سورية.. زحمة مؤتمرات وحلّ مفقود

 

عجلة المؤتمرات لحلّ الأزمة السورية التي انطلقت، منذ 2012 مع مؤتمر (جنيف 1)، ما تزال تسجّل خيباتها، على الرغم من تكاثرها وتناثرها، بين جنيف وفيينا وموسكو وأستانا وغيرها من العواصم الساعية لاستضافة “حلّ الأزمة”، وفي كل مؤتمر حول سورية، تلتقي الأقطاب الدولية والمحلية، لبحث إمكانية انتقال سياسي يوقف الحرب، وتغلق أبواب المؤتمر على استعصاء في تقريب وجهات النظر، بين المعارضة والنظام.

التوليفة الرتيبة والمملّة في تكرارها للمؤتمرات حفظها السوريون، مثلما حفظوا ضجيج التمهيد لها وتقسيم الأدوار، بين امتناع النظام وتعطيله الحلّ، وبين امتناع المعارضة وتعطيلها الحلّ، لكن حفظ الأدوار لم ينهِ لعبة المؤتمرات لإدارة الأزمة، فالسوريون كانوا على موعد مع دفعة رباعية مؤتمراتية موزّعة بين أستانا وسوتشي وجنيف، ويتخللها مؤتمر الهيئة العليا للمفاوضات أو (الرياض 2)، هذه الجرعة الزائدة من المؤتمرات كان من المفترض أن تنعقد خلال شهر واحد، قبل تأجيل مؤتمر (سوتشي)، وبغض النظر عن التأجيل أو التسابق في عقد المؤتمرات التي تسفر عن مؤتمرات أخرى؛ فإن موكب المؤتمرات الذي بدأ مع (أستانا 7)، في 30 و31 تشرين الأول/ أكتوبر، تخلله اتفاق الدول الراعية لأستانا، على بحث مؤتمر أكثر تميّزًا وخروجًا عن الرتابة، وهو مؤتمر “شعوب سورية” الذي دعت إليه موسكو بتاريخ 18 تشرين الثاني/ نوفمبر، بداية في حميميم: المركز الروسي لإدارة الحرب والسياسة، ثم جرى نقله نحو منتجعات (سوتشي)، لعلاج الاسم المستفز للسوريين على اختلافهم، وتعديل بنيته من شعار “للتفتيت”، باعتبار التسمية مقدمة لطرح فكرة كانتونات عرقية أو طرح مشروع تقسيم جديد لسورية، إلى مؤتمر “الحوار الوطني السوري”، كتسمية ودية تمنع الالتباس، لكن منع الالتباس لم يمنع انتشار الشكوك، فإشارة بوتين في أثناء خطابه، في منتدى (فالداي)، إلى أن الهدف من هذا المؤتمر “تحقيق السلام، عبر اجتماع ممثلين عن كافة الجماعات العرقية الموجودة على أراضي الجغرافيا السورية”، أنعشَت بالأذهان اتفاقَ “الطائف” اللبناني، ولم يجرِ تعديل بنيتها واستصلاحها عبر إطلاق خطاب آخر يقولبها، ويجعلها أكثر قبولًا على المستوى السوري، فقبول هذه الصيغة من قبل السوريين أو عدمه لن يشغل بال روسيا أو غيرها من الدول البارعة في وضع الحلول، لما يسمى “الأزمة” التي حصدت حتى الآن من الضحايا ما يقارب نصف مليون سوري.

روسيا المتعجّلة لاستثمار اللحظة الراهنة والمفصلية من اقتراب إغلاق حلبات القتال، والشروع في العملية السياسية، وسبل تحديد شكل النظام وطبيعته، ترغب في تحقيق انتصار دبلوماسي وعسكري، عبر فرض معادلة جديدة تتجاوز مباحثات جنيف، فمؤتمر (سوتشي) وُجِّهت فيه الدعوة إلى 33 جماعة وحزبًا، موزّعين بين منصّات المعارضة السورية في الخارج: “الرياض، القاهرة، موسكو”، ومنصّات المعارضة الداخلية المجتمعة، تحت سقف “منصّة حميميم” برعاية روسية، إضافة إلى أحزاب ومنظمات كردية، من بينها “حزب الاتحاد الديمقراطي”، ورغم ما رافق المؤتمر من تجاذبات دولية ورفض المعارضة المشاركة فيه، فإن مهمة المؤتمر الأكبر في تدشين “إصلاحات دستورية” هي ما تزيد الشكوك بأن غاية هذا المؤتمر بحث “المصطلحات السياسية” المحتملة، لإرضاء جميع الأطراف السورية، سواء بحكم ذاتي للكيانات الطائفية والعرقية، أو بسورية فيدرالية، والتي تشكّل اعترافًا بسيطرة مجموعات مختلفة على المناطق السورية، وأنه ليس بإمكان أي من هذه المجموعات القضاء على الأخرى، ولكن قد يتسنى لها الاتفاق على الحفاظ على سورية كدولة واحدة. هذا ما تبيّنه التهديدات التي أطلقتها روسيا بأن من لا يحضر المؤتمر، فلن يجد له مكانًا في الحل السياسي المقبل، بالتالي يخسر حصّته في تقاسم المناصب، في الحكومة السورية المقبلة، وتضيع حقوق طائفته في المفاوضات للدستور السوري المقبل. فروسيا -بوصفها دولة محتلة- تسعى لفرض رؤيتها على الواقع السوري، وتُمهِّد لجعل الفيدرالية مسارًا محتملًا، بعد مناطق خفض التصعيد، بحيث تضمن المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية لها، وللدول المتورطة في الحرب السورية، والسيناريو الروسي للحل بكافة تجلياته، من صياغة دستور طائفي إلى سورية اتحادية، بقدر ما يجده بعض السوريون مسارًا تفتيتيًا أسود، يجده آخرون حلًا لوقف آلة الموت التي جعلت الحياة أعز من الأوطان.

المباحثات بشأن سورية من جنيف إلى أستانا، والمفاوضات الرديفة التي لا نهاية لها في الأفق، تحوّلت -في أذهان السوريين- إلى مختبرات سبر التوجّهات الدولية، ومعرفة المدى الذي وصلت إليه قدراتها التساومية في الملفات الساخنة، فنتائجها لا تعالج أزمة سورية، بقدر ما تسلّط الضوء على أزمة الدول الراعية لهذه المؤتمرات، واختلاف المبادئ وترتيب الأولويات، بين القوى الكبرى التي وقفت وراء أطراف المفاوضات، وتظهر الخلل في علاقاتها الدولية الذي أسّست له السنوات الماضية، وطبيعة الرهانات التي تم بناؤها على هامش حمّام الدم السوري، من دون أن يكون مسموحًا لأطراف الصراع حسم المعركة، والتي تزداد انشقاقًا وتشابكًا مع إطلاق العنان لتوقعات نهاية الحرب، وإعادة الإعمار التي تصبّ في مسار تقاسم الحصص.

زحمة مؤتمرات حلّ الأزمة السورية الساعية لخرق جدار أزمة الدول المشاركة في إدارة الأزمة، لم تقدّم حلولًا لإيقاف سيل الضحايا، أو تأمين معيشة لائقة للسوريين في مخيمات التشرّد اللاإنسانية، ولمن يفترشون تراب الوطن ويتغطون بسمائه، ويستظلّون بأوهام المؤتمرات التي  يقصد منها كل شيء إلا حلّ المشكلة التي نُظِّم المؤتمر من أجل حلّها، والتي تزداد عبثية بأن الطرفين المتصارعين: النظام والمعارضة، لن يخرجوا من عباءة الأوصياء عليهم الإقليميين والدوليين، وتقديم مصلحة السوريين على مصالحهم، لينظروا في حلول سورية تُلبّي طموحات الشعب السوري، وتحفظ كرامة الأجيال القادمة، بدل تحويلهم ضحايا النتائج السياسية للمؤتمرات وحلولها.