خطابات النعي للثورة السورية فيها مجازفة

 

نسمع “عالطالع والنازل”، عبارات: “ما عاد في ثورة”.. “انتهت الثورة”.. “أين هي الثورة؟”.. وعبارات كثيرة تصب الماءَ على هذه الفكرة، ولا نقصد هنا كلام خصومها، بل قطاعًا واسعًا من الذين ما انفكّوا يُعلنون انتماءهم إليها، وحرصهم على انتصارها، وقلقهم على مصيرها، كيف باتوا ينعون ثورة الشعب السوري، وكأنها هزمت أو فشلت.

لا يستطيع أحد من المعنيين بالثورة، وبقضية الشعب السوري، إنكارَ تمادي مظاهر العجز والخلل في المعطيات العملية والواقعية التي تلف حالة الشعب السوري، وبشكل متفاقم ومتصاعد، مع كل تعقيد جديد في الصراع ضد سلطة المافيا وأسيادها الإقليميين (طهران وميليشياتها الطائفية)، والدوليين (روسيا وأجندتها ودورها ومنظوماتها العسكرية والتكنولوجية).

لكن الأمر لا يتعلق بالسنة الأخيرة وما سبقها، حين حقق التحالف الفاشي الإجرامي (الروسي الإيراني – الأسدي، الطائفي) تقدمًا على مساحات واسعة من الأرض، تحت راية محاربة الإرهاب، بينما الحرب الفعلية ضد البؤر الثورية المنتشرة في غير مكان.

في الواقع، منذ وقت مُبكّر، برزت الأحكام المتسرعة التي قرر أصحابها -وهم كثر- فشلَ الثورة، قبل خسارتها مواقع مهمة واستراتيجية، وانحسار المساحة التي تتحرك فيها، وتغذَت هذه الأحكام من مصادر كثيرة، على ما يبدو، ربما أهمها:

أولًا: التخبط السياسي لقوى المعارضة، وخلافاتها البينية، وما برز في صفوف قياداتها من أنانيات تنظيمية وسياسية وشخصية، ظهرت في تناقض التصريحات، وتبادل الاتهامات، كنتيجة طبيعية للمسار الذي ولدت فيه قيادات المعارضة، وهو مسار بينه وبين الثورة على الأرض مسافة، تخللها الكثير من الشكوك بجدارة القيادات وأهليتها لتكون جسمًا مطابقًا للعمل الثوري، وبما يُلبّي حاجات الثورة في مختلف الميادين. وهذا الأمر زاد عمق الهوة التي تفصل الشعب عن “القيادات” التي يُفترض أن تكون متلاحمة مع حاجاته، ومستلزمات طريقه الثوري؛ ومعه أصبح الحكم على فشل الثورة، أو حتى هزيمتها، يستند إلى الحالة البائسة لقيادات المعارضة بالدرجة الأولى.

ثانيًا: احتلال (داعش) و(النصرة)، وهوامشهما، المساحةَ الأكبر من المشهد العسكري والإعلامي في الصراع، وعلى حساب القوى العسكرية والمدنية التي برزت بقوة خلال 2011 وحتى مطلع 2015، وما ارتكبته هذه الأطراف الإرهابية ضد الثورة يفوق أحيانًا ما قامت به السلطة، التي كلما عجزت عن تسديد ضربات موجعة لمواقع الثورة؛ تكفل الإرهاب الداعشي والقاعدي بالتعويض عنه. حاصله كان مشهد قوى الثورة المسلحة ينحسر ويضمر، لمصلحة السلطة وحلفائها الطائفيين، ولمصلحة (داعش) و(جبهة النصرة)، وفي هذا المناخ، بدا وكأن الثورة التي تنشد الحرية والديمقراطية والتعدد والتنوع، قد غابت نهائيًا عن الفعل والتأثير؛ ومنه أصبح القول بفشلها وهزيمتها مدعومًا بالمعطيات المذكورة.

ثالثًا: جاء الترحيل “بالباصات الخضر”، الذي تم كنتيجة لما يدعى “اتفاقات مصالحة”، ليرسم علامات إحباط ويأس، بما انطوى عليه ترحيل أبناء المدن والبلدات بعيدًا عن أماكنهم، وهو ما دفع أبناء المناطق المحاصرة والمدمرة إلى الشعور بأن ثورتهم قد انتهت، ولم يعودوا قادرين على مواصلة الصمود، وأمام أنظارهم تكالب الحلف الفاشي الإجرامي الروسي الإيراني مع سلطة الطاغية، بينما هم لا نصير لهم ولا تحالف يسندهم. والخطير في تلك “المصالحات” والباصات الخضر، في أنها جعلت تجزئة المصير بين أبناء الشعب، وتركه لمعطيات تقررها كل مدينة أو بلدة بمفردها، وحسب اجتهادات وجهائها. إلى جانب انسداد كل أفق لما أطلق عليه “الحل السياسي للأزمة في سورية”، على كثرة “جينيفات”، واستبدالها “بأستانات”، والابتكارات الروسية المنحطة “حميميم” و”سوتشي”، واستثمار السلطة لكل ذلك في كسب الوقت والأرض والمواقع.

رابعًا: شكّلت حالة الفساد في صفوف المعارضين، وتنافسهم على المكاسب المادية والمعنوية، وفي صفوف بعض القوى العسكرية المحسوبة على الثورة، ضربةً معنوية وسياسية لمكانة الثورة، خصوصًا أنها أفرزت اتهامات متبادلة، داخل التشكيلات، بعمالة هذا وذاك لهذه الدولة أو تلك، وحتى باتهام البعض للآخر بالعمالة للنظام. ناهيك عن نفرٍ، يتحدث باسم المعارضة، لم يتورع عن إجهار علاقته بـ (إسرائيل) أو التدليس لسياساتها. وفي مثل هذا المناخ أيضًا؛ يصبح الاستنتاج بأن الثورة “انتهت” أو “فشلت” واسع الانتشار، وهو ما يزيد الطين بلة.

لن نغامر في نعي الثورة وتأبينها، على كل ما هي عليه الحالة في سورية، وما يتعلق بأزمتها. ولا نريد أن نُطالب بالإجابة عن سؤال: هل انتصر النظام؟ ولكن ثمة ملاحظات تردع عن نعي الثورة. وربما أهمها:

– استمرار البؤر الثورية، المدنية والعسكرية، صامدةً في مواجهة بطش الحلف المعادي، والحلف الإرهابي، الذي صار مركز ثقله اليوم “هيئة تحرير الشام – القاعدة”. وإلى جانبها توجد محاولات لتنظيم الأمور الأساسية لحياة الناس. ويمكن أن تُعاود هذه البؤر النهوض عمقًا واتساعًا في ظروف مواتية.

– تُشكّل قضية المعتقلين والمختطفين والمفقودين مادةً ملتهبة، لا يمكن أن تنطفئ، حيث ستبقى، بسببها وبأسباب أخرى، جاهزية موضوعية عالية، لتصعيد المواجهة السلمية المدنية، مع مستلزماتها الدعاوية والتنظيمية، لوضعها في القلب من الحراك على المستوى الدولي.

– في السنوات السبع، من عمر الثورة السورية، نشأت مشكلات جديدة في وجه سلطة الطغيان، من جراء ما تقوم به أجهزة السلطة وميليشياتها وعصاباتها، من قهر واستغلال لواقع الناس. فالفساد والسطو والسرقات والغلاء، وحرمان الناس من أبسط مقومات الحياة، هي مظاهر يومية ومتفاقمة، ولا بدّ أنها تشكل أساسًا لحراك متنوع بأدواته وأهدافه، يضع ظهر السلطة على الحائط باستمرار.

– أفرزت سنوات الثورة، في الداخل، وفي صفوف السوريون في الخارج، طواقم من الفنانين والإعلاميين والناشطين في مجالات حقوق الإنسان، يمكن أن تُشكّل ركيزة للعودة بالثورة إلى نهوض جديد، كضرورة لاستمرار السعي للحرية ولبناء مجتمع جديد في مستقبل سورية.

– على مستوى قيادات المعارضة، ففي صفوفها أيضًا شخصيات واعية ووازنة ومخلصة لقضية الحرية، فليس عجز المعارضة على مستوى الأداء السياسي، وعلى الأقل، تخبطها، دليلًا على فشلها المطلق والكامل، وهي شخصيات تحظى بالاحترام من شعبها، وعلى الصعيد الإقليمي والدولي. وطالما الهجمة الوحشية التي يشنها الحلف المعادي مستمرة؛ فإن دورًا بانتظار هذه الشخصيات، إلى جانب ما أفرزته التجربة من طاقات جديدة وشابة، في مختلف الميادين.

أخيرًا، نعم. الثورة في خطر، والهجمة على الشعب مستمرة، والأزمة الذاتية للمعارضة خانقة، لكن المغامرة في التسرع بإعلان نهايتها وهزيمتها، ينقصه التفكير الدقيق، والرؤية الشاملة للمشهد السوري برمته، من كافة أبعاده.