أميركا وروسيا والتسوية السورية المفقودة

 

أن يأتي البيان المشترك للرئيسين: الأميركي والروسي، حيال سورية، عامًا وفضفاضًا؛ فهذا مؤشر على أن العاصمتين لم تصلا بعدُ إلى بلورة اتفاق واضح ومحدد، حيال العملية السياسية.

فالاتفاق على أن لا حلَّ عسكريًا في سورية، وعلى أهمية التمسك بسيادتها ووحدة أراضيها وعلمانيتها.. إلخ، كلها اتفاقات قديمة، موجودة في معظم القرارات الدولية الخاصة بسورية، وفي معظم البيانات الدولية التي تم التفاهم حيالها، بدءًا من (جنيف 1)، وانتهاء ببياني (فيينا 1) و (فيينا 2).

مع أن البيان أكد على مفاوضات جنيف، باعتبارها المسار الرئيس للحل، وأكد على القرار الدولي 2254، لكنه لم يدخل في تفاصيل القرار الدولي، خصوصًا أن الجولات السابقة من مفاوضات جنيف كشفت محاولات دي ميستورا تجاوز بعض بنود القرار، فقد أكد البند السادس، من الوثيقة التي قدّمها المبعوث الأممي في جولة (جنيف 5)، على “استمرارية عمل الدولة ومؤسساتها العامة وتحسين أدائهما، مع إجراء إصلاحات وفقًا لما تقتضيه الضرورة”.

وقد استخدم دي ميستورا -آنذاك- مصطلحات الحوكمة والحكم الرشيد، بدلًا من هيئة الحكم والمرحلة الانتقالية، في مؤشر على تجاوز الترتيب الزمني الذي حدده البند الرابع من القرار الدولي 2254 “يعرب عن دعمه، في هذا الصدد، لعملية سياسية بقيادة سورية تيسرها الأمم المتحدة وتقيم، في غضون فترة مستهدفة مدتها ستة أشهر، حكمًا ذا مصداقية، يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية، وتحدد جدولًا زمنيًا وعملية لصياغة دستور جديد، ويعرب كذلك عن دعمه لانتخابات حرة ونزيهة تجرى، عملًا بالدستور الجديد، في غضون 18 شهرًا، تحت إشراف الأمم المتحدة، بما يستجيب لمتطلبات الحوكمة وأعلى المعايير الدولية، من حيث الشفافية والمساءلة، وتشمل جميع السوريين الذين تحق لهم المشاركة، بمن فيهم أولئك الذين يعيشون في المهجر، على النحو المنصوص عليه، في بيان الفريق الدولي المؤرخ 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015”.

بكل الأحوال، ثمة ملاحظات أساسية متعلقة بالحل السياسي، يجب التوقف عندها في البيان المشترك بين ترامب وبوتين:

1 – مصير الأسد: من أكثر المسائل غموضًا، لأن جميع القرارات والتفاهمات الدولية لم تتطرّق إلى هذي المسألة، وتركتها مؤجلة إلى ما بعد الاتفاق على تفاصيل المرحلة الانتقالية، ولم يكن معروفًا متى ينتهي دور الأسد، أفي بداية المرحلة الانتقالية أم في نهايتها؟ وماذا عن صلاحياته، إذا بقي في الفترة الانتقالية؟ ثم ما الآلية التي سيخرج بها من المعادلة السياسية؟ وهل سيشارك في الانتخابات؟

لكن في البيان الأخير لترامب وبوتين، جرت الإشارة لأول مرة إلى مصير الأسد؛ إذ لفت البيان المشترك إلى إعلان الأسد عن التزامه بعملية جنيف، والتغيير الدستوري والانتخابات وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم 2254، وهذه إشارة واضحة إلى أن الأسد سيبقى في منصبه أثناء عملية التغيير السياسي، وربما أبعد من ذلك.

2 – الانتقال السياسي: لم يشر البيان إلى مرحلة الانتقال السياسي الوارد في القرار الدولي 2254 وبيان (جنيف 1)، وعدم الإشارة إليها يعني الكثير، ذلك أن هذا المصطلح يؤكد على مرحلتين زمنيتين مختلفتين، يتم الانتقال فيها من مرحلة سياسية إلى مرحلة أخرى مختلفة عن الأولى، أي الانتقال إلى نظام حكم جديد خلال فترة زمنية محددة.

بطبيعة الحال، استبعاد المرحلة الانتقالية يعني استبعاد هيئة الحكم ذات الصلاحيات الكاملة التي تطالب بها المعارضة، وهذا يعني -وفق ما يعنيه- أنه لن يحدث تغيير جذري في نظام الحكم على طريقة بيان (جنيف 1)، وإنما إجراء تغيرات سياسية لا تؤدي إلى إسقاط النظام كاملًا، ولا تمنحه بالمقابل القدرة على الاستمرار، وفق ما هو عليه الآن.

3 – الدستور: وهي مسألة أثارت كثيرًا من النقاش، خصوصًا بعد تغيير دي ميستورا، في جولات جنيف السابقة، الترتيب الزمني الذي حدده القرار الدولي 2254 (الحكم، الدستور، الانتخابات).

وقد أصرّت المعارضة على مناقشة الدستور، بُعيد الانتهاء من مسألة الحكم، لكن دي ميستورا أكد أن مناقشة الدستور لا تعني تغيير الترتيب الزمني، فالتغيير يجب أن يبدأ من شكل الحكم أولًا، لكن اختيار مناقشة الدستور كان لاعتبارات إجرائية، كونه أقل تعقيدًا من مسألة الحكم. وبينما أكدت المعارضة على إجراء تغيير الدستور بشكل كامل؛ أصر النظام على أن يكون مسار الحل السياسي مستندًا إلى الدستور الحالي المشكل منذ عام 2012.

جاء البيان الروسي الأميركي الأخير، ليأخذ موقف وسطًا، فلا إمكانية لتشكيل دستور جديد في بداية العملية السياسية، ولا إمكانية لبقاء شكل الدستور الحالي، وإنما اعتماد إصلاحات دستورية، تسمح بإجراء تغييرات سياسية تحافظ على جزء من شرعية منظومة الحكم الحالية، وتمنح بالمقابل شرعية دستورية للمعارضة.

الحقيقة أن هذه التغييرات لم تكن أمرًا مفاجئًا، فالانزياحات السياسية حيال الملف السوري بدأت منذ 30 تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2015، حين تراجع بيان (فيينا 1) عن صيغة “جنيف1” (هيئة حكم ذات صلاحيات تنفيذية كاملة)، والاستعاضة عنها بتشكيل حكومة ذات مصداقية، وشاملة وغير طائفية، ثم جاء بيان فيينا الثاني، في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، ليقدم صيغة عامة تؤجل الصراع حول الحكم، (إقامة حكم شاملٍ ذي مصداقية وغير طائفي)، وهي الصيغة التي تم تبنيها في القرار الدولي 2254.

لكن أهمية البيان المشترك للرئيسين: الأميركي والروسي، أنه وضّح معالم الحل السياسي في سورية: مسار سياسي تدريجي بطيء لا يحدث نقلات جذرية، لكنه ينتهي إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة، تحت إشراف دولي، أي الوصول إلى نظام ديمقراطي.