النخب السياسية السورية: رؤية سوسيولوجية

 

يُعدّ توم بوتومور (1920-1992) من أبرز علماء الاجتماع الذين بحثوا في موضوع النخب السياسية، حيث أكد على أهمية وفاعلية ثلاثة أنواع من النخب، في إدارة المجتمع سياسيًا، وهي: المفكرون، مديرو الصناعات، وكبار الموظفين الحكوميين.

تحضر أهمية النخب السياسية، في كونها تتمتع بإمكانية تحديد المسار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في أي مجتمع؛ ما يجعلها أكثر فاعلية وتأثيرًا فيه، مقارنة بالنخب الأخرى (الدينية، الاقتصادية، الثقافية، الأكاديمية.. إلخ)، حيث تمارس بقية النخب في مجال اختصاصاتها من دون القدرة على التأثير مباشرة في رسم السياسة الرئيسية للدولة، ولا تقتصر النخب السياسية على المشاركة في صناعة القرارات السياسية -فهي ليست السلطة السياسية- بل تشمل كل من يؤثر في الحياة السياسية، أو ما يسمى أصحاب الرأسمال السياسي، وهذا ما يميزهم عن بقية النخب والمواطنين العاديين في المجتمع.

في المجتمعات المعاصرة، لم تعد النخبة السياسية واحدة، بل تعددت وتنوعت، بتنوع وتعدد الاتجاهات السياسية والحزبية، وأصبح بالإمكان الحديث عن نخب سياسية، لها دور وظيفي في النسق السياسي والمجتمعي، من خلال الدور الفاعل في توجيه حركة المجتمع والدولة معًا على الصعد كافةً.

عرف المجتمع السوري -كبقية المجتمعات المعاصرة الأخرى- النخبَ السياسية، خاصة في مرحلة النضال الوطني، في مرحلة الانتداب الفرنسي، التي حملت على عاتقها استقلال سورية، ومن أهمها نخب المؤتمر السوري العام برئاسة هاشم الأتاسي، والحزب الديمقراطي برئاسة جميل مردم، وحزب الاستقلال الذي تحول فيما بعد إلى الكتلة الوطنية، والحزب الحر المعتدل برئاسة عبد الرحمن يوسف المقرب من البلاط الملكي، وكذلك فارس الخوري، شكري القوتلي، لطفي الحفار، فخري البارودي، تاج الدين الحسيني والعشرات الآخرين؛ حيث كان لهم الدور الفاعل والمؤثر في إعلان الاستقلال.

بعد الاستقلال، عرفت سورية التجربة الديمقراطية، وحرية الرأي والتعبير، ومارست النخب السياسية عبر الأحزاب السياسية نشاطَها السياسي والفكري بحرية، وفق القوانين الناظمة والدستور، حيث كان للنخب السياسية السورية الدورُ الفاعل والمؤثر في التوجيه السياسي للدولة السورية، إن كان في السلطة أم في المعارضة. ومن أهم هذه الأحزاب حزب الشعب والوطني الناتجين عن الكتلة الوطنية، والحزب الشيوعي السوري، والإخوان المسلمين، وفيما بعد حزب البعث، والقومي الاجتماعي.

تتوقف الحياة الديمقراطية، في فترة الانقلابات العسكرية عام 1949، حيث منع النشاط السياسي لجميع الأحزاب السياسية ولقادتها من النخب السياسية، لمعارضتها للانقلابات العسكرية، وتعود من جديد الحياة الديمقراطية عام 1954، وتبرز بعض الأحزاب الفاعلة على الخارطة السياسية السورية، ومنها حزب البعث العربي، ثم تعود لتتوقف في مرحلة الوحدة السورية المصرية عم 1958، أي يمكن القول إن النخب السياسية السورية كان لها الدور الفاعل والمؤثر في التجربة الديمقراطية، مدة سبع سنوات فقط من تاريخ استقلال سورية.

تتوقف النخب السياسية السورية عن القيام بدورها السياسي الفاعل، إثر انقلاب البعث 1963، إذ اتجه البعث باتجاه تجربة الدول الاشتراكية، ولا سيما الاتحاد السوفييتي، التي لا تؤمن بوجود النخب السياسية والتعددية الحزبية، حيث الحكم لدكتاتورية البروليتاريا، الطبقة التي تمثل مصالح أغلبية المواطنين، مع أنه على أرض الواقع، ظهرت طبقة أصحاب الامتيازات الكبرى التي تحظى بها الأطر العليا للحزب والدولة، الشيء الذي يجعل منها طبقة مستقلة عن الطبقات الاجتماعية الأخرى، كما عبّر عن ذلك الباحث التشيكي (ميلونان دجيلاس)، في كتابه حول النخبة الحاكمة في الاتحاد السوفيتي، وهذا ما حصل إلى حد بعيد في سورية، في ظل حكم البعث، وبخاصة بعد انقلاب الأسد الأب عام 1970، حيث أصبح حزب البعث، الحزبَ القائد للدولة والمجتمع بقوة القانون، من خلال دستور عام 1972 في المادة الثامنة التي تتنافى مع أبسط المبادئ الديمقراطية، حيث المواطن السوري غير البعثي أصبح من الدرجة الثانية، فهو محروم من النشاط السياسي، ومن حق الترشح للعديد من المناصب، ابتداء من منصب رئيس الجمهورية إلى قائد فرقة في طلائع البعث، ومارس سياسة الاحتواء للأحزاب السياسية في تلك المرحلة؛ إما ترغيبًا أو ترهيبًا، فأبدع لهم “الجبهة الوطنية التقدمية”، حيث تحولت أحزابها إلى منظمات سياسية رديفة لحزب البعث، مثلها مثل (طلائع البعث، شبيبة الأسد، والمنظمات الشعبية العمالية والفلاحية والنسائية والحرفية.. إلخ). وفي الوقت نفسه، رفضت بعض النخب السياسية السورية سياسةَ الاحتواء والتدجين التي خرجت أغلبها من أحزاب الجبهة التقدمية، وحاولت إعادة الحياة السياسية في سورية، من خلال الإعلان عن التجمع الوطني الديمقراطي عام 1979، الذي عمل على إلغاء المادة 8 من الدستور، إضافة إلى بعض الشخصيات النقابية في نقابة المحامين والمهندسين، الذين اعترضوا على الممارسة الدكتاتورية في قمع السوريين كافة، على خلفية انتفاضة “الإخوان المسلمين” المسلحة في مدينة حماة ومدن سورية أخرى، وكان مصيرهم معتقلات الموت لسنوات عديدة، حيث الغياب المطلق للعمل السياسي العلني في سورية، في مرحلة الأسد الأب، سوى لحثالة من السياسيين، حددت أدوارهم كأبواق إعلامية لتدافع عن النظام الاستبدادي عند الحاجة. وهنا بدأت تظهر فئات سياسية شابة جديدة، معظمها من اليسار الجديد (حزب العمل الشيوعي)، معارضة للنظام السياسي استنادًا إلى الفكر الماركسي الاشتراكي، من دون الحديث بعمق واضح عن الديمقراطية والتعددية السياسية وتداول السلطة، وحق السوريين جميعًا في العمل السياسي، بغض النظر عن أيديولوجياتهم، أيضًا كان مصيرهم المعتقلات، وهكذا تحولت سورية في عهد الأسد الأب إلى صحراء سياسية، حيث الغياب المطلق للنخب السياسية، التي من المفترض أن تقوم بتأطير المواطنين سياسيًا ونقابيًا وتوعيتهم فكريًا وثقافيًا، من خلال شرح برامج أحزابها السياسية والحزبية، واستعراض تطلعاتها المستقبلية، من أجل التأثر قي أفراد المجتمع، أو تقودهم وتخطط لهم وتوجههم في الاتجاه الوطني؛ ما اضطر معظم السوريين البسطاء إلى الانتساب إلى حزب البعث ومنظماته، اتقاء شر الاعتقال.

بعد وفاة الأسد الأب وتوريث الأسد الابن، كانت النخب السياسية قد أزيحت من الساحة السياسية، إما بالسجون أو بالصمت خشية الاعتقال، لذلك سارت عملية التوريث بخطى طبيعية، من قبل حثالة من السوريين السياسيين الفاسدين، في الدوائر العليا للنظام السياسي.

مع بداية حكم الأسد الابن، ظهر ما يسمى بـ “ربيع دمشق”، وبدأت تبرز بعض النخب السورية السياسية من جديد، مثل المنديات السياسية والثقافية، ولجان المجتمع المدني، وفيما بعد، المجلس الوطني لإعلان دمشق عام 2007، وعند شعور الأسد الابن بخطورة تبلور وتجذر نخب سياسية كهذي في المجتمع السوري، التي قد تُشكّل خطرًا حقيقيًا عليه؛ انقلب الأسد الابن على “ربيع دمشق” الذي لم يستمر سوى أشهر، وعاد إلى حضن أبيه السياسي، حيث زج معظم النخب السياسية الصاعدة في تلك الفترة في المعتقلات، وهكذا كرر تجربة أبيه، ودمّر النخب السورية السياسية من كافة الاتجاهات السياسية، بحيث بقي المجتمع السوري خاليًا من النخب السياسية القادرة على المعارضة وتأطير أفراد المجتمع في العمل السياسي.

جاءت الثورة السورية عام 2011 لتكشف نتائج هذا التصحر السياسي من النخب السياسية في سورية، حيث كان عماد الثورة بسطاء السوريين في السياسة، غير المؤطرين في أحزاب سياسية سابقًا، متجاوزين النخب السياسية التي من المفترض أن تقودهم وتوجههم بالاتجاه الوطني السليم، لذلك كان من السهولة على النظام قمعهم، وتوجيه البعض منهم باتجاه تنظيمات أصولية مسلحة، بعيدة عن أهداف الثورة: ثورة الحرية والكرامة، بالانتقال من نظام الاستبداد نحو نظام ديمقراطي تعددي.

كشفت الثورة، مع استمرارها سنوات، عن التشوهات السياسية والأخلاقية لبعض من صدروا أنفسهم، كنخب سياسية معارضة وقادة للثورة، فلم تستطع الخروج من كونها نخبًا تسلطية بالجوهر فكرًا وممارسة، ينقصها الخبرة والالتزام والصدقية، فقد تبين أن أغلب الهيئات السياسية التي تشكلت، على أثر الثورة، ينقصها الكوادر السياسية الفاعلة والمؤثرة في المجتمع، المؤهلة سياسيًا وإداريًا وتنظيميًا لممارسة المعارضة السياسية وقيادة الثورة، وهذا الأمر طبيعي، في ظل تصحر سياسي من النخب والأحزاب السياسية، مدة خمسين عامًا من حكم البعث.

أثبتت تجربة الثورة السورية عام 2011 الحاجةَ الماسة إلى وجود النخب السياسية المتعددة والمتنوعة اجتماعيًا وسياسيًا، لبناء الديمقراطية والسير باتجاه بناء مجتمع تعايشي ومتنوع سياسيًا واجتماعيًا، يحافظ على السلم الاجتماعي، من خلال الحكم التداولي للسلطة السياسية.

هذه النخب السياسية السورية لا يمكن أن تنجح في مهماتها ووظائفها، إلا إذا كانت نخبًا مثقفة ومبدعة، تحمل في برامجها المصلحة الوطنية السورية، قبل المصلحة الشخصية، بمعنى آخر: لا يمكن للنخب السياسية أن تكسب قيمتها الاجتماعية، إلا إذا كانت بوصلتها باتجاه خدمة المجتمع والمواطن على الصعد كافة.