليه الثورة السورية! وليس دفاعًا عن الإسلام أو اصطفافًا مع هذا الخط أو ضده في المبدأ، فما أرادته الثورة السورية، في واقع مستبد كليًا سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا، هو التغيير الوطني الذي يفضي إلى دولة عصرية، تتمتع بكل مواصفات الدول المتقدمة، ماديًا ومعنويًا.

إن نقد الدين، بمضامينه الأيديولوجية والذهنية، واجبٌ فكري، دفَع ثمنه الكثيرُ من حامليه في تاريخ هذه الأمة، قريبه وبعيده، وهذا حق، لكن اليوم وبحكم الثورة ومتغيرات الواقع المرصود لا يمكن لنا جعله شماعة أخطائنا، كبيرها وصغيرها. فالقول الحق في أن تغيير مسار وشعارات الثورة، وبالتالي مضامينها وحواملها السياسية والاجتماعية، من شعارات الوحدة والتغيير الوطني إلى شعارات الدولة الإسلامية، وشريعة ودستور “أهل السنة”، كما يرغب البعض في ترديده، كان له من المبررات الكثيرة في صناعته، سواء عن طريق نزعة ممنهجة في التكتيك أو عن رغبة سياسية محض في كسب أصوات الشارع الثائر للوصول إلى السلطة. ولكن قلّما يذهب الفكر النظري والنقدي إلى رؤية واقعية مقاربة للمبررات الفعلية في تورم المظلومية الإسلامية، وجعلها بادئة عفوية عند أصحابها؛ فالاعتقال الجماعي والقتل المباشر، وكل سبل إراقة الدماء وهدرها، والحصار الحياتي والتهجير الممنهج، كانت عوامل سيكولوجية عميقة تضرب في عمق الوجود الديني وحوامله الشعبية؛ ويمكن لإحداها فقط، إذا ما تعرض له يساريو هذا البلد أو قوميوه أو حتى علمانيو العالم وقادته السياسيون الليبراليون أن يتحولوا ليس إلى متطرفين فحسب، بل إلى كل أشكال العنف المتطرف المضاد. وحقيقة الأمر كان العنف الممنهج هو الأداة المحرضة على كل نزعات العنف المضاد.

في المبدأ، إن مسار التحول من مضامين ومحاميل المشروع الوطني كانت سيفًا ذا حدين، فمن جانب، استطاع المجتمع الأهلي، ما قبل المدني، الاستقواء بإيمانه الديني كآخر خط دفاع وجودي للاستمرار، في تحمل كل آلة البطش والقتل اليومي، هذا مع عجز المشروع الوطني عن التحقق وصمت القوى العالمية عن إيجاد رادع فعلي لها. خط الدفاع هذا هو ما جعل الثورة تستمر لأعوام، فاقت عدد أعوام الحرب العالمية الثانية، بل كانت كثافتها مضاعفة عشرات المرات، حين تركزت في مدن صغيرة تجتاحها كل صنوف الأسلحة لدولة متقدمة صناعيًا كروسيا. وفي الجانب الآخر كان هذا التحول هو من استجلب المناصرين غير السوريين من جهة، واتُخذ حجةً شرعية لاستجلاب نقائضهم من فصائل الشيعة، ولاحقًا ليتحول الملف السوري إلى ملف حرب أهلية، ناسخًا الثورة منها ومظالمها المحقة، وتصبح الحرب على الإرهاب والتطرف الديني هي عنوان التحالف الدولي الوحيد، ومهماز سباق روسيا والنظام للمشاركة فيه؛ واليوم وزير دفاع روسيا البوتينية، شويغو يقول: لقد حررنا ما كانت تسيطر عليه “القوى المتطرفة” بنسبة 70 بالمئة، من الأراضي السورية، لتتقلص إلى 5 بالمئة فقط، في ملاحظة أنه لا يعترف بوجود قوى ثورة أصلًا في سورية سوى للإرهاب.

خلل البوصلة السياسية، في قراءة التحولات في مسار الثورة، كان سكين الثورة الذي أغمد في طياتها، حيث تحولت النزعات السياسية والحزبية الضيقة إلى مقولة فوق مقولة الوطن، مارسها الإسلام السياسي، كما مارستها الأيديولوجيات القومية والماركسية المترهلة؛ فبات توصيف المسألة السورية، عن دراية ومكر مرة، وعن انفعال وطيب نيّة مرات، مسألةَ وجود طرف وفناء الآخر، وبالنتيجة اختلال العقل والاستراتيجية، وتشتت العقد الوطني أمام نزعة التوصيف المتعالية التي لا تجدي نفعًا، في زمن القتل والموت المتراكم.

في سالف العصر والأوان، كان هناك عقل، وكانت الأمة عقلًا تعاقد على الجامع بين الاختلافات في شؤون البشر، فكانت الأمة دولة، وكان العقل يقول: ليس كل ما تراه العين هو الحقيقة كلها ولا الوجود كله، وإلا؛ لكان كل شخص في الشارع، ولا أراه، غير موجود، وكان هناك من يقول: نعم، هو غير موجود، بالنسبة إليّ، لأنني لا أراه ولا أريد رؤيته! وكان على الغنم ألا تقر بوجود الذئب المتربص بها، لأنها لا تراه، إذًا فليأكل الذئب ما يشاء؛ لأنه غير موجود. ويستمر الجدل إلى ما نهاية، بينما يكون الذئب متخمًا مرتاحًا لفعلته.

إخطاء البوصلة السورية، وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة في مسارها، كان المشتت والمذرر لكل الجهود التي تحاول لمّها في عقد سوري واحد، هو الوطنية السورية الذبيحة على سدنة الاستبداد أولًا، وتغول القوى العالمية في أطماعها، لتقاسم تركة المنطقة اقتصاديًا وسياسيًا. فكان الخلاف الأيديولوجي عاملًا رئيسًا قابلًا للتوظيف في خدمة هذه الأجندات الدولية، مستفيدة من حجم التناقضات السياسية، في مشروع الأحزاب المترهلة التي بدأ كل منها يبحث عن سند خارجي له، سواء ادعى المعارضة أو شبهتها، فكانت موقعة أستانا والقاهرة وموسكو والرياض، وكَيل التهم المتبادلة سبيلًا لانحراف البوصلة والغرق في تفصيلات التفصيلات، في ثورةٍ لا تشبه أيًا من هذه الأحزاب ولا مشاريعها ضيقة الأفق، بينما كانت قوى التسلط تفرض هيمنتها ومسارها الدولي، بين كل هذه المتناقضات، ولسان حال الأعرابي يردد أخشى أن “الصيفَ ضيعتِ اللبن”.

اليوم، ما من ضرورة لعمل يقوم على إعادة قراءة الواقع السياسي المتغير والمتشرذم سوى إعادة البوصلة السورية إلى موقعها الأول، وشرطاها: الانتصار لمظالم السوريين وحقهم في الحياة، واختيار شكل دولتهم ونظام حكمهم أولًا، والتخلي طوعًا، أو بحكم التاريخ وميولاته، عن التأويل الأيديولوجي المتضخم “للأسلمة” و”العلمنة” و”الدمقرطة”، لمسار الحدث السوري، ووضعه في سياق الواقع وممكناته، ففرضيته ليست نظرية بذاتها، بينما كانت الثورة وحركة التغيير، في أساسها، لهدم ثوابت الرؤية الوحيدة التي ساقها “حزب البعث”، على كل المجتمع.